الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وأما النوم فينظر فيه ، فإن وجد منه وهو مضطجع ، أو مكب أو متكئ انتقض وضوءه ، لما روي عن علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { العينان وكاء السه ، فمن نام فليتوضأ } " وإن وجد منه وهو قاعد ، ومحل الحدث متمكن من الأرض : فإنه قال في البويطي : ينتقض وضوءه ، وهو اختيار المزني لحديث علي ، ولأن ما نقض الوضوء في حال الاضطجاع نقضه في حال القعود كالإحداث ، والمنصوص في الكتب أنه لا ينتقض وضوءه لما روى أنس رضي الله عنه قال : " { كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء فينامون قعودا ثم يصلون ولا يتوضئون } " . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { من نام جالسا فلا وضوء عليه ، ومن وضع جنبه فعليه الوضوء } " ويخالف الأحداث فإنها تنقض الوضوء لعينها ، والنوم ينقض لأنه يصحبه خروج الخارج وذلك لا يحس به إذا نام زائلا عن مستوى الجلوس ، ويحس به إذا نام جالسا ، وإن نام راكعا أو ساجدا أو قائما في الصلاة ففيه قولان : قال في الجديد : " ينتقض وضوءه " لحديث علي رضي الله عنه ولأنه نام زائلا عن مستوى الجلوس ، فأشبه المضطجع . وقال في القديم : " لا ينتقض وضوءه " لقوله صلى الله عليه وسلم : { إذا نام العبد في صلاته باهى الله به ملائكته ، يقول : عبدي روحه عندي وجسده ساجد بين يدي } فلو انتقض وضوءه لما جعله ساجدا ) .

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) في هذا الفصل جمل من الأحاديث واللغات والألفاظ والأسماء والأحكام وبيانها مع فروعها بمسائل .

                                      ( إحداها ) حديث علي رضي الله عنه حديث حسن ، رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما بأسانيد حسنة . [ ص: 15 ] وأما حديث أنس رضي الله عنه عنه فصحيح ، رواه في صحيحه بمعناه قال : " { كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون } " رواه أبو داود وغيره بلفظه في المهذب ، إلا قوله " قعودا " فإنه لم يذكره ، لكن ذكر ما يدل عليه فقال ( حتى تخفق رءوسهم ) وإسناد رواية أبي داود إسناد صحيح ، وكذلك رواه الشافعي رحمه الله في مسنده وغيره ، وفي رواية لأبي داود والبيهقي وغيرهما : " { كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم } وفي رواية للبيهقي : " { لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطا ، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون } " . وأما حديث عمرو بن شعيب فضعيف جدا ، ورواه أبو داود وغيره من رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { الوضوء على من نام مضطجعا ، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله } " قال أبو داود : ( هذا حديث منكر ) ، وأما حديث المباهاة بالساجد فيروى من رواية أنس ، وهو حديث ضعيف جدا .

                                      ( المسألة الثانية ) في اللغات والألفاظ : المكب بضم الميم وكسر الكاف يقال أكب فلان على وجهه ، وكببته أنا لوجهه إذا صرعته لوجهه ، قال الله تعالى : { أفمن يمشي مكبا على وجهه } قال أهل اللغة والتصريف : هذا من النادرات أن يقال : أفعلت وفعلت غيري وقوله : " أو متكئا " هو بهمز آخره ، والوكاء بكسر الواو وبالمد وهو الخيط الذي يشد به رأس الوعاء ، والسه بفتح السين المهملة وكسر الهاء المخففة وهي الدبر ، ومعناه اليقظة ، وكاء الدبر : أي حافظة ما فيه من الخروج ، أي ما دام الإنسان مستيقظا فإنه يحس بما يخرج منه ، فإذا نام زال ذلك الضبط . وقوله : " يحس به " ، هو بضم الياء وكسر الحاء ، هذه اللغة الفصيحة [ ص: 16 ] المشهورة ، وبها جاء القرآن ، قال الله تعالى { : هل تحس منهم من أحد } وفي لغة قليلة بفتح الياء وضم الحاء ، قوله : " مستوى الجلوس " هو بفتح الواو ، أي عن استوائه ، وأصل المباهاة : المفاخرة ، والروح تذكر وتؤنث ، لغتان ، ومذهب أصحابنا المتكلمين أنها أجسام لطيفة والله أعلم .

                                      ( الثالثة ) في الأسماء : أما علي رضي الله عنه فسبق بيانه في أول صفة الوضوء وأنس تقدم في باب الآنية ، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده تقدم بيانه في آخر الفصول السابقة في مقدمة الكتاب ، والبويطي في الباب الثاني من الكتاب .

                                      ( الرابعة ) في الأحكام : وحاصل المنقول في النوم خمسة أقوال للشافعي ، الصحيح منها من حيث المذهب ، ونصه في كتبه ونقل الأصحاب ، والدليل أنه : إن نام ممكنا مقعده من الأرض أو نحوها لم ينتقض ، وإن لم يكن ممكنا انتقض على أي هيئة كان ، في الصلاة وغيرها . والثاني : أنه ينتقض بكل حال ، وهذا نصه في البويطي . الثالث : إن نام في الصلاة لم ينتقض على أي هيئة كان ، وإن نام في غيرها غير ممكن مقعده انتقض وإلا فلا ، وهذه الأقوال ذكرها المصنف . والرابع : إن نام ممكنا أو غير ممكن ، وهو على هيئة من هيئات الصلاة سواء كان في الصلاة أو في غيرها لم ينتقض وإلا انتقض . والخامس : إن نام ممكنا أو قائما لم ينتقض وإلا انتقض ، حكى هذين القولين الرافعي وغيره ، وحكى أولهما القفال في شرح التلخيص . والصواب القول الأول من الخمسة ، وما سواه ليس بشيء ، وقد ذكر المصنف دلائلها وسأبسطها في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى .

                                      وتأول أصحابنا نصه في البويطي على أن المراد أنه نام غير ممكن ، وقال إمام الحرمين ، قال الأئمة : غلط البويطي ، وهذا الذي قاله الإمام ليس بجيد ، والبويطي يرتفع عن التغليط ، بل الصواب تأويل النص وهو محتمل [ ص: 17 ] للتأويل ، وهذا نصه في البويطي قال : " ومن نام مضطجعا أو راكعا أو ساجدا فليتوضأ ، وإن نام قائما فزالت قدماه عن موضع قيامه فعليه الوضوء ، وإن نام جالسا فزالت مقعدته عن موضع جلوسه وهو نائم فعليه الوضوء ، ومن نام جالسا أو قائما فرأى رؤيا وجب عليه الوضوء ، ومن شك أنام جالسا أو قائما أو لم ينم ؟ فليس عليه شيء حتى يستيقن النوم ، فإن ذكر أنه رؤيا وشك أنام أم لا ؟ فعليه الوضوء ، لأن الرؤيا لا تكون إلا بنوم " هذا نصه بحروفه في البويطي ومنه نقلته . فقوله : " إن نام جالسا فزالت مقعدته فعليه الوضوء " دليل على أن من لم تزل لا وضوء عليه ، فيتأول باقي كلامه على النائم غير ممكن ، والله أعلم .

                                      ( فرع ) إذا نام في صلاته ممكنا مقعده من الأرض ، لم تبطل صلاته بلا خلاف إلا على رواية البويطي ، ولا تفريع عليها ، ولو نام في الصلاة غير ممكن - إن قلنا بالقديم الضعيف - فصلاته ووضوءه صحيحان . وإن قلنا بالمذهب بطلا ، قال القاضي حسين والمتولي وغيرهما : لو صلى مضطجعا لمرض فنام ، ففي بطلان وضوئه القولان ، لأن علة منع انتقاض وضوء المصلي على القديم حرمة الصلاة ، وهي موجودة والله أعلم .

                                      ( فرع ) في مسائل تتعلق بالفصل ، والتفريع على المذهب ، وهو أن نوم الممكن لا ينقض ، وغيره ينقض .

                                      ( إحداها ) قال الشافعي في الأم والمختصر ، والأصحاب رحمهم الله : يستحب للنائم ممكنا أن يتوضأ لاحتمال خروج حدث ، وللخروج من خلاف العلماء .

                                      ( الثانية ) قال الشافعي في الأم والأصحاب : لا ينتقض الوضوء بالنعاس وهو السنة ، وهذا لا خلاف فيه ، ودليله من الأحاديث : حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : " { قام رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني يصلي في الليل - فقمت إلى جنبه الأيسر ، فجعلني في شقه الأيمن ، فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني ، فصلى إحدى عشرة ركعة } " رواه مسلم . [ ص: 18 ] قال الشافعي والأصحاب : الفرق بين النوم والنعاس أن النوم فيه غلبة على العقل وسقوط حاسة البصر وغيرها ، والنعاس لا يغلب على العقل ، وإنما تفتر فيه الحواس بغير سقوط ، قال القاضي حسين والمتولي : حد النوم ما يزول به الاستشعار من القلب ، مع استرخاء المفاصل . وقال إمام الحرمين : " النعاس يغشى الرأس فتسكن به القوى الدماغية ، وهو مجمع الحواس ومنبت الأعصاب ، فإذا فترت فترت الحركات الإرادية ، وابتداؤه من أبخرة تتصعد فتوافي أعباء من قوى الدماغ ، فيبدو فتور في الحواس ، فهذا نعاس وسنة ، فإذا تم انغمار القوة الباصرة ، فهذا أول النوم ، ثم تترتب غلبة فتور الأعضاء واسترخاؤها ، وذلك غمرة النوم ، قال : ولا ينتقض الوضوء بالغفوة ، وإذا تحققنا النوم لم نشترط غايته ، فإن الشافعي رحمه الله نقض وضوء النائم قائما ، ولو تناهى نومه لسقط " هذا كلام إمام الحرمين . قال أصحابنا : ومن علامات النعاس أن يسمع كلام من عنده ، وإن لم يفهم معناه . قالوا : والرؤيا من علامات النوم ، ونص عليه في الأم ، وفي البويطي كما سبق ، واتفقوا عليه . فلو تيقن الرؤيا وشك في النوم انتقض إذا لم يكن ممكنا ، فإن خطر بباله شيء فشك أكان رؤيا أم حديث نفس ؟ لم ينتقض لأن الأصل بقاء الطهارة . ولو شك أنام ؟ أم نعس ؟ وقد وجد أحدهما ، لم ينتقض ، قال الشافعي في الأم : والاحتياط أن يتوضأ .

                                      ( الثالثة ) لو تيقن النوم ، وشك هل كان ممكنا أم لا ؟ فلا وضوء عليه ، هكذا صرح به صاحب البيان وآخرون ، وهو الصواب ، وأما قول البغوي في مسائل الشك في الطهارة : لو تيقن رؤيا ولا يذكر نوما فعليه الوضوء . ولا يحمل على النوم قاعدا لأنه خلاف العادة ، فهو متأول أو ضعيف ، والله أعلم .

                                      ( الرابعة ) نام جالسا فزالت ألياه أو إحداهما عن الأرض ، فإن زالت قبل الانتباه انتقض لأنه مضى لحظة وهو نائم غير ممكن ، وإن زالت بعد الانتباه أو معه أو لم يدر أيهما سبق لم ينتقض ; لأن الأصل الطهارة ، ولا فرق بين أن [ ص: 19 ] تقع يده على الأرض أو لا تقع ، وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه إن وقعت يده على الأرض انتقض وإلا فلا ، ودليلنا أن الاعتبار بمحل الحدث ، فتعين التفصيل الذي ذكره أصحابنا .

                                      ( الخامسة ) نام ممكنا مقعده من الأرض مستندا إلى حائط أو غيره لا ينتقض وضوءه ، سواء كان بحيث لو وقع الحائط لسقط أم لا ، وهذا لا خلاف فيه بين أصحابنا ، قال إمام الحرمين : ونقل المعلقون عن شيخي أنه كان يقول : " إن كان بحيث لو رفع الحائط لسقط انتقض " قال الإمام : وهذا غلط من المعلقين والذي ذكروه إنما هو مذهب أبي حنيفة .

                                      ( السادسة ) قليل النوم وكثيره عندنا سواء ، نص عليه الشافعي والأصحاب ، فنوم لحظة ويومين سواء في جميع التفصيل والخلاف .

