
يُعدُّ الشيخ عبد الرحمن حبنكة سليل بيت علم ودين وصلاح، والده هو العالم الرباني المربي المجاهد الشيخ حسن حبنكة الميداني (ت1398هـ)، وترجع أصول أسرة الشيخ إلى عرب بني خالد، الذين تمتد منازلهم إلى بادية حماة من أرض الشام.
نشأ الشيخ في بيت دينٍ وعلمٍ ودعوة وتربية، وترعرع في أكناف والده، يحوطه بعنايته ورعايته، ويُعدُّه ليكون خليفة له في العلم والدعوة. تلقى الشيخ دراسته في معهد التوجيه الإسلامي بدمشق على المنهج العلمي الأصيل مع التربية العملية، حيث كان والده يكلِّف طلابه بإعداد الدروس وإلقاء الخطب في المساجد مما كان له أعظم الأثر في تمكنُّهم من الخطابة والوعظ والتعليم، وفي تكوين شخصياتهم العلمية والدعوية.
بدأ الشيخ عبد الرحمن يُعلِّم منذ كان عمره خمس عشرة سنة في معهد والده. ولما تخرَّج من المعهد (1367هـ-1947م) أسند إليه والده تدريس مواد مختلفة فيه، منها: علوم الفقه، والأصول، والتوحيد، والمنطق، والبلاغة حتى (1370هـ) إذ انتسب إلى كلية الشريعة في الأزهر الشريف، وحاز على الشهادة العالية (ليسانس في الشريعة الإسلامية) من الكلية المذكورة، ثم حاز على شهادة العالمية مع إجازة في التدريس (ماجستير في التربية وعلم النفس).
بعد تخرُّجه من الأزهر الشريف صار أستاذاً في ثانويات دمشق الشرعية والعامة، إضافة إلى التدريس في معهد أبيه. وتسلم مديرية التعليم الشرعي التابعة لوزارة الأوقاف، وكان في إدارته حكيماً رشيداً، يعمل بهمة وصمت، ومن أهم ما أنجزه في إبَّان إدارته: تأسيس عدد من المدارس الشرعية في بعض المحافظات السورية، منها: ثانوية شرعية للإناث بدمشق وأخرى بحلب.
في سنة (1387هـ-1967م) انتقل إلى العمل في المملكة العربية السعودية، وعمل أستاذاً في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض لمدة سنتين، ثم انتقل عمله إلى مكة المكرمة، فعمل أستاذاً في جامعة أم القرى زهاء ثلاثين عاماً. ولما بلغ السبعين عاماً أُعفي من عمله الرسمي في الجامعة، واختير عضواً في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وعضواً في مجلس هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، وكان له الكثير من المشاركات في المؤتمرات والندوات.
* صفاته العلمية
كان الشيخ شديد الحرص على وقته، فلا يكاد يُرى إلا قارئاً، أو كاتباً، أو محاضراً، أو مناقشاً، وكان ذا دأب وجَلَد على العلم المتواصل، وكان موسوعي الثقافة، واسع الاطلاع.
كان يفرح بكل فائدة علمية جديدة أو تصويب...فقد كتب له أحدهم بعض الآراء والأقوال التي ذهب إليها في كتبه السابقة، مما يخالف ما ذهب إليه ورجَّحه في "تفسيره التدبري"، فذهب إلى ترجيح ما ذهب إليه في "تفسيره"، الذي وصل فيه إلى ترجيحاته بعد دراسةٍ متأنية لكل سورة، وسبرٍ لكل كلمة قرآنية، ووعد بأن ينبه إلى ذكر ما خالف اجتهاده وترجيحه في كتبه السابقة لـ "تفسيره". وكان من أخلاق الشيخ العلمية: حب المناقشة العلمية والحوار البنَّاء، وسعة الصدر والتحمل لأسئلة السائلين، وآراء المخالفين.
