الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( فإن اشترى عبدا فوجده أعمى أو أعرج أو أصم أو أخرس أو مجذوما أو أبرص أو مريضا أو أبخر أو مقطوعا أو أقرع أو زانيا أو سارقا أو آبقا ثبت له الرد ; لأن هذه عاهات يقتضي مطلق العقد السلامة منها ، فلا يلزمه العقد مع وجودها ) .

[ ص: 553 ]

التالي السابق


[ ص: 553 ] ( الشرح ) ذكر المصنف والأصحاب جملة من أمثلة العيوب وإن كانت لا تنحصر ولا مطمع في استيعابها ، ولكن المقصود زيادة في البيان على ما استفيد من الضابط المتقدم ، فمما ذكر المصنف كون الرقيق أعمى أو أعرج أو أصم أو أخرس أو مجذوما أو أبرص ، وهذه الستة لا خلاف فيها ، ولا تفصيل في البرص والجذام المستحكم وغيره ، أو مريضا . وسواء المرض المخوف وغيره ، ما يرجى زواله وما لا يرجى زواله في الرقيق وغيره من الحيوان .

هكذا قال صاحب التتمة وغيره . نعم إذا كان المرض قليلا كصداع يسير وما أشبهه ففي الرد به نظر ، وقال ابن يونس وابن الرفعة : إن المرض وإن قل عيب . وقال العجلي : إذا أصاب العبد مرض وكان يزول بالمعالجة السريعة فلا خيار كما لو غصب وأمكن البائع رده سريعا ، وهذا حسن ، أو أبخر ، والبخر الذي هو عيب هو اليأس من تغير المعدة دون ما يكون بقلح الأسنان ، فإن ذلك يزول بتنظيف الفم . واعترض مجلي بأن ذلك لا يسمى بخرا فلا حاجة إلى الاحتراز عنه . وفي التجريد أن الجارية ترد بتغير النكهة ، وهو محمول على البخر الذي تقدم تفسيره ، ولا فرق بين العبد والجارية ، فإن الجارية قد تقصد للاستمتاع . والعبد قد يقصد للمسارة .

وقوله " أو مقطوعا " أي مقطوع عضو من أعضائه كيد أو رجل أو أصبع أو أنملة أو غيرها ، وإطلاق ذلك يشمل الأصيل وغيره ، وقد تقدم استثناء قطع الأصبع الزائدة وشبهها ، وقطع شيء يسير من الفخذ إذا لم يحصل بشيء من ذلك نقص ، أو أقرع وهو الذي ذهب شعر رأسه من آفة ، ويشترط في هذه الأمور أن تكون مستمرة ، فلو وجدت في يد البائع قبل البيع وزالت وانقطع أثرها فلا رد بها ، وذلك إنما يكون في غير القطع ، أو زانيا أو سارقا أو آبقا ، وهذه أيضا لا خلاف فيها ، ولا تفصيل عندنا في ذلك بين العبيد والإماء ولا فرق بين أن يكون قد أقيم عليه الحد في الزنا والسرقة أو لم يقم ، ووافقنا على الرد بعيب الزنا مطلقا مالك وأحمد قال وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر [ ص: 554 ] وقول أبي حنيفة : إن العبد لا يرد بعيب الزنا بخلاف الأمة . فإن زناه يؤدي إلى اختلاط نسبه بنسب غيره .

