الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء إذا كان المطر فالصلاة في الرحال

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء إذا كان المطر فالصلاة في الرحال

409 حدثنا أبو حفص عمرو بن علي البصري حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا زهير بن معاوية عن أبي الزبير عن جابر قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصابنا مطر فقال النبي صلى الله عليه وسلم من شاء فليصل في رحله قال وفي الباب عن ابن عمر وسمرة وأبي المليح عن أبيه وعبد الرحمن بن سمرة قال أبو عيسى حديث جابر حديث حسن صحيح وقد رخص أهل العلم في القعود عن الجماعة في المطر والطين وبه يقول أحمد وإسحق قال أبو عيسى سمعت أبا زرعة يقول روى عفان بن مسلم عن عمرو بن علي حديثا وقال أبو زرعة لم نر بالبصرة أحفظ من هؤلاء الثلاثة علي بن المديني وابن الشاذكوني وعمرو بن علي وأبو المليح اسمه عامر ويقال زيد بن أسامة بن عمير الهذلي [ ص: 374 ]

التالي السابق


[ ص: 374 ] ( باب ما جاء إذا كان المطر فالصلاة في الرحال ) قال النووي وغيره الرحال المنازل ، سواء كان من حجر أو مدر أو خشب أو شعر أو صوف أو وبر أو غير ذلك ، واحده رحل .

قوله : ( أخبرنا زهير بن معاوية ) بن خديج بن خيثمة الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة ثقة ثبت إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بآخرة ( من شاء فليصل في رحله ) فيه دليل على أن الصلاة في الرحال لعذر المطر ونحوه رخصة وليست بعزيمة .

قوله : ( وفي الباب عن ابن عمر وسمرة وأبي المليح عن أبيه وعبد الرحمن بن سمرة ) أما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان بلفظ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول : ألا صلوا في الرحال .

وأما حديث سمرة فأخرجه أحمد من طريق الحسن عنه بلفظ : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين في يوم مطير : الصلاة في الرحال ، زاد البزار كراهة أن يشق علينا ، رجاله ثقات كذا في التلخيص .

وأما حديث أبي المليح عن أبيه فأخرجه أبو داود بلفظ : أن يوم حنين كان يوم مطر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديه أن الصلاة في الرحال قاله المنذري وأبو المليح اسمه عامر بن أسامة . وقيل زيد بن أسامة ، وقيل أسامة بن عامر ، وقيل عمير بن أسامة ، هذلي بصري اتفق الشيخان على الاحتجاج بحديثه ، وأبوه له صحبة ، انتهى .

[ ص: 375 ] وأما حديث عبد الرحمن بن سمرة فأخرجه الحاكم وعبد الله بن أحمد في زيادات السند بلفظ : إذا كان مطر وابل فصلوا في رحالكم ، وفي إسناده ناصح بن العلاء وهو منكر الحديث قاله البخاري . وقال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به ووثقه أبو داود . كذا في التلخيص .

قوله : ( حديث جابر حديث حسن صحيح ) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود .

قوله : ( وقد رخص أهل العلم في القعود عن الجماعة والجمعة إلخ ) لأحاديث الباب ولحديث ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير : إذا قلت أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة ، قل صلوا في بيوتكم فكأن الناس استنكروا فقال : فعله من هو خير مني ، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين والدحض ، رواه البخاري في صحيحه وبوب عليه الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر .

قال الحافظ في الفتح : أورد المصنف يعني البخاري هنا حديث ابن عباس وهو مناسب لما ترجم له ، وبه قال الجمهور ، ومنهم من فرق بين قليل المطر وكثيره ، وعن مالك لا يرخص في تركها بالمطر ، وحديث ابن عباس هذا حجة في الجواز ، انتهى . واعلم أنه وقع في حديث ابن عمر المذكور في رواية للبخاري في الليلة الباردة أو المطيرة ، وفي صحيح أبي عوانة ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ريح .

قال الشوكاني : وفيه أن كلا من الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة . ونقل ابن بطال فيه الإجماع ; لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط ، وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل .

وفي السنن من طريق أبي إسحاق عن نافع في هذا الحديث في الليلة المطيرة والغداة القرة وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه أنهم مطروا يوما فرخص لهم ، وكذلك في حديث ابن عباس في يوم مطير قال الحافظ : ولم أر في شيء من الأحاديث الترخيص لعذر الريح في النهار صريحا ، انتهى كلام الشوكاني .

[ ص: 376 ] وقال الكرماني : هل يكفي المطر فقط أو الريح أو البرد في رخصة ترك الجماعة أم احتاج إلى ضم أحد الأمرين بالمطر . فأجاب بأن كل واحد منها عذر مستقل في ترك الحضور إلى الجماعة نظرا إلى العلة وهي المشقة ، انتهى كلام الكرماني .

قلت : رواية أبي عوانة المذكورة نص صريح في أن كل واحد منها عذر مستقل في التأخر عن الجماعة ، فإن كلمة أو فيها للتنويع لا للشك والله تعالى أعلم .

وقال القاري في المرقاة : قال ابن الهمام عن أبي يوسف : سألت أبا حنيفة عن الجماعة في طين وردغة أي وحل كثير ، فقال : لا أحب تركها ، وقال محمد في الموطأ الحديث رخصة يعني قوله عليه السلام : إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال ، انتهى كلام القاري .

قلت : قال محمد في الموطأ بعد رواية حديث ابن عمر المذكور ما لفظه : هذا رخصة والصلاة في الجماعة أفضل ، انتهى .

فقول القاري يعني قوله عليه السلام : إذا ابتلت إلخ نظر ظاهر وأما الحديث بلفظ : إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال ، فقال الحافظ في التلخيص : لم أره في كتب الحديث .

وقال الشيخ تاج الدين الفزاري في الإقليد : لم أجده في الأصول وإنما ذكره أهل العربية ، انتهى كلام الحافظ .

قوله : ( قال سمعت أبا زرعة ) أي قال أبو عيسى : سمعت أبا زرعة ، وأبو زرعة هذا هو أبو زرعة الرازي ، واسمه عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ إمام حافظ ثقة مشهور وقد تقدم ترجمته في المقدمة ( روى عفان بن مسلم عن عمرو بن علي حديثا ) يعني أن عفان بن مسلم من شيوخ عمرو بن علي وهو من تلاميذه ومع هذا فقد روى عفان بن مسلم عنه حديثا ، كما أن الإمام البخاري من شيوخ الترمذي وقد روى عنه حديثا كما تقدم في المقدمة .

قال الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة عمرو بن علي : حدث عنه الستة والنسائي أيضا بواسطة ، وعفان وهو من شيوخه وأبو زرعة إلخ ( وقال أبو زرعة لم أر بالبصرة أحفظ من هؤلاء [ ص: 377 ] الثلاثة علي بن المديني وابن الشاذكوني وعمرو بن علي ) كذا وقع في نسخ جامع الترمذي وابن الشاذكوني ، ووقع في تذكرة الحفاظ والشاذكوني بحذف لفظ ابن ، وعبارة تذكرة الحفاظ هكذا : قال أبو زرعة ذلك ( يعني عمرو بن علي ) من فرسان الحديث لم ير بالبصرة أحفظ منه ومن ابن المديني والشاذكوني ، انتهى عبارة تذكرة الحفاظ .

الشاذكوني هذا هو سليمان بن داود المنقري البصري أبو أيوب الحافظ ، ذكر ترجمته الذهبي في تذكرة الحفاظ والميزان ، وعمرو بن علي هذا هو أبو حفص المذكور في إسناد حديث الباب ثقة حافظ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث