واتل عليهم نبا الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها

19/10/2026| إسلام ويب

في سياق الحديث عن بني إسرائيل في سورة الأعراف جاء قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين} (الأعراف:175) يتجه القول في السطور التالية نحو بيان سبب نزول هذه الآية، فنقول:

أخرج النسائي في "تفسيره" والطبري في "جامعه" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله غز وجل: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} قال: هو بلعم، وقال: نزلت في أمية بن الصلت. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح".

 وروى النسائي في "تفسيره" والطبري في "جامعه" عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". وقال البوصيري: "ورواته ثقات". وصححه ابن كثير في "تفسيره". وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وروى ابن مردويه بإسناد قوي عن عبد الله بن عمرو" وذكر الحديث.

هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد المفسرون عدة أقوال فيمن تناولته الآية بالذم؛ فمنهم من ذهب إلى أن المراد بلعام، وهو رجل من بني إسرائيل، ومنهم من ذهب إلى أنهأمية بن أبي الصلت، ومنهم من ذهب إلى غير ذلك من الأقوال، وجميع الأقوال المتقدمة ليس عليها دليل من كتاب الله، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل هي من أحاديث بني إسرائيل، التي لم نؤمر بتصديقها، أو تكذيبها.

وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من النظر والتأمل في سياق الآيات، لعلها تكشف المقصود، فسياق الآيات قبل هذه الآية يتحدث عن بني إسرائيل إلى قوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم} (الأعراف:171) وهذا يؤيد القول بأن الرجل المذموم منهم؛ لأن السياق عادة مترابط، والقول بهذا يقتضي أن يكون فعل الرجل ليس سبباً لنزول الآية؛ لأن الحدث قد سبق النزول بقرون وأزمان بعيدة، وحينئذ ينتفي النزول المصطلح عليه.

والناظر في قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} يجد أن القصد من ضرب الأمثال هو العظة والعبرة، واعتبار الإنسان بمن يعرف ويشاهد أبلغ في العظة والخوف، وهذا يؤيد القول بأنه أمية بن أبي الصلت؛ لأنهم يعرفونه ويشاهدونه، بخلاف بلعم الذي لا يعرفون إلا اسمه.

ويؤيد هذا، أن سياق الآيات بعد هذه الآية يتحدث عن المشركين، ما يُشْعِرُ بأن المعنيَّ في الآية منهم.

والمتَّجِه أن القول الأول أصح، وهو أن الآية تتحدث عن رجل من الأمم السالفة؛ لقوله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} فالله سبحانه يتحدث عن رجل آتاه آيات، فكيف لأمية بن أبي الصلت أن تأتيه الآيات؟

فإن قيل: إن أمية كان يتحنث ببقايا دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

فالجواب: أن الأديان قد لحقها من التحريف والتبديل شيء كثير، ما يجعل الحكم عليها بأنها من آيات الله شيء بعيد، ولو كان ما بين يديه من الآيات حقاً لانتفع بها، كما انتفع بها ورقة بن نوفل رضي الله عنه قبله حين تنصر.

وأما الجواب عن القول بأنه أمية لأنهم يعرفونه ويشاهدونه، فهذا منتقض بحديث الله عن الأمم السالفة مع رسلهم، وكذا فرعون، وهامان، وقارون، فالمخاطبون بالقرآن لا يعرفونهم، ومع هذا أراد الله بالحديث عنهم العظة والعبرة لمن بعدهم.

وأما كون السياق بعد الآية يتحدث عن المشركين، وأمية كان مشركاً، فلا يلزم من هذا أن يكون سبب نزولها؛ لعدم وجود حدث معين يستلزم ذلك، بل غاية ما في الأمر أن أمية كان كافراً قبل البعثة وبعدها، شأنه شأن عدد من المشركين.

والمتحصل أن الآية لم تنزل بسبب خاص؛ لعدم الدليل على ذلك، وإنما تتحدث عن رجل من الأمم السابقة.

www.islamweb.net