الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة المائدة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 96 ] سورة المائدة

( وهي السورة الخامسة ، وآياتها مائة وعشرون عند القراء الكوفيين ، وعليه " فلوجل " ومائة وثنتان وعشرون عند الحجازيين والشاميين ، ومائة وثلاث وعشرون عند البصريين ; فالخلاف فيها على فاصلتين فقط ) .

هي مدنية بناء على المشهور من أن المدني ما نزل بعد الهجرة ولو في مكة ، وإلا فقد روي في الصحيح عن عمر أن قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم ( 5 : 3 ) إلخ . نزل عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع ، وما رواه ابن مردويه عن أبي سعيد ، أنها نزلت يوم غدير خم ، وعن أبي هريرة أنها نزلت في ثامن عشر ذي الحجة مرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من حجة الوداع ، كلاهما لا يصح ، وروى البيهقي في شعب الإيمان أن أول المائدة نزل بمنى ، أي عام حجة الوداع ، وروى عن عبيد عن محمد بن كعب ، أنها نزلت كلها في حجة الوداع بين مكة والمدينة .

أما التناسب بينها وبين سورة النساء ، فقد قال الكواشي : إنه لما ختم سورة النساء آمرا بالتوحيد والعدل بين العباد أكد ذلك بالأمر بالوفاء بالعقود . ونقل الألوسي عن الجلال السيوطي في بيان ذلك : أن سورة النساء قد اشتملت على عدة عقود صريحا وضمنا ; فالصريح عقود الأنكحة ، وعقد الصداق ، وعقد الحلف ، وعقد المعاهدة والأمان ، والضمني : عقد الوصية والوديعة والوكالة والعارية والإجارة ، وغير ذلك ، الداخل في عموم قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ( 4 : 58 ) فناسب أن تعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود ، فكأنه قال : يا أيها الناس أوفوا بالعقود التي فرغ من ذكرها في السورة التي تمت وإن كان في هذه السورة أيضا عقود .

قال : ووجه أيضا تقديم النساء وتأخير المائدة بأن أول تلك يا أيها الناس ( 4 : 1 ) وفيها الخطاب بذلك في مواضع ، وهو أشبه بتنزيل المكي ، وأول هذه يا أيها الذين آمنوا ( 5 : 1 ) وفيها الخطاب بذلك في مواضع ، وهو أشبه بخطاب المدني ، وتقديم العام ، أي خطاب الناس كافة وشبه المكي أنسب .

قال : ثم إن هاتين السورتين في التلازم والاتحاد نظير البقرة وآل عمران ، فتانك اتحدتا في تقرير الأصول من الوحدانية والنبوة ونحوهما ، وهاتان في تقرير الفروع الحكمية ، وقد ختمت المائدة بالمنتهى من البعث والجزاء ، فكأنهما سورة واحدة وقد اشتملت على الأحكام من المبدأ إلى المنتهى . اهـ .

أقول : هذا أجمع ما اطلعنا عليه ، ولم يأت الرازي ولا البقاعي بشيء جديد ، وأنت [ ص: 97 ] ترى أن معظم سورة المائدة في محاجة اليهود والنصارى ، مع شيء من ذكر المنافقين والمشركين ، وهو ما تكرر في سورة النساء ، وأطيل به في آخرها ، فهو أقوى المناسبات بين السورتين ، وأظهر وجوه الاتصال ، كأن ما جاء منه في هذه السورة متمم ومكمل لما فيما قبلها . وفي كل من السورتين طائفة من الأحكام العملية في العبادات والحلال والحرام ، ومن المشترك منها في السورتين : آيتا التيمم والوضوء ، وحكم حل المحصنات من المؤمنات ، وزاد في المائدة حل المحصنات من أهل الكتاب ، فكان متمما لأحكام النكاح في النساء . ومن المشترك في الوصايا العامة : الأمر بالقيام بالقسط ، والشهادة بالعدل من غير محاباة لأحد ، وكذا الوصية بالتقوى ، ومن لطائف التناسب فيهما ، أن سورة النساء مهدت السبيل لتحريم الخمر ، وسورة المائدة حرمتها ألبتة ، فكانت متممة لشيء فيما قبلها ، وانفردت سورة المائدة بأحكام قليلة في الطعام والصيد والإحرام ، وحكم البغاة المفسدين ، وحد السارق ، وكفارة اليمين ، وأمثال هذه الأحكام من كماليات الشريعة المؤذنة بتمامها ، كما انفردت " النساء " بأحكامهن وأحكام الإرث والقتال ، وهي مما كان يحتاج إليه عند نزولها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث