تربية الأولاد على الإيمان بالله

07/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا. يقول تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} [البقرة: 281]. {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [المائدة: 35]. {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} [الحشر: 18]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد؛ 
عباد الله: إن صلاح الأبناء والبنات أمنيّةٌ عظيمة يتطلّع إليها الآباء والأمهات، وغايةٌ سامية يسعون إلى تحقيقها، وهو من أجلّ النعم وأعظم المنن التي يمنّ الله بها على عباده، فما أسعد المسلم حين يرى أبناءه قد هداهم الله سواء السبيل، وثبّتهم على الاستقامة، وجعلهم أهل طاعةٍ وديانة، يحبّونه ويبرّونه، ويوقّرونه ويطيعونه في طاعة الله، فتقرّ بهم عينه، وينشرح بهم صدره، وتطيب بهم حياته، ولا يكون ذلك من الأولاد إلا إن نشؤوا على تربيةٍ صالحة، وتهذّبت أخلاقهم، وحسنت ألفاظهم، واستقامت سلوكياتهم، بعدها يحسُن تعاملهم مع ربهم قبل كل شيء، ثم مع والديهم، ثم مع إخوانهم وجيرانهم وأرحامهم وسائر المسلمين.
أيها المسلمون: لعظيم شأن مطلب صلاح الأبناء والذرية كان أنبياء الله تعالى وخيرتُه من خلقه يسألون الله ذلك، ويتضرعون إليه به، يسألونه صلاح أبنائهم وذرياتهم، فهذا خليل الرحمن عليه السلام يقول: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40]، وهذا نبي الله زكريا عليه السلام يناجي ربَّه قائلاً: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38]، وهؤلاء عباد الرحمن كما وصفهم ربهم يقولون: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]. ويحدّثنا القرآن عن الرجل الصالح الذي أنعم الله عليه، فكان من شكره أن دعا لذريته قائلاً: {رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} [الأحقاف: 15]. وهذه أولى خطوات صلاح الأبناء وتربيتهم على طاعة الله تعالى، الدعاءُ والتضرع إلى الله تعالى أن يصلحهم ويهديهم.
أيها المؤمنون: إن أبناءكم من الذكور والإناث بأمسّ الحاجة إلى دعائكم، فالجؤوا إلى رب الأرض والسماوات، وادعوه آناء الليل وأطراف النهار أن يهديهم صراطه المستقيم، وأن يحفظهم من مكائد شياطين الإنس والجن، وأن يرزقهم الثبات والاستقامة، فإن ذلك مما تقر به أعين المؤمنين. قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21]. أولادك أمانة في عنقك، وهم بحاجة إلى دعائك، كما هم بحاجة إلى رعايتك وتربيتك الصالحة. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6].
أيها الآباء والأمهات: إن صلاح الأبناء بعد توفيق الله متعلّق بأقوالكم وأفعالكم، وحركاتكم وسكناتكم، فالأبناء يراقبونكم منذ الصغر، ويتأثرون بأخلاقكم وسلوككم، فإن نشؤوا في بيت أبٍ يخاف الله، وأمٍّ تتقي الله، فإنهم يتربون على هذا الخلق الكريم، فأبنائكم مرآة لأعمالكم، فإن رأوكم تعظّمون الله تعالى عظّموه، وإن رأوكم محافظين على الصلاة حافظوا عليها، وإن رأوكم بارين بوالديكم برّوكم، وإن رأوكم تصاحبون أهل الخير والصلاح نفَروا من أهل الفساد، وإن سمعوا منكم طيب القول نطقوا به، وإن ألفوا منكم السباب والفحش ألفوه منكم ومنهم.
عباد الله: لا بد لتربية الأبناء على الصلاح من تعاهدهم بالموعظة والنصح، وبيان الطريق القويم لهم فذلك دأب الصالحين قبلنا، قال الله تعالى عن لقمان الحكيم وهو يعلم ابنه: {وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ 13 وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ 14 وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 15 يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ 16 يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ 17 وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ 18 وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ 19} [لقمان: 13-19]. فبدأ لقمان موعظته لابنه بتعليمه التوحيد، وحذّره من الشرك، ثم دعاه إلى الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والصبر، وحذّره من الكبر وسوء الخلق، وذكّره برقابة الله له في السر والعلن، وتلك والله موعظة عظيمة، ساقها الله لنا في كتابه لنتأسى بها.
أيها المسلمون: اعلموا أن الأبناء أمانة، وأنه من ضيّع الأمانة كان مسؤولًا عنها يوم القيامة، يقول ربنا جل وعلا في كتابه العزيز: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]. والأبناء من الأمانة، والأمانة عظيمة، والإنسان بطبيعته ظلوم جهول، ولا يرفع عنه الجهل إلا العلم، ولا يرفع عنه الظلم إلا الإيمان الذي يقوده إلى العدل والخير؛ فعوّدوا أبناءكم على الخير، وعلّموهم الصلاة، وربّوهم على الفضائل، واغرسوا في نفوسهم مكارم الأخلاق، وحبّبوا إليهم الصدق، وكرّهوا إليهم الكذب، وعلّموهم حسن المعاملة مع الناس، لينشؤوا نشأة طيبة مباركة؛ فإذا أحسنتم تربيتهم، نلتم السعادة في الدنيا والآخرة، فقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ : صدقةٍ جاريةٍ ، وعلمٍ ينتفعُ به ، وولدٍ صالحٍ يدعو له) رواه مسلم. وكم من أبٍ وأمٍّ تنقطع أعمالهم، وتبقى دعوات الأبناء الصالحين ترفع درجاتهم، وتزيد حسناتهم، فما أعظمها من نعمة، وما أطيبها من ثمرة.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد؛
عباد الله: إن الإيمان بالله أصلُ كلِّ صلاح، وأساسُ كلِّ استقامة، فمن صلح إيمانه صلح عمله، ومن استقام قلبه استقامت جوارحه. وإن أولادنا لا يُصلحهم كثرة المال، ولا وفرة المتاع، وإنما يصلحهم صدق الإيمان، ومراقبة الرحمن. فاتقوا الله في أبنائكم، وابدؤوا بأنفسكم، وكونوا لهم قدوةً صالحة، وأكثروا من الدعاء لهم بالهداية والصلاح، وتعاهدوهم بالنصح والموعظة الحسنة، واغرسوا في قلوبهم تعظيم الله تعالى، وحبَّ طاعته، وكراهية معصيته. واعلموا رحمكم الله أن من أعظم ما يُخلفه العبد بعد موته ولدٌ صالحٌ يدعو له، فطوبى لمن أحسن التربية، وغرس الإيمان، وصبر على المشقة، فجنى ثمرة ذلك سعادة في الدنيا وذخرًا في الآخرة. فاتقوا الله عباد الله، وأصلحوا بيوتكم، وأقيموا فيها ذكر الله تعالى، وحافظوا على الصلاة، وقراءة القرآن، فإن البيوت إذا عُمِّرت بالإيمان حفظ الله أهلها وأبناءها.
ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، امتثالًا لأمر ربكم: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]. 

www.islamweb.net