                                      ( السابعة ) قال أصحابنا : لا فرق في نوم القاعد الممكن بين قعوده متربعا أو مفترشا أو متوركا أو غيره من الحالات ، بحيث يكون مقعده لاصقا بالأرض أو بغيرها متمكنا ، وسواء القاعد على الأرض ، وراكب السفينة والبعير وغيره من الدواب فلا ينتقض الوضوء بشيء من ذلك ، نص عليه الشافعي رحمه الله في الأم واتفق الأصحاب عليه ، ولو نام محتبيا وهو أن يجلس على ألييه رافعا ركبتيه محتويا عليهما بيديه أو غيرهما ففيه ثلاثة أوجه ، حكاها الماوردي والروياني ( أحدها ) لا ينتقض كالمتربع ( والثاني ) ينتقض كالمضطجع ( والثالث ) إن كان نحيف البدن بحيث لا تنطبق ألياه على الأرض انتقض وإلا فلا ، قاله أبو الفياض البصري ، والمختار الأول .

                                      ( الثامنة ) إذا نام مستلقيا على قفاه وألصق ألييه بالأرض . فإنه يبعد خروج الحدث منه ، ولكن اتفق الأصحاب على أنه ينتقض وضوءه لأنه ليس كالجالس الممكن ، فلو استثفر وتلجم بشيء فالصحيح المشهور الانتقاض أيضا ، وبه قطع إمام الحرمين في النهاية . وقال في كتابه ( الأساليب ) في الخلاف فيه للنظر مجال ، ويظهر عدم الانتقاض ، وقال صاحبه أبو الحسن إلكيا في كتابه في الخلافيات : فيه تردد للأصحاب .

                                      [ ص: 20 ] التاسعة في مذاهب العلماء في النوم ) قد سبق أن الصحيح - في مذهبنا - أن النائم الممكن مقعده من الأرض أو نحوها لا ينتقض وضوءه وغيره ينتقض ، سواء كان في صلاة أو غيرها ، وسواء طال نومه أم لا ، وحكي عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وأبي مجلز وحميد الأعرج أن النوم لا ينقض بحال ولو كان مضطجعا ، قال القاضي أبو الطيب وإليه ذهب الشيعة . وقال إسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام والمزني : ينتقض بالنوم بكل حال ، ورواه البيهقي بإسناده عن الحسن البصري ، قال ابن المنذر : وبه أقول .

                                      قال : وروي معناه عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة رضي الله عنهم وقال مالك وأحمد في إحدى الروايتين : ينقض كثير النوم بكل حال دون قليله ، وحكاه ابن المنذر عن الزهري وربيعة والأوزاعي . وقال أبو حنيفة وداود : إن نام على هيئة من هيئات المصلي كالراكع والساجد والقائم والقاعد لم ينتقض ، سواء كان في الصلاة أم لا ، وإن نام مستلقيا أو مضطجعا انتقض . ولنا قول أن نوم المصلي خاصة لا ينتقض به كيف كان ، كما سبق وحكاه أصحابنا عن ابن المبارك ، وحكاه الماوردي عن جماعة من التابعين . واحتج لأبي موسى وموافقيه بقول الله تعالى { : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } إلى آخر الآية فذكر سبحانه نواقض الوضوء ولم يذكر النوم ، وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم : " { لا وضوء إلا من صوت أو ريح } " قالوا : ولأنا أجمعنا - نحن وأنتم - على أن النوم ليس حدثا في عينه وأنتم أوجبتم الوضوء لاحتمال خروج الريح ، والأصل عدمه فلا يجب الوضوء بالشك .

                                      واحتج أصحابنا بحديث علي رضي الله عنه " { العينان وكاء السه ، فمن نام فليتوضأ } " وهو حديث حسن كما سبق بيانه ، وبحديث صفوان : { لكن من غائط أو بول أو نوم } وهو حديث حسن كما سبق بيانه ، وفي المسألة أحاديث كثيرة ، ولأن النائم غير الممكن يخرج منه الريح غالبا ، فأقام الشرع [ ص: 21 ] هذا الظاهر مقام اليقين كما أقام شهادة الشاهدين التي تفيد الظن مقام اليقين في شغل الذمة . وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية فمن وجهين : أحدهما : أن جماعة من المفسرين قالوا : وردت الآية في النوم أي إذا قمتم إلى الصلاة - من النوم - فاغسلوا وجوهكم . وكذا حكاه الشافعي في الأم عن بعض أهل العلم بالقرآن قال : ولا أراه إلا كما قال . والثاني : أن الآية ذكر فيها بعض النواقض وبينت السنة الباقي ولهذا لم يذكر البول وهو حدث بالإجماع . وأما الجواب عن حديث أبي هريرة فهو أنه ورد في دفع الشك لا في بيان أعيان الأحداث وحصرها ; ولهذا لم يذكر فيه البول والغائط وزوال العقل وهي أحداث بالإجماع ، ونظيره حديث عبد الله بن زيد الذي قدمناه في شرح أول الفصل : " { لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا } " وأما قولهم : خروج الخارج مشكوك فيه ، فجوابه ما قدمناه ، أن الشرع جعل هذا الظاهر كاليقين كما جعل شهادة شاهدين كاليقين والله أعلم .

                                      واحتج من قال : ينقض بكل حال بعموم حديثي علي وصفوان رضي الله عنهما وبالقياس على الإغماء . واحتج أصحابنا بحديث أنس : " { كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون } " وهو صحيح ذكرناه بطرقه في أول الفصل . وعن أنس رضي الله عنه قال : " { أقيمت صلاة العشاء فقال رجل : لي حاجة ; فقام النبي صلى الله عليه وسلم يناجيه حتى نام القوم أو بعض القوم ، ثم صلوا وفي رواية حتى نام أصحابه ثم جاء فصلى بهم } " رواهما مسلم في صحيحه ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما " { أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل ليلة عن العشاء فأخرها حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم خرج علينا } " . وعن ابن عباس رضي الله عنهما . " { أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 22 ] بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا } " روى البخاري في صحيحه هذين الحديثين بهذا اللفظ ، وظاهرهما أنهم صلوا بذلك الوضوء وروى مالك والشافعي بإسناد الصحيح : " أن ابن عمر رضي الله عنهما كان ينام وهو جالس ثم يصلي ولا يتوضأ " وروى البيهقي وغيره معناه عن ابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة وأبي أمامة رضي الله عنهم ، فهذه دلائل ظاهرة من الأحاديث الصحيحة والآثار واحتج جماعة من أصحابنا بحديث عمرو بن شعيب المذكور في الكتاب وبحديث حذيفة : " { كنت أخفق برأسي فقلت : يا رسول الله وجب علي وضوء ؟ قال : لا حتى تضع جنبك } " وهذان الحديثان ضعيفان . بين البيهقي وغيره ضعفهما وفيما سبق ما يغني عنهما .

                                      وأما الجواب عن الحديث فهو أنه محمول على نوم غير الممكن وهذا يتعين المصير إليه للجمع بين الأحاديث الصحيحة . وأما قياسهم على الإغماء فالفرق ظاهر لأن المغمي عليه ذاهب العقل لا يحس بشيء أصلا ، والنائم يحس ; ولهذا إذا صيح به تنبه . واحتج من قال : ينقض كثير النوم - كيف كان - دون قليله بحديث أنس : " أنهم كانوا ينامون فتخفق رءوسهم " وهذا يكون في النوم القليل ; ولأنه مع الاستثقال يغلب خروج الخارج بخلاف القليل . واحتج أصحابنا بالأحاديث السابقة وليس فيها فرق بين القليل والكثير ، والجواب عن حديث أنس أنا قد بينا أنه حجة لنا وليس فيه فرق بين قليله وكثيره ودعواهم أن خفق الرءوس إنما يكون في القليل لا يقبل . وأما المعنى الذي ذكروه فلا نسلمه ، لأن النوم إما أن يجعل حدثا في عينه كالإغماء ، وهم لا يقولون به ، وإما دليلا على الخارج ، وحينئذ إنما تظهر دلالته إذا لم يكن المحل ممكنا ، وأما المتمكن فيبعد خروجه منه ولا يحس به فلا ينتقض بالوهم . واحتج من قال لا ينقض النوم على هيئة من هيئات الصلاة بما رواه أبو خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس قال : قال النبي : صلى الله عليه وسلم [ ص: 23 ] { إنما الوضوء على من نام مضطجعا ، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله } " وبحديث حذيفة الذي قدمنا أنه نام جالسا فقال : يا رسول الله ، أمن هذا وضوء ؟ قال : لا حتى تضع جنبك على الأرض " . واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة السابقة كحديث علي وصفوان وغيرهما من غير تعرض لهذا الفرق الذي زعموه ولا أصل له ; ولأنه نام غير ممكن مقعده من الأرض فأشبه المضطجع ولأننا اتفقنا - نحن وهم - على أن النوم ليس حدثا في عينه وإنما هو دليل للخارج فضبطناه نحن بضابط صحيح جاءت به السنة ، ومناسبته ظاهرة ، وضبطوه بما لا أصل له ولا معنى يقتضيه ، فإن الساجد والراكع كالمضطجع ولا فرق بينهما في خروج الخارج .

                                      وأما حديث الدالاني فجوابه أنه حديث ضعيف باتفاق أهل الحديث . وممن صرح بضعفه من المتقدمين أحمد بن حنبل والبخاري وأبو داود . قال أبو داود وإبراهيم الحربي : هو حديث منكر ؟ . ونقل إمام الحرمين في كتابه ( الأساليب ) إجماع أهل الحديث على ضعفه ، وهو كما قال ، والضعف عليه بين . وأجاب أصحابنا عنه بأجوبة وتأولوه تأويلات لا حاجة إليها مع الاتفاق على ضعفه ، فإنه لا يلزم الجواب عما ليس بدليل . وأما حديث حذيفة فضعيف أيضا كما سبق بيانه قريبا .

                                      واحتج من قال : لا ينتقض وضوء النائم في الصلاة كيف كان ، بحديث المباهاة المذكور في الكتاب ، ولأن الحاجة تدعو إليه ولا يمكن لمجتهد ونحوه الاحتراز منه إلا بعسر فعفي عنه كما عفي عن أشياء كثيرة في الصلاة للحاجة . واحتج أصحابنا بما احتجوا به على القائلين : لا ينقض النوم على هيئة المصلي . وأجابوا عن حديث المباهاة بما سبق من الاتفاق على ضعفه ، ولو صح لكان تسميته ساجدا باسم ما كان عليه ، فمدحه على مكابدة العبادة ، وأما المعنى الذي ذكروه فلا يقبل ; لأن الأحداث لا تثبت إلا توقيفا ، وكذا العفو [ ص: 24 ] عنها ، فحصل في هذه المسألة جمل من الأحاديث جمعنا بينها ولم نرد منها صحيحا ، ولله الحمد ، وهو أعلم بالصواب .

                                      ( العاشرة ) كان من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم أنه لا ينتقض وضوءه بالنوم مضطجعا للأحاديث الصحيحة ، منها حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين " { أنه صلى الله عليه وسلم نام حتى سمع غطيطه ، ثم صلى ولم يتوضأ } " وقال : صلى الله عليه وسلم " { إن عيني تنامان ولا ينام قلبي } " . فإن قيل : هذا مخالف للحديث الصحيح " { أن النبي صلى الله عليه وسلم نام في الوادي عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس } ، ولو كان غير نائم القلب لما ترك صلاة الصبح ، فجوابه من وجهين ( أحدهما ) وهو المشهور في كتب المحدثين والفقهاء أنه لا مخالفة بينهما ، فإن القلب يقظان يحس بالحدث ، وغيره مما يتعلق بالبدن ويشعر به القلب ، وليس طلوع الفجر والشمس من ذلك ، ولا هو مما يدرك بالقلب ، وإنما يدرك بالعين ، وهي نائمة ، والجواب الثاني حكاه الشيخ أبو حامد في تعليقه في هذا الباب عن بعض أصحابنا ، قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم نومان ( أحدهما ) ينام قلبه وعينه ( والثاني ) عينه دون قلبه ، فكان نوم الوادي من النوع الأول . والله أعلم .




                                      الخدمات العلمية