وأجاب أصحابنا بأن زنا العبد يوجب الحد وينقص قيمته ، وقد يموت تحت الحد ، ولا فرق بين الصغير والكبير ، وإن كان الحد لا يجب على الصغير ; لأنه يتعود ذلك فيفعله بعد الكبر ، نص الأصحاب على أنه لو زنى مرة واحدة في يد البائع فللمشتري الرد وإن تاب وحسنت حالته ; لأن تهمة الزنا لا تزول ، ولهذا لا يعود إحصان الحر الزاني بالتوبة . وقال الغزالي في الوسيط : اعتياد الإباق والسرقة والزنا عيب ، فأشعر باشتراط الاعتياد في الثلاثة أو في الإباق ، أو فيه وفي السرقة . ولو لم يكن من كلام الغزالي إلا ذلك أمكن تأويله بأن السرقة والزنا معطوفان على اعتياده ، ولا يكون الاعتياد شرطا فيهما . لكنه في الوجيز قال : اعتياده الزنا والإباق والسرقة ، فهذا صريح لا يقبل التأويل ، وقريب منه قوله في البسيط : أباقا أو سراقا أو زناء فأتى في الثلاثة بصيغة المبالغة ، فأما الزنا فقد تقدم نص الأصحاب فيه ، ولا نعلم أحدا صرح فيه بخلاف ، والسرقة كذلك ، وأما الإباق فإن الإمام قال في أوائل كتاب السلم في جواب سؤال : إن اعتياد الإباق عيب ، واتفاق الإباق لا يلتحق بالعيوب . وهذا الذي صرح به الإمام كلام الجمهور يدل على خلافه ، ووراء ذلك ثلاثة أمور :

( أحدها ) أن هذه الثلاثة إذا تكررت في يد البائع واشتهرت ثم وجدت في يد المشتري ولم يكن علم بها فله الرد ; لأن وجودها في يد المشتري عيب حادث بعد تكررها وإن وجدت في يد البائع مرة واحدة ثم وجدت في يد المشتري ، فالمفهوم من كلام كثير من الأصحاب أن له الرد ، وبه صرح أبو سعيد الهروي في الثلاثة وغيره في الإباق ، ولا فرق في ذلك بين البالغ والصبي المميز ، وقال القاضي حسين : يأخذ الأرش ; لأن الإباق في يد المشتري عيب حادث ، وقد تقدم ذلك عند الكلام فيما إذا لم يعلم بالعيب حتى أبق . وإن وجدت في يد البائع مرة واحدة ، لم توجد في يد المشتري [ ص: 555 ] فإن كان صبيا مميزا فالذي يدل عليه كلام صاحب التتمة وغيره أنه يرد . وقال أبو سعيد الهروي : لا يرد . والأول أصح وإن كان كبيرا يرد ، لأن العادة في حال الكبر يتعذر الإقلاع عنها ، وفيه في الإباق خاصة وجه حكاه الهروي عن الثقفي أنه لا يرد كالصغير . والصحيح الأول . وهو قول الزجاجي والقاضي حسين وقيل : إن للشافعي ما يدل عليه . قال القاضي حسين : الفعلة الواحدة في الإباق يجوز أن تعد عيبا أبدا كالوطء في إبطال الحضانة .

وصرح في الفتاوى بأنه لا يرتفع ذلك بالتوبة وطول المدة كالزنا .

وفرع الهروي على قول الثقفي أنه لا يمين على البائع ; لأن جواز الرد يعتمد وجود العيب في يد المشتري . هذا ما تلخص لي من كلام الأصحاب في ذلك . وحيث قلنا : له الرد في الإباق فمحله في حال حضوره ، وأما في حال إباقه فلا على ما تقدم وما ذكره أبو سعيد الهروي في الصغير ، واقتضاه كلام الثقفي في إباق الكبير أنه لا يرد بالمرة الواحدة إلا إذا وجد في يد المشتري عجب ، فإنه إن كان ذلك عيبا فلا حاجة إلى شيء آخر ، وإن لم يكن عيبا فوجوده في يد المشتري إن لم يكن مانعا فلا أقل من أن يكون مقتضيا ، اللهم إلا أن يلاحظ أن وجوده في يد المشتري دال على أن ذلك صار عادة ، وأنه من ضمان البائع لاستناده إلى سابق .



( فرع ) لو وجد الإباق والسرقة والزنا ونحو ذلك في يد البائع وارتفع مدة مديدة بحيث يغلب على الظن زوالها ، ثم وجدت في يد المشتري ، قال الهروي : قال الثقفي والزجاجي أبو علي : لا يجوز الرد ، لاحتمال أن تلك المعاني ارتفعت ثم حدثت في يد المشتري ، فصار ذلك كالمرض الحادث في يده . [ ص: 556 ] فرع ) لا يشترط أن توجد هذه الأشياء في يد البائع بل لو وجدت في يد من تلقى البائع الملك منه أو قبله ، كان حكمها كذلك ، قاله القاضي حسين والمتولي في الإباق ، وهو يجري في الأخيرين بلا شك بخلاف الأمور السابقة من الأمراض .



( فرع ) الحواء كالسارق ، ولا يشترط تكرر الجناية منه أيضا ، وإنما ذكرته بهذه الصيغة تبعا للإمام



( فرع ) في مذاهب العلماء . قال الثوري وإسحاق في الصبي يسرق ويشرب الخمر ويأبق : لا يرد بعيب حتى يحتلم ، وقال أحمد : إذا جاوز عشر سنين فهو عيب . ( فرع ) قول المصنف : عبد على سبيل المثال ، فالأمة كذلك ، وبعض العيوب المذكورة يشترك فيها سائر الحيوانات أيضا كالعمى والعرج والقطع .



( فرع ) ومن أمثلة العيوب أيضا الجب ، وهو داخل في قول المصنف : مقطوعا ، والصئبان في العبيد والإماء إذا كان مستحكما مخالفا للعادة دون ما يكون لعارض عرق أو حركة عنيفة أو اجتماع وسخ ، ولا يشترط كونه لا يقبل العلاج بل إذا كان لا يندفع إلا بعلاج مخالف للمعتاد فهو عيب ، وعند القاضي حسين لا يثبت بالصبيان صئبان وينبغي أن يحمل كلامه على ما ليس خارجا عن العادة ، والجنون سواء المتقطع وغيره ، وكونه مختلا أو أبله أو أشل أو أعور ، وزعم بعضهم أن ذلك يندرج في العمى ، لأنه عمى في أحد العينين ، فيكون داخلا في قول المصنف ، وليس كذلك . لأن العمى عند الإطلاق إنما ينصرف إلى العينين نعم العور في اللغة ذهاب البصر ، فقد يطلق على الأعمى ، ولهذا يعبر بأعور اليمنى أو اليسرى ولكن صار عند الإطلاق أيضا إنما يفهم منه ذهاب البصر من إحداهما . ( ومنها ) كون الرقيق أخفش وهو نوعان ( أحدهما ) ضعيف البصر خلقة ( والثاني ) يكون بعلة حدثت ، وهو الذي يبصر بالليل دون النهار المعين ، وفي يوم الغيم دون الصحو وكلاهما عيب ، وكونه أجهر بالجيم وهو الذي لا يبصر في الشمس أو أعشى . وهو الذي يبصر بالنهار [ ص: 557 ] ولا يبصر بالليل ، والمرأة عشواء أو أعمش قاله القاضي حسين أو أخشم . وهو الذي في أنفه داء لا يشم شيئا أو أبقم وهو المعوج الفم أو أرت لا يفهم - والأرت بفتح الراء وتشديد التاء المثناة من فوق . وهو الذي في كلامه عجمة ، وهذا تفسير أهل اللغة . وقال الفقهاء في صفة الأءمه : هو الذي يدغم حرفا في حرف على خلاف الإدغام الجائز في العربية .

