تعرف على الله في الرخاء

07/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
أما بعد، أيها المسلمون:

يا مَن أكرمكم الله بنعمة الإسلام، ويا من أنعم عليكم بنعمه الكثيرة وبالعافية والأمن والرخاء، اعلموا أن هذه النعم ليست مجرد حظوظ دنيوية عابرة، وليست مجرد نعيم مؤقت يزول، بل هي فرصة عظيمة للتقرب إلى الله، قبل أن تدرككم الشدائد وتغشاكم الكروب، وتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (احفظِ اللهَ يحفَظْكَ، احفظِ اللهَ تجِدْهُ أمامكَ، تعرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاءِ يعرِفكَ في الشِّدَّةِ) رواه الترمذي.
فالرخاء زمنٌ للإكثار من العمل والخيرات، وفرصة بناء الصلة بالله، قبل أن يحول بين المرء وبين ما يشتهي مرضٌ أو خوفٌ أو فقر، ومن عرف الله في أيام النعيم عرفه الله في ساعات البلاء، ومن شكر المنعم في حال السعة، أمده بالعون في حال الضيق، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ * وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}(الطلاق:2-4)، فاغتنموا شبابكم قبل هرمكم، وصحتكم قبل مرضكم، وأمنكم قبل خوفكم، فإنها فرص لا تدوم، ومن ضيّعها ندم حين لا ينفع الندم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ) رواه الحاكم.

فأوقات الرخاء والصحة والقوة، فرصة للمسارعة والإكثار من الطاعات والعبادات والخيرات قبل أن يحول بين المرء وبين ما يشتهي مرضٌ أو خوفٌ أو فقر، ففي زمن الصحة يستطيع المرء أن يعمل ما يعجز عنه في حال المرض، وفي أيام الشباب يقدر على ما لا يقدر عليه في الكبر والهرم، وفي ظل الأمن والطمأنينة يتهيأ له من الطاعات ما لا يتهيأ في حال الخوف والاضطراب، ومن المعلوم والمشاهد أن العافية في البدن لا تدوم، والأمن والترف ربما يزول، ولذا فالمؤمن بالله حقاً الذي يقوم بحق الله تعالى دائما في حال صحته وفي حال مرضه، وفي حال غناه وفي حال فقره، ويتعرف للحي القيوم في حال الرخاء، وربه سبحانه يعرفه في حال الشدة، وفي حال الضيق، فيلطف به ويعينه على الشدائد، وييسر أمره..
وهذا المعنى الجليل قد بينه لنا النبي صلى الله عليه وسلم وأبرزه في حديثه عن الثلاثة الذين آواهم الغار، فانطبقت عليهم الصخرة، وأغلقت عليهم الغار فلم يجدوا ملجأً ولا مخرجاً لهم إلا أن يسألوا الله تعالى بصالح أعمالهم التي عملوها في حال الرخاء، فكان ذلك سبباً في تفريج كربهم وإنقاذهم من الهلاك.

يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنه: (سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ حتَّى أوَوُا المَبِيتَ إلى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَسَدَّتْ عليهمُ الغَارَ، فَقالوا: إنَّه لا يُنْجِيكُمْ مِن هذِه الصَّخْرَةِ إلَّا أنْ تَدْعُوا اللَّهَ بصَالِحِ أعْمَالِكُمْ، فَقالَ رَجُلٌ منهمْ: اللَّهُمَّ كانَ لي أبَوَانِ شَيخَانِ كَبِيرَانِ، وكُنْتُ لا أَغْبِقُ قَبْلَهُما أهْلًا ولَا مَالًاأي (لا أُقَدِّمُ عليهما أحدًا في شُرْبِ لَبنِ العَشاء)، فَنَأَى بي في طَلَبِ شَيءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عليهما حتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لهما غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُما نَائِمَيْنِ وكَرِهْتُ أنْ أَسقي قَبْلَهُما أحدا، فَلَبِثْتُ والقَدَحُ علَى يَدَيَّ، أنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُما حتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلكَ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا ما نَحْنُ فيه مِن هذِه الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شيئًا لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ.

قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كانتْ لي بِنْتُ عَمٍّ كانت أَحَبَّ النَّاسِ إلَيَّ، وأردْتُ أنْ أَزْنِيَ بها، فامْتَنَعَتْ منِّي، حتَّى نَزَلَتْ بها مَضَرَّةٌ جعَلَتْها في حاجةٍ وفَقْرٍ، فجاءتْ تَطلُبُ منِّي المُساعَدةَ، فأعطيْتُها عِشرينَ ومِئةَ دِينارٍ، وشَرَطْتُ عليها أنْ تُمكِّنَني مِن نفْسِها مُقابِلَ المالِ، فوافقَتْ، حتَّى إذا تَمكَّنتُ منها، واقترَبْتُ مِن جِماعِها، قالَتْ لي: يا عبدَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ لا أُحِلُّ لكَ ذلك إلَّا بالزَّواجِ الَّذي أحلَّهُ اللهُ،  اللَّهُمَّ إنْ كُنتُ فعَلْتُ ذلك ابتغاءَ وَجهِكَ فافْرِجْ عنا ما نحنُ فيه، فأخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ بابَ الغارِ فُتِحَ قَدْرًا يسيرًا، ولكنْ لا يَستطيعون الخُروجَ..
قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وقالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فأعْطَيْتُهُمْ أجْرَهُمْ غيرَ رَجُلٍ واحِدٍ تَرَكَ الَّذي له وذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أجْرَهُ حتَّى كَثُرَتْ منه الأمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ، أدِّ إلَيَّ أجْرِي، فَقُلتُ له: كُلُّ ما تَرَى مِن أجْرِكَ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والرَّقِيقِ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَسْتَهْزِئُ بي! فَقُلتُ: إنِّي لا أسْتَهْزِئُ بكَ، فأخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ منه شيئًا، اللَّهُمَّ فإنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلكَ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ ، فَافْرُجْ عَنَّا ما نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ) رواه البخاري.