ومما يُذكر للشيخ في هذا الصدد أنه لما قُدِّم إليه كتاب: (غريب القرآن) للعلامة عبد الحميد الفراهي الهندي (ت1349هـ) واطلع على ما كتب حول كلمة {آلاء} مما يخالف ما ذهب إليه جمهور المفسرين بقصر معناها على (النِّعم) وقد ذهب الشيخ إلى ما ذهب إليه جمهور المفسرين عند تفسيره لقوله تعالى: {فبأي آلاء ربك تتمارى} (النجم:55) وتفسيره لقوله سبحانه: {فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون} (الأعراف:69) فأعجب الشيخ بما ذهب إليه الشيخ الفراهي وأيده بشواهد شعرية تفيد أن المعنى: الفِعال العجيبة والصفات العظيمة...ووعد بأن يذكر هذا المعنى عند تفسيره لسورة الرحمن، وهي من التنزيل المدني. بيد أن الشيخ المؤلف بعد أن انتهى من تفسير السور المكية، وشرع في تفسير سورة البقرة وافته المنية.
* نتاجه العلمي
تميز نِتاج الشيخ العلمي بالغزارة مع العمق والشمول، وقد جمع في كتاباته بين القديم والحديث، وبين التخصص الشرعي الدقيق والعلوم الدنيويَّة العصرية. ويُعَدُّ الشيخ بحق مدرسة علمية متميزة قائمة بذاتها في عطائها ونِتاجها، وابتكارها واستنباطها، وتحليلها وربطها...وقد وفَّقه الله سبحانه إلى ذلك الإنتاج العلمي الغزير، بما حباه الله من ذكاء وبصيرة نفاذة، وأُفق واسع، وأساس علميٍّ متين، وتمكُّن من علوم كثيرة، كعلم المنطق، والأصول، واللغة، والفقه...مع إخلاص عميق، وصلة قوية بالله سبحانه، واعتماد عليه تعالى، واستشعار لفقره وحاجته الدائمة إلى عطائه عز وجل وعونه.
* من نتاجه العلمي المطبوع
أولاً: سلسلة في طريق الإسلام، منها:
1ـ العقيدة الإسلامية وأُسُسُها.
2ـ الأخلاق الإسلامية وأسسها.
3ـ الحضارة الإسلامية وأسسها ووسائلها.
4ـ الأمّة الربانية الواحدة.
5ـ فقه الدعوة إلى الله، وفقه النصح والإرشاد.
ثانياً: دراسات قرآنية، منها:
1ـ قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل .
2ـ معارج التفكر ودقائق التدبر (التفسير).
3ـ أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع.
ثالثاً: سلسلة أعداء الإسلام، منها:
1ـ مكايد يهودية عبر التاريخ.
2ـ صراع مع الملاحدة حتى العظم.
3ـ أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها (التبشير، الاستشراق، الاستعمار).
4ـ الكيد الأحمر ( دراسة واعية للشيوعية).
5ـ غزو في الصميم.
6ـ كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة.
7ـ ظاهرة النفاق وخبائث المنافقين في التاريخ.
رابعاً: سلسلة من أدب الدعوة الإسلامية، منها:
1ـ مبادئ في الأدب والدعوة.
2ـ البلاغة العربية (أُسُسُها وعُلومها وصور من تطبيقاتها).
3ـ ديوان ترنيمات إسلامية (شعر).
4ـ ديوان آمنت بالله (شعر).
خامساً: كتب متنوعة، منها:
1ـ ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة.
2ـ بصائر للمسلم المعاصر.
3ـ الوالد الداعية المربي الشيخ حسن حبنكة الميداني (قصة عالم مجاهد حكيم شجاع).
* معارج التفكير ودقائق التدبر
مهدت الدراسات السابقة الواسعة للشيخ، والنشأة العلمية الصالحة، والذكاء الفطري، والنبوغ المبكر، والعمل المتواصل الدؤوب، والمؤهلات العلمية المتنوعة من إلمام واسع باللغة العربية؛ نحوها وصرفها وبلاغتها؛ كل ذلك مهد لإظهار (تفسيره التدبري) النافع. ولا شك، حيث يعد كتابه (معارج التفكير ودقائق التدبر) من أهم آثاره العلمية النافعة. وقد طُبع منه خمسة عشر مجلداً، إذ إن الشيخ اتَّجه في آخر عمره، بعد ممارسة طويلة، وتجربه ثرَّة، وخبرة عميقة، وصلة مستمرة بكتاب الله عز وجل إلى كتابه "تفسير تدبُّري" وَفْق المنهج الذي رسمه في كتابه: "قواعد التدبُّر الأمثل لكتاب الله عز وجل"، وقد انتهى من تفسير السُّور المكية بكاملها، والتي تمثل ثلثي القرآن الكريم، وشرع في تفسير سورة البقرة، وهي أول ما نزل في المدينة، ولم يتوان عن تدبره لكتاب الله تعالى، وحدَّث عن اللمحات التدبرية التي استنبطها من سورة العنكبوت التي كانت تُعِدُّ المسلمين للهجرة من مكة المكرمة، وأفاض في حديثه عما فتح الله عز وجل عليه من حسن تدبر لكتابه العظيم، وما وهبه من همة وعزم ونشاط على متابعة الكتابة فيه، ولكن حال الأجل دون تحقيق الأمل، ولئن لم يتم الشيخ تفسيره، فقد قدم بما كتب ثروة علمية ضخمة، وزاداً تدبريًّا وفيراً، ورسم منهجاً فريداً لتذوق كلام الله وحسن تدبره. وإن في ما كتب من كُتب أخرى كثيرة تدور حول كتاب الله، ولا سيما "ظاهرة النفاق" في مجلديه، حيث فسر قسماً مهمًّا من السور المدنية، وكذلك كتبه الأخرى: "فقه الدعوة إلى الله"، و"الأخلاق الإسلامية"، و"ابتلاء الإرادة"، و"أمثال القرآن" وفيها من المباحث القرآنية والفوائد التفسيرية الكثير النافع والمفيد.
* تواضعه وزهده وإخلاصه
كان الشيخ كثيراً ما يُردد ويؤكد ويقول: إنه ليس عندي شيء، وإن كل ما أكتبه هو من فيض عطاء الله عليَّ ومَدَده وتوفيقه. وكان يؤكد في لقاءاته مع إخوانه وأبنائه من طلبة العلم على ضرورة التزام منهج الوسطية، والبعد عن الغلو والشطط في كل صوره وأشكاله، ويحذر من التبعية العمياء، والتعصب والانغلاق، ويدعو إلى دوام التفكر والتأمل والتبصر ومراجعة الأمور والنظر في عواقبها. كما كان يرسخ في نفوس طلابه معاني الإخلاص والصدق، وابتغاء رضا الله سبحانه، وإيثار الدار الآخرة على الدنيا، ويحذر من حظوظ النفس وشهواتها وتزييناتها.
وكان من أشد الناس زُهداً في المناصب، وقد عُرض عليه أن يكون مفتياً للجمهورية العربية السورية، وأُغري بهذا المنصب، ففرَّ منه، واضطر أن يقيم بعيداً عن موطنه خمسة وعشرين عاماً، لم يزره خلال هذه المدة الطويلة إلا في الأشهر القليلة التي عاد فيها إلى دمشق قبيل وفاته، وكان يقول: لقد حاول بعضهم إلزامي باستلام منصب المفتي العام، لكنني فررت منه، وأكرمني الله بالإقامة بمكة المكرمة، والتفرغ لكتابة "التفسير"، وهذا من فضل الله عليَّ، ولو قبلت ذلك المنصب لكنت مطية ذلولاً، وعبداً مطواعاً، ولركبت سيارة فخمة سوداء، تنتهي بي إلى غضب الله تعالى، فآثرت الباقي على الفاني، والعلم النافع على الزغل والزيف. كما كان يبتعد عن الشهرة والأضواء، ويكره النفاق والتملق، وهو خبير بدخائل المنافقين، ومسالك أعداء الإسلام.