والرته بضم الراء فكلا الأمرين في هذا الموضع ينبغي النظر فيه إلى جنس ذلك الرقيق ، فإن كان الغالب فيه عدمه كان عيبا . وإن لم يكن الغالب فيه عدمه كالزنج وغيرهم لم يكن عيبا . وقد أطلق الأصحاب هنا الأرت الذي لا يفهم . ويمكن أن يبقى ذلك على إطلاقه ويكون المراد الذي لا يفهم عنه بلغته ولا بغير لغته . وقال القاضي حسين : إذا وجده ألثغ أو أرت لا يثبت الخيار إذا كان يستظرف بكلامه . فإن كان لا يستظرف بكلامه فله الرد . وكأن مراده إن كان يفهم كلامنا فلا رد . وإن لم يفهم فله الرد فيهما . كما قال الأصحاب وهذا بعيد عن مراده في الأرت . ( ومنها ) كونه فاقد الذوق أو شيء من الحواس الخمس وإن كان بعضها تقدم ، والشعر أو الظفر أو له أصبع زائدة أو سن ساغية وهي الزائدة المخالفة لباقي الأسنان أو يد زائدة أو رجل زائدة أو مقلوع بعض الأسنان أو أدرد ، وكون البهيمة درداء إلا في السن المعتاد ، ونقل القاضي حسين في الفتاوى هذا التقيد عن العبادي ، بعد أن أطلق أن له الرد والتقيد لا بد منه وهو الذي أورده الرافعي وحكى القاضي حسين أيضا أنه هل يشترط رؤية السن في العقد ؟ قال : يحتمل وجهين ، فليكن الكلام في الرد تفريعا على أحد الوجهين ، أو يأتي فيه ما تقدم في الشعر . ( ومنها ) كونه ذا قروح أو ثآليل كثيرة أو بهق ، وهو بياض يعتري الجلد يخالف لونه ليس ببرص ، أو أبيض الشعر في غير أوانه ، ولا بأس بحمرته . [ ص: 558 ]

( ومنها ) كونه نماما ، أو ساحرا ، أو قاذفا للمحصنات ، أو كذابا أو به نفخة طحال ، كما قال الماوردي قال والروياني ، أو مقامرا أو تاركا للصلاة ، أو شاربا الخمر وفي وجه ضعيف لا رد بالشرب وترك الصلاة ، حكاه الرافعي عن الرقم للعبادي وعن القاضي أبي الطيب تقييد الشرب بأن يسكر ، ولا حاجة إليه ، لأنه بالشرب يجب الحد ، نبه عليه مجلي ، وأيضا يتخذ ذلك عادة ، وفي التهذيب أن الشرب المتقادم الذي تاب عنه لا يثبت الرد بخلاف الزنا ; لأن سمة الشرب تزول عنه بخلاف الزنا ، وقد تقدم عن القاضي حسين أن الإباق لا يسقط أثره بالتوبة والظاهر أنه كالشرب ، فيحتمل أن يكون القاضي مخالفا هنا وصاحب التهذيب مخالفا هناك إلا أن يفرق . ( ومنها ) كونه خنثى مشكلا أو غير مشكل ( قال ) الرافعي : وعن بعض المتأخرين أنه إن كان رجلا ، وكان يبول من فرج الرجال فلا رد ( قلت ) وهذا حكاه العمراني عن القاضي حسين أنه قاله في باب الجنايات . ( ومنها ) كونه وصل شعره بشعر غيره ، قاله القاضي حسين والأليق هذا في صور التلبيس كالتصرية . ( ومنها ) كون العبد مخنثا أي ممكنا من نفسه من عمل قوم لوط ، والمخنث بكسر النون وفتحها والكسر أفصح ، والفتح أشهر وهو الذي خلقه كخلق النساء في حركاته وهيئته وكلامه ونحو ذلك ، وتارة يكون ذلك خلقة له فلا يأثم به وتارة يتصنعه فهو مأثوم مذموم ملعون . ( ومنها ) كون الجارية رتقاء أو قرناء أو مستحاضة أو معتدة عن زوج أو وطء بشبهة خلافا لأصحاب الرأي ، ونقل ابن أبي عصرون أن صاحب الحاوي قال في المعتدة : إنها لا ترد لقرب المدة ، وأن الشاشي قال : ما كان نقصا يستوي فيه القريب والبعيد ، وينبغي لو كان بقي من عدتها يوم أن يثبت الخيار .

قال ابن أبي عصرون : وهذا حسن ( قلت ) والذي رأيته في الحاوي أن الخيار يثبت في المعتدة وإنما ذكر التعليل بالقرب في الصائمة بعد [ ص: 559 ] ذلك ، فلعل ذكر الصائمة سقط بين ذلك من بعض النسخ التي وقعت له ، ولم أر ذلك في حلية الشاشي أيضا وهو عجيب ، والذي أقوله : إنه ينبغي التفصيل في المعتدة إن كان قد بقي من العدة زمن يسير لا يكون عيبا ، ويكون ذلك بمنزلة ما إذا كان العيب يسيرا يمكن البائع إزالته عن قرب ، وقد قالوا فيه : إنه لا خيار للمشتري ، وإن كان زمنا كثيرا لمثله أجرة كيوم يثبت الخيار ، كما تقدم اعتبار مثل ذلك في الأحجار أو بها لخن بفتح اللام والخاء المعجمة ، وهو تغيير رائحة الفرج قاله الروياني عن ابن المرزبان أو على لسانها نقطة سوداء إذا قال أهل الخبرة : إن ذلك نقص . قاله القاضي حسين أو تأكل الطين وقد أثر فيها قاله القاضي أيضا ولا فرق في ذلك بين الجارية والعبد أو كون الجارية مساحقة . ( ومنها ) وقد تعرض له الشافعي أن يكون كل منهما : العبد والأمة أحرم بإذن السيد . ثم باعه . ثم علم المشتري في زمن الإحرام فله الخيار . لأنه ليس له تحليله . نص عليه في الأم في كتاب الحج ، وإن كان أحرم بغير إذن سيده ثم باعه فللمشتري تحليله كالبائع ، قاله الجرجاني والنووي عنه ولا يثبت له خيار .

( قلت ) ولنا وجه أنه ليس للبائع تحليله . وإن كان بغير إذنه فعلى هذا ليس للمشتري أيضا ، ويثبت له الخيار . وينبغي التفصيل في الإحرام . فإن كان قد بقي زمن يسير كطواف أو حلق أو رمي في آخر الأيام لا يكون له الخيار . وإلا كان له الخيار إذا لم يمكن التحليل ( ومنها ) على ما قال الجوري : إذا باع عبدا قد نذر صوم شهر بعينه ، لأنه ليس له منعه بعد الدخول فيه ، قال : فإن كان بالذمة من الصوم متفرقا فلا خيار لأنه له منعه ، وهو في ذمة العبد . ( قلت ) وهذا يقتضي أن يطرد في كل صوم وجب على الفور يكون عيبا إذا كان طويلا يضر لشهر ونحوه كما مثل به . أما اليوم ونحوه فلا . والذي لا يجب عليه الفور يحتمل أن لا يكون عيبا كما قال ، ويحتمل أن يكون عيبا ; لأنه يضيق عليه إذا توقع الموت وعلى قياس ما قال لو كان [ ص: 560 ] فإنه صوم رمضان بعذر أو بغير عذر ينبغي أن يثبت الخيار ، لأنه لا يجوز له تأخيره عن رمضان آخر ، فيصير كشهر بعينه وهو قريب الحصول . ( ومنها ) تعلق الدين برقبتهما ، ولا رد بما يتعلق بالذمة ، ومثله المتولي والروياني بدين الفرض ، وحسن أن التجارة والشراء في الذمة خلافا لأصحاب الرأي ومالك ، ولو بان كون العبد المبيع مبيعا في جناية عمد وقد تاب عنها فوجهان ، فإن لم يتب فعيب ( قلت ) ينبغي أن يكون عيبا مطلقا كالسرقة والزنا وقد حكاه صاحب الاستقصاء وجها ، وجناية الخطأ ليست بعيب إلا أن يكثر وهذا معناه إذا لم يكن أرشها باقيا .

( ومنها ) الكعبان وانقلاب القدمين إلى الوحشي ، والخيلان الكثيرة وآثار الشجاج والقروح والكي ، وسواد الأسنان وذهاب الأشفار والكلف المغير للبشرة وكون أحد ثديي الجارية أكبر من الآخر ، والحفر في الأسنان وهو تراكم الوسخ الفاحش في أصولها ، ذكر هذه الأحد عشر القاضي أبو سعيد في فصل في عيوب العبيد والجواري في شرح أدب القاضي لأبي عاصم ، ونقله الرافعي عنه ، ولو وجد الجارية لا تحيض وهي صغيرة أو آيسة فلا رد ، وإن كانت في سن يحيض النساء في مثله غالبا فله الرد ، وضبطه القاضي حسين بعشرين سنة ، ولو تطاول طهرها وجاوزت العادات الغالبة للنساء فله الرد ، هكذا قاله المتولي والرافعي وقال القاضي حسين : إذا انقطع سنة فأكثر فإن كانت لها عادة معلومة فعيب ، وإن لم يكن لها عادة فليس بعيب ، وفي عبارة الروياني اعتبار عادة البلد ، ونسبه إلى النص ، والحمل في الجارية عيب وفي سائر الحيوانات ليس بعيب على الصحيح الذي اقتضاه إيراد الرافعي هنا وقطع به المتولي وقال في التهذيب : عيب . وقال ابن الرفعة في الكفاية : إن الرافعي قال في الصداق : إنه أظهر الوجهين ، والذي قاله الرافعي في الصداق : إنه أظهر الوجهين ، إنما كان في الجواري زيادة من وجه ونقصانا من وجه ، لأنه يضر بطيب اللحم في المأكول وبالحمل في غير المأكول .

وفي التناقض بين تصحيح الرافعي نظر ، فإن النظر في الصداق في الزيادة والنقص إلى حصول غرض صحيح أو فواته ، ولا نظر إلى القيمة ولا نقصان العين كما هو الضابط ههنا ، فقد لا يكون [ ص: 561 ] الحمل في الحيوانات عيبا في البيع ، لأنه لا ينقص من العين ولا من القيمة ، ويكون نقصا في الصداق من وجه لفوات غرض به وفيه نظر . ومن العيوب كون الدابة جموحا أو عضوضا أو رموحا أو حثيثة المشي بحيث يخاف منها السقوط ، وشرب البهيمة لبن نفسها ، وقلة أكل الدابة . وشرط المتولي والروياني في الجموح أن لا تنقاد إلا باجتماع الناس عليها ، وهو بعيد ، وإن كان في كلام القاضي حسين ما يفهمه . قال القاضي حسين : ولو كانت ترهب من كل شيء تراه فله الرد أيضا . وقال الهروي : من عيوب الدواب الحران وأن يكون إذا أعلم قبل الرحال وهو محل ، ومن العيوب كون الدار أو الضيعة منزل الجند . قال القاضي حسين في فتاويه : هذا إذا اختصت من بين ما حواليها بذلك ، فإن كان ما حولها من الدور بمثابتها فلا رد ، وكونها ثقيلة الخراج ، وإن كنا لا نرى أصل الخراج في تلك البلاد وتفاوت الرغبة والقيمة ، ونعني بثقل الخراج كونه فوق المعتاد في أمثالها وفي وجه عن حكاية أبي عاصم لا رد لثقل الخراج ولا بكونها منزل الجند ، وألحق في التتمة بهاتين الصورتين ما إذا اشترى فوجد بقربها قصارين يؤذون بصوت الدق ، ويزعزعون الأبنية ، وأرضا فوجد بقربها خنازير تفسد الزرع ، وحكى الروياني في هاتين المسألتين وجهين ، وأطلق القاضي حسين في الفتاوى أنه إذا اشترى أرضا فوجدها مرتع الخنازير أن له الرد قال : وقال العبادي : ليس له الرد .

ولو اشترى أرضا يتوهم أن لا خراج عليها فبان خلافه ، فإن لم يكن على مثلها خراج فله الرد وإن كان على مثلها ذلك القدر فلا رد . هكذا في التتمة والرافعي وفي فتاوى القاضي حسين وهذا يقتضي تفسير الخراج بشيء غير أجرة الأرض فإنه إذا لم يعلم أن على الأرض أجرة وظن أن الأرض ملك البائع وورد العقد عليها ثم خرجت بخلاف ذلك تخرج على تفريق الصفقة لا لأجل الخراج ، بل لخروج بعض المبيع مستحقا . وقال صاحب التتمة : لو شرط أن لا خراج عليها بأن عليها خراج فله الرد قل أو كثر ، يعني ولو كان على أمثالها وهو ظاهر . [ ص: 562 ] وقال الغزالي في الفتاوى : لو اشترى أرضا فبان أنها تبير إذا بارت رجلة ويضر بالزرع فله الرد إن قلت الرغبة بسببه .