هذا الحديث النبوي عن هؤلاء الثلاثة يجلّي لنا حقيقة عظيمة: أن الأعمال الصالحة التي يؤديها العبد في حال العافية والرخاء هي زاده عند الشدة والبلاء، وهي مفاتيح الفرج عند الكرب، لقد انطبقت الصخرة على باب الغار، وأيقن الثلاثة أنه لا مفر لهم إلا إلى الله، فتوسل كل واحد منهم بعمل صالح أدّاه في زمن السعة والقدرة، وسأل الله به، فكان ذلك سبباً لاستجابة الله لهم وانفراج الصخرة ونجاتهم..
فكان من جزاء هذه الأعمال الصالحة التي تعرفوا بها إلى الله في حال الرخاء أن تعرف الله عليهم في حال الشدة، ونجاهم وأخرجهم من الغار والضيق والشدة والبلاء سالمين..وهكذا نرى أن من تعرّف إلى الله في أيام الصحة والعافية، والسعة والغنى، عرفه الله في ساعات البلاء والضيق، وأكرمه باللطف والمعونة، وأمده بالفرج واليسر..
فالرخاء والشباب والغنى والقوة ليس وقتاً للغفلة، ولا مجالاً للهو، بل هو فرصة لبناء رصيد من الطاعات تُثمر عند الحاجة وتكون سبباً للنجاة من المهالك، وأكمل الأحوال أن يتقرب العبد إلى ربه في حال الشدة تقربه إليه في حال الرخاء، فلا يتغير بتغير الأحوال، قال ابن رجب: "مَنْ عَامَلَ اللَّهَ بِالتَّقْوَى وَالطَّاعَةِ فِي حَالِ رَخَائِهِ، عَامَلَهُ اللَّهُ بِاللُّطْفِ وَالْإِعَانَةِ فِي حَالِ شِدَّتِهِ "..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:

الإنسان في حال الرخاء يستطيع أن يعمل ما لا يمكنه القيام به في حال الشدة، والإنسان لا يعيش في رخاء دائم ولا شدة دائمة، وإنما تتقلب عليه الأمور، فمرة في شدة ومرة في رخاء، فحري بالمسلم العاقل إذا كان في رخاء أن يتعرف إلى الله ويكثر من طاعته والقيام بأمره، لأن من تعرف إلى الله في الرخاء تعرف الله إليه في الشدة.
وقد سمعنا ما في حديث الثلاثة الذين انطبق وأغلق عليهم الغار حتى ظنوا أنهم هالكون لا محالة، ثم نجاهم الله ببعض أعمالهم الصالحة التي أدوها خالصة له سبحانه حال الرخاء..
هذا الحديث ليس قصة تُروى للتسلية، بل هو منهج يعلّمنا أن ما نزرعه في أيام الرخاء نقطف ثماره في ساعات الشدة، فمن حافظ على صلاته في زمن العافية، وجدها نوراً ونجاة يوم ووقت الكربات..
ومن برّ والديه في شبابه، وجد بركة ذلك في عمره ورزقه وولده..
ومن حفظ الله في أوامره ونواهيه وهو قوي، حفظه الله في ضعفه وكبره..
ومن أكثر من ذكر الله في أيام فراغه، وجد السكينة والطمأنينة في قلبه ساعة البلاء..
ومن جاد بماله في حال الغنى، وجد ثمرة ذلك في ساعة الفقر والحاجة..
ومن عفّ عن الحرام حين تهيأت له أسبابه، أكرمه الله بالنجاة يوم يفتن الناس..
ومن أحسن إلى الناس في حال قدرته، وجد من يحسن إليه في حال ضعفه وعجزه..
ومن صبر على الطاعة في زمن القوة، أعانه الله على الصبر في زمن الشدة..
فإذا أردت أن يكون الله لك في ضرائك على ما تحب، فكن له في سرائك على ما يحب، قال محمد بن المنكدرِ: "إن الله ليحفظُ بالرجل الصالح ولدَه وولدَ ولده فما يزالونَ في حفظ من الله وستر". ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكَرْبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ) رواه الترمذي.

وإذا كانت أعظم شدة يقع فيها الإنسان هي ما يكون من شدة الموت وما بعده، فإذا كان العبد ممن تعرف إلى الله في حال صحته وسعته، وحياته ونشاطه، وأمنه واستقراره، عرفه الله سبحانه في حال شدته، وعند حضور ملك الموت ويهون عليه الأمر فيحسِّن له الخاتمة، وينتقل من هذه الدنيا على أحسن حال كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيم}(فصلت:30-32)، هكذا تبشر الملائكة أولياء الرحمن، الذين تعرفوا إلى الله في الرخاء، تبشرهم عند الشدائد، وعند سكرات الموت..
فالتعرف إلى الله في الرخاء هو من أعظم ضمانات للفرج في الشدة، وأصدق برهان على أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وهذه سنة من سنن الله في خلقه، أن من تعرف إلى الله في حال الرخاء عرفه في حال الشدة، وقد أوصى بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: (تعرَّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، فلنغتنم أوقاتنا وحياتنا في طاعة الله، ولنجعل أيام الرخاء والقوة زاداً لأيام الشدة والضعف..

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..
 

www.islamweb.net