ومن مظاهر نفرته عن الشهرة وحب العاجلة، أنه لم يتطلع إلى جائزة تقديرية من أي جهة علمية، وهو جدير بها، وأهل لها، بما قدم من دراسات قرآنية مبتكرة، وكتب فكرية عميقة، ولم يرضَ أن ترشحه بعض الجهات لهذه الجوائز، وعَّد ذلك منقصاً للأمر الذي ادخره الله سبحانه لعباده الصادقين المخلصين.
وقد رغب إليه بعض الوجهاء أن يكرمه في حفل كبير، يُدعى إليه كبار العلماء والأدباء والمفكرين، يتناولون فيه عطاءه الفكري والدعوي والتربوي، ويشيدون بجهوده، ويمدحه بعضهم بقصائده، فأبى وامتنع رغم الإلحاح الشديد؛ خوفاً من شوائب الرياء، وحب الثناء، والتفاخر.
* من آرائه ومواقفه التاريخية
ومن آرائه البارزة في طبيعة اليهود ما بينه في كتابه: "مكايد يهودية عبر التاريخ"، الذي كشف فيه حقيقة الكيان الصهيوني والعقيدة الصهيونية؛ وأنها قائمة على الظلم والعدوان والخيانة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا هذا".
ومن آرائه المشهورة أنه ذكر أربع نقاط يمكن للإنسان أن يقيس نفسه بها، ويعرف ما إذا كان قوي الإرادة، أو ضعيفها، وهي:
- سرعة مبادرته للخيرات والطاعات.
- التفاؤل بالخير دائماً.
- تلقي الأحداث بصبر ورضى.
- مِلْك النفس عند الغضب.
ومما قاله في هذا الشأن: إن الإنسان إذا أراد أن يقوِّي إرادته الفعلية فعليه بـ:
- تقوية إيمانه بالله تعالى وبصفاته الحسنى وبقضائه وقدره.
- التدريب العملي من خلال مجاهدة النفس.
- ممارسات العبادات.
ومن مواقفه التاريخية في مضمار التصدي لما يسمى بالغزو الفكري، أنه في أحد صباحات إبريل/نيسان (1967م) تسلل أحد الغزاة الفكريين إلى إحدى المطبوعات الدورية الحكومية في سوريا، ودس مقالاً تخريبياً للفكر الإسلامي، فما كان منه إلا أن تصدى له في منبر (جامع الميدان) ملهباً مشاعر الجماهير المسلمة، التي اندفعت إلى الشوارع في مظاهرات صاخبة، وأغلقت المحال؛ حيث كان الظرف السياسي في تلك الآونة شديد التأزم والخطورة، فتحركت الدولة لدرء الأزمة، وفعلاً وقع على من له علاقة بما نُشر في المجلة أحكام مشددة.
توفي الشيخ ليلة الأربعاء 25/جمادى الآخرة/1425هـ الموافق 11/08/2004م، عن عُمُرٍ يناهز الثمانين عاماً، بعد مرض عضال ألمَّ به، لم يُقْعده عن إنتاجه العلمي الوفير الغزير، ولا عن تألُّقه الفكري المتميز المنير.
ولزوجته الداعية المربية عائدة راغب الجراح الأستاذة بجامعة أم القرى سابقاً كتاب: عبد الرحمن حبنكة الميداني العالم المفكر المفسر (زوجي كما عرفته) صدر عن دار القلم بدمشق، ضمن سلسلة: علماء ومفكرون معاصرون، لمحات من حياتهم، وتعريف بمؤلفاتهم.
* مادة المقال مستفادة من موقع (تراجم عبر التاريخ) بتصرف.