ومن العيوب كون الماء مسخنا على أصح الوجهين ، ولو باع الطاهر من الأواني بالاجتهاد لزمه تعريف المشتري ، فإن لم يعرفه فهل له الخيار ؟ وجهان حكاهما الروياني ، ولو باع عشرين صاعا من ماء في بئر فاستقى منها تسعة عشر فلما أخرج الصاع الأخير وجد فيه فأرة ميتة ولم يتغير الماء بها فأريق هذا النجس ، وقال البائع : استلم الصاع من الباقي في البئر ; لأنه كسر . وطلب المشتري فسخ البيع كان له الفسخ ; لأن هذا الماء نجس عند بعض الفقهاء فتعافه النفس ، فيصير كعيب أصابه بما اشتراه ، نص عليه الشافعي ، ونقله عنه الروياني والرمل تحت الأرض إن كانت مما طلب للبناء ، والأحجار إن كانت مما يطلب للزرع والغرس وقد تقدم الكلام في ذلك في باب بيع الأصول والثمار ، فلينظر هناك . ومن العيوب نجاسة المبيع إذا كان ينقص بالغسل وظهور ماله يوقف المبيع وعليها خطوط المتقدمين ، وليس في الحال من يشهد بذلك عيب ، ونقل ذلك عن العدة ، وقال صاحب البحر : وفرضهما فيما إذا علم أنها ليست مزورة . ونقلها عن بعض أصحابنا بالعراق وعن اختيار مشايخ طبرستان . قال الروياني : وكذلك إذا ادعى مدع يعول على دعواه وفقيها يحتمل أن يقال ذلك عيب . وهذا إذا سبقت الدعوى البيع وإن بعد البيع وقبل القبض .



( فرع ) قال الهروي : فصل في عيوب العبيد والجواري التي اجتمع عليها البحاثون وأفتى بها المفتون التابع في الخلق وتغير الأظفار والخلف هذا في العنين والسعال والصكك وهو اصطكاك القدمين هذا لابن أبي ليلى والكوع وهو خروج العرقوب عن القدم في اليمين والشمال ، والفرع وهو يتوسط القدم والنقرة والشامات إلا شامة بيضاء والغدد والعقد والكسف ، وهي دائرة في قصاص الناصية [ ص: 563 ] والعس والجماجم في غير مواضعها والكشف في الحبل اكتواه في عسيب ذنبه ، والسلوم في الأسنان والشقاق في اليدين والرجلين ، واختلاف الأضلاع والأسنان وجرم البسوق ، والأذن إذا اتسعت ثم حيطت ، والنمش والسمط وأنار جلد خطوط السياط وأكل الطين ، هذا لشريك القاضي وخضاب الشعر وتجعيده والوشوم والعنه في الصوت . وهذا لحفص بن غياث والترس أخفى من البرص ، واللواط والابنة والحول والفدع وذهاب الأشفار وأن لا يثبت عامتها حدث في زمان أبي عمر القاضي المالكي وأن يكون شتاما كذابا .



( فرع ) قال الزبيري في المقتضب : لو اشترى دارا بحدودها ثم علم أن أحد حيطانها ليس لها فله الخيار . ( قلت ) وينبغي أن يكون ذلك على تفريق الصفقة ، لأن الإشارة تشمل الجميع ومن جملتها الجدار الذي تبين أنه ليس لها . وقال الصيمري : لو اشترى عبدا فبان أنه أخو المشتري أو عمه فله الخيار ; لأن النفس لا تكاد تطيب باسترقاقه ، وفيه نظر ; لأن هذا معنى خاص بالمشتري ، وقد صرح البغوي والرافعي بأنه لو اشترى جارية فبانت أخته من النسب فلا خيار ، وقال ابن الصباغ : لو كانت محرمة عليه بنسب فلا خيار .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث