الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فروع زال العيب الحادث في المبيع قبل علمه بالعيب القديم ثم علمه

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( فإن قال البائع : أنا آخذ المبيع مع العيب الحادث لم يلزمه دفع الأرش لأنه لم يكن له غير الرد وإنما امتنع [ من الرد ] للعيب الحادث في يده ، فإذا رضي به صار كأن لم يحدث عنده عيب ، فلم يكن له غير الرد ، وإن قال المشتري : أرده وأعطي معه أرش العيب الحادث عندي لم يلزم البائع قبوله كما إذا حدث العيب به عند البائع فقال : خذه وأنا أعطيك معه أرش العيب لم يلزم المشتري قبوله ) .

التالي السابق


[ ص: 449 ] ( الشرح ) هذان نوعان من المسألة المتقدمة ، ولا شك أن للبائع والمشتري عند اجتماع العيب القديم والحادث أحوالا : ( أحدها ) أن يرضى البائع برده من غير أرش للحادث ، فذلك له وليس للمشتري بعد ذلك إلا أن يمسكه مجانا أو يرده ، ولا يكلف رده كما لا يكلف رده إذا انفرد العيب القديم ، ولا يكلف البائع الأرش ، وهذه الحالة هي المسألة الأولى من كلام المصنف هنا . ( وقوله ) لأنه لم يكن له غير الرد يؤيد ما تقدم عن الرافعي ويقتضي أن حقه الأصلي هو الرد لا الأرش . ( الثانية ) أن يتفقا على إمساكه وأخذ أرش العيب القديم ، فذاك جائز بلا خلاف وهو الذي اقتضى كلام المصنف فيما تقدم أنه الواجب لكن بطريق الانتقال من الرد إليه ولا يأتي ههنا الخلاف المتقدم في كلام المصنف فيما إذا تراضيا على دفع الأرش لإسقاط الخيار ، عند إمكان الرد ، والفرق على أحد الوجهين أن الاعتياض هناك عن سلطة الرد ، وهي لا تقابل ، والمقابلة هنا عما فات من وصف السلامة في المبيع . ( الثالثة ) أن يتفقا على الرد مع الأرش وذلك جائز أيضا ، ولم يذكر المصنف هذه الحالة لكن ذكرها الرافعي ، وهل أخذ الأرش هنا بطريق الاعتياض ؟ فيرد السؤال المتقدم ، ويكون هنا أقوى ; لأنه في مقابلة سلطة طلب الأرش ، أو ليس بطريق الاعتياض ولكن يجعل قائما مقام الجزء الفائت بالعيب الحادث ، ويرد الرد عليها كما في رد الصورة ، ويأتي ذلك البحث الذي هناك أو أنه لما فات ذلك الجزء عند المشتري ، وهو مقابل ببعض الثمن فإذا رد الباقي برضا البائع انفسخ العقد فيما يقابل المردود من الثمن ، وبقي ما يقابل الجزء الفائت لم ينفسخ فيه العقد . وتظهر فائدة هذا فيما لو كان الثمن عرضا أو نقدا باقيا بحاله أنه لا يسترجع منه مقدار أرش العيب الحادث ، وعلى التقديرين الأولين يسترجع جميع الثمن ويغرم من عنده الأرش أو أنه لما انفسخ [ ص: 450 ] العقد فيه لزمه غرامة ما فات تحت يده كالمستلم ويكون من باب الغرامات المحضة ليس منسوبا من الثمن سيأتي في كلام المصنف في مسألة ما لا يوقفه على عيبه إلا بكسره ما يدل لهذا الاحتمال الرابع ، وفي كلام الإمام في مسألة الحلي ما يشهد للاحتمال الثاني ، والله أعلم .

وقال : إن القائل بأن المبيع عند التنازع من يدعو إلى الإمساك يقول : إذا فرض التراضي على الرد وضم أرش العيب الحادث فسبيله سبيل الإقالة . ( قلت : ) وذلك لا يدفع الإشكال ، فإن الإقالة فسخ على المذهب فيعود البحث فيها ، ولا يجوز أن يقع الفسخ على شرط أن يضمن المشتري الأرش ، فإن ثبت الاحتمال الثاني كما اقتضاه كلام الإمام لم يكلف أن يبقى في ذمة المشتري بل لا بد من إحضاره حتى يجاب كما يدل على ذلك كلام الإمام في مسألة الحلي ، وسأذكرها إن شاء الله تعالى ، وهو يبين ما تقدم من البحث في المصراة من اشتراط رد الثمر معها ، وفي معرفة قدر الأرش الذي يرده المشتري عن العيب الحادث كلام سيأتي في معرفة أرش العيب القديم إن شاء الله تعالى .

والذي قاله الأصحاب في مسألة الغرم أن الرد يرد على العين مع الأرش المردود وفي كلام المصنف هنا ما يقتضي ذلك ، وسنبينه إن شاء الله تعالى . لكن الإمام قال هناك : ومما يجب التنبيه له أنا إذا قلنا في العيب الحادث - حيث كان لازما في الصفقة - : إن المشتري يضم أرش نقص العيب الحادث إلى المبيع ، ويردهما ، فهذا في أصل وضعه إشكال ، فإن التمليك بالفسخ رد واسترداد حقه أن لا يتعدى المعقود عليه ، والرد كاسمه ، فتقدير إدخال ملك جديد في التمليك بطريق الرد بعيد ولا وجه يطابق القاعدة إلا أن يقول : الرد يرد على المعيب بالمعنيين فحسب من غير أن يقتضي تضمين المشتري أرش المعيب ، بتأويل تقدير الضمان في حقه وتشبيه يده بالأيدي الضامنة ، ولكن لا يتعين المردود عليه بذمة الرد ، فيضم الأرش إلى المبيع المردود ، فيكون المضموم مستحقا بالسبيل الذي أشرت إليه وليس أرش العيب الحادث مردودا . [ ص: 451 ]

ولو قال الراد : أرد ثم أبذل لم يكن له ذلك لعدم الثقة وإذا رد مع الأرش جرى في عين المضموم يتأول أنه ضمن وأقبض لا على أنه ملك بالرد شيئا لم يرد عليه العقد ، وهذا يدل لما سيأتي عن المصنف وغيره من الأصحاب أن الأرش عن الحادث غرامة غير منسوبة من الثمن ، لكن الذي قاله المصنف والأصحاب هناك هو عام في كل عيب حادث ، أو خاص بما لا يوقف على عيبه إلا بكسره فيه نظر .

( الحالة الرابعة ) إن تنازعا فيذعن أحدهما إلى الرد مع أرش العيب الحادث ويذعن الآخر إلى الإمساك وغرامة أرش العيب القديم ، وهذا يفرض على وجهين لأنه قد يكون طالب الرد هو المشتري ، وهي المسألة الثانية في الكتاب وقد قطع المصنف فيها بأن المجاب البائع ، وقد يكون طالب الرد هو البائع ، والمشتري يطلب الإمساك وأخذ الأرش ولم يذكرها المصنف هنا ، ومقتضى إطلاقه فيما تقدم أن المجاب المشتري لأنه جعل الواجب له الأرش إلا أن يرضى البائع بالرد أي مجانا ، وهو هنا لم يرض بالرد إلا مع الأرش ، وما اقتضاه كلام المصنف في الصورتين هو الصحيح الذي صححه الأصحاب والرافعي وعبروا عنه بأن المتبع من يذعن إلى الإمساك لما فيه من تقرير العقد ، ولأن الرجوع بأرش العيب القديم يستند إلى أصل العقد ; لأن قضيته أن لا يستقر الثمن بكماله إلا في مقابلة السليم ، وضم أرش العيب الحادث إدخال شيء جديد لم يكن في العقد ، فكان الأولى أولى .

( قلت ) وهذا فيه تقوية لما أبديته من الإشكال في أخذ الأرش من المشتري وقد تقدم ما فيه ، ووراء هذا وجهان آخران في طريقة الخراسانيين حكاهما غيره - ( أحدهما ) أن المتبع رأي المشتري ، ويجبر البائع على ما يقوله ; لأن الأصل أن لا يلزمه تمام الثمن إلا بمبيع سليم ، فإن تعذر ذلك فوضت الخيرة إليه ، ولأن البائع ملبس بترويج المبيع ، فكان رعاية جانب المشتري أولى ، ويروى هذا الوجه عن ابن أبي ليلى ومالك وأحمد ، قال الرافعي : وعن أبي ثور أنه نصه في القديم . [ ص: 452 ] قلت ) وقد تقدم ما نقله الأصحاب عن أبي ثور ، وأنه رواه في القديم ، لكن محله هناك في إجابة المشتري إلى الرد ، وأما إجابته إلى الإمساك أولى للمعنيين المتقدمين ( قلت ) قد يكون أبو ثور يروي أنه ليس حق المشتري إلا في الرد مع الأرش ، ولا يسوغ أخذ الأرش كما هو ظاهر قوله : إنه يرد السلعة ، فأرش العيب ( والوجه الثاني ) وهو الثالث من الأصل أن المتبع رأي البائع ; لأنه إما غارم أو آخذ ما لم يرد العقد عليه وهذه الأوجه الثلاثة ، تحصل في كل من الصورتين وجهان ، وهما في الثانية مستويان عند الصيدلاني . وذكر الشيخ أبو محمد في السلسلة الصورة الأولى التي في الكتاب ، وهي إذا طلب المشتري الرد وغرامة أرش الحادث . وحكى الوجهين فيها وبناهما على القولين فيما إذا اشترى عبدين ومات أحدهما ووجد بالثاني عيبا وأراد ضم قيمة التالف إليه وانفسخ فيهما إن جوزنا هناك أجبنا هنا وإلا فلا ، بل يغرم البائع أرش القديم ، وهذا البناء يقتضي ضعف القول بإجابة المشتري ; لأن الأصح هناك عدم إجابته في ضم قيمة التالف ، وأيضا فإن القولين المذكورين مفرعان على امتناع إفراد الموجود بالرد ، وقد تقدم فيه قولان مشهوران فهو خلاف على خلاف . وبنى الشيخ أبو محمد الوجهين في الصورة الثانية على القولين فيها إذا اشترى جوزا فكسره فوجده فاسدا ، وقلنا له رده هل للبائع الأرش ؟ قولان ( إن قلنا : ) له ، أجبنا البائع هنا ، وإلا فلا . ( قلت : ) والأصح على ما سيأتي أنه ليس له الأرش كذلك هنا ( الأصح ) أنه لا يجاب البائع في هذه الصورة فيسأل الشيخ أبو محمد بالجواز المراد به ما يبقي له قيمة بعد الكسر على ما سيأتي مبينا إن شاء الله تعالى .



( فروع ) ( الأول ) لو زال العيب الحادث قبل علمه بالعيب القديم ثم علمه فله الرد على الصحيح المنصوص في البويطي . وفيه وجه ضعيف جدا . وقال ابن الرفعة : إن الأشبه أن محله فيما لا يرجى زواله ، يعني عن قرب ، وأما ما يرجى زواله لو زال فلا يمنع من الرد [ ص: 453 ] قولا واحدا ، ولو زال القديم بعد أخذ أرشه لم يأخذه ، وقد تقدم ما يقتضي إثبات خلاف فيه ، وكذلك هو في التتمة ، وإن زال القديم بعد أخذه أرشه رده على المذهب . وقيل وجهان ، كما لو نبت سن المجني عليه بعد أخذ الدية هل يردها ؟ . ولو زال العيب الحادث بعد ما أخذ المشتري أرش العيب القديم أو قضى به القاضي ولم يأخذه ، فهل له الفسخ ورد الأرش ؟ . فيه وجهان بناهما الشيخ أبو محمد في السلسلة على الوجهين إذا قطع كامل الأنملة العليا من يد رجل ثم الأنملة الوسطى من يد آخر ، ويد المجني عليه ثانيا بالطلب . فأعطيناه الأرش من غير عفو ، ثم قطع الأول الأنملة العليا وأراد الثاني رد الأرش وقطع الوسطى قال ( والأصح ) أنه ليس [ له ] ذلك .

( قلت ) وكذلك الأصح أنه ليس له الفسخ بعد الأخذ ، وكذلك بعد الحكم على ما صححه البغوي ، وجزم ابن الصباغ عن الأصحاب بعد الحكم والقبض أنه لا فسخ ، وجعل محل الوجهين بعد الحكم وقبل الأخذ ، ولو تراضيا وقضيا ، فالأصح أن له الفسخ . قال الرافعي : وكلما ثبت الرد على البائع لو كان عنده يمنع الرد إذا حدث عند المشتري ، وما لا رد به على البائع لا يمنع الرد إذا حدث في يد المشتري إلا في الأقل ، ولعله احترز بذلك عما إذا قطع إصبعه الزائدة ، فإن القاضي أبا الطيب قال : عندي أنه يمتنع الرد ، وتبعه ابن الصباغ والعجلي ، لكني رأيت في التهذيب أنه لو باع أقلف فختنه البائع قبل التسليم وبرئ أو كان به سن شاغية أو إصبع زائدة فقلع السن وقطع الإصبع قبل التسليم وبرئ فلا خيار للمشتري . وهذا يقتضي أن زوال هذه الأجزاء مع البرء ليس بعيب ، ولذلك لم يرد به على البائع ، لكن في كونه مانعا من الرد نظر إذا لم يكن [ ص: 454 ] عيبا ، فإن قيل : لأنه جزء من المبيع ورد عليه العقد وقد يتعلق بفواته غرض ، فينبغي أن يكون كذلك إذا حدث قبل القبض أن يثبت الرد به . أما إذا وجد ذلك قبل العقد فصحيح أنه لا يثبت الرد به جزما ، فإن صح ما قاله صاحب التهذيب مع ما قاله القاضي أبو الطيب تعين الاستثناء والاحتراز كما فعل الرافعي ، وإلا فيصح أن يقول : كما لا رد به على البائع إذا حدث في يده قبل القبض يمنع الرد إذا حدث في يد المشتري ، ويبقى الطرفان لا يستثنى منهما شيء ، وسيأتي .

وصاحب التتمة خالف القاضي أبا الطيب ، ولو أخصى العبد ثم علم عيبا قديما فلا رد وإن زادت القيمة ، ولو نسي القرآن أو صنعة ثم علم به عيبا قديما فلا رد لنقصان القيمة . ولو كانت الجارية رضيعة فأرضعتها أم البائع أو ابنته في يد المشتري ثم علم عيبا فله الرد ، وإن حرمت على البائع ; لأن القيمة لم تنقص بذلك ، وقد تقدم نظيرها في وطء الثيب إذا كان البائع أبا المشتري أو ابنه ولو اطلع على العيب القديم بعد رهنه فلا رد في الحال . وفي وجوب الأرش وجهان ، إن عللنا باستدراك الظلامة فنعم ، وإن عللنا بتوقع العود فلا . وعلى هذا فلو تمكن من الرد رد ، وإذا اطلع على العيب القديم بعد الإجارة فإن لم نجز مع المستأجر فهو كالمرهون ، وإن جوزناه فهو عيب يرجى زواله ، فإن رضي البائع بأخذه مستأجرا رد عليه وإلا تعذر الرد ، ففي الأرش الوجهان . هكذا قال الرافعي وقاله القاضي حسين في الدرس الثاني بعد أن كان قال : إنه إذا رهنه أو أجره فهل يفسخ في الحال أو لا حتى ينفك الرهن وتمضي مدة الإجارة ؟ فيه وجهان : إن منعنا لم نجوز له الأرش لأن للرهن والإجارة غاية معلومة بخلاف التزويج ، وسواء صبر أو فسخ في الحال فالأجرة للمشتري . ولو تعذر الرد بغصب أو إباق قال الرافعي : إنه يجري فيه الوجهان اللذان ذكرهما في الإجارة ، وسيأتي التعذر بالإباق في كلام المصنف .

وصرح صاحب التهذيب بحكاية الوجهين في أخذ الأرش عند الإباق والغصب ( أحدهما ) نعم للتعذر ( والثاني ) لا لعدم اليأس [ ص: 455 ] وقرار الرقيق على نفسه في يد المشتري تدين المعاملة أو تدين الائتلاف مع تكذيب المولى لا يمنع الرد بالعيب القديم وإن صدقه مشتري المولى على دين الائتلاف منع منه فإن عفى المقر له بعد ما أخذ المشتري الأرش فهل له الفسخ ورد الأرش ؟ وجهان جاريان فيما إذا أخذ المشتري الأرش كرهنه العبد أو كتابته أو إباقته أو غصبه أو نحوها إن مكناه من ذلك ثم زال المانع من الرد . قال في التهذيب ( أصحهما ) لا فسخ . وإن كان دبره أو علق عتقه بصفة ، فله الفسخ ; لأن التدبير يقبل الفسخ . وكذا التعليق قابل للرفع بإزالة الملك . قاله القاضي حسين ، وهو ظاهر . وإن زوج الجارية أو العبد ثم علم بالعيب ولم يرض البائع بذلك قطع جماعة بوجوب الأرش ; لأن النكاح يراد للدوام فهو كعيب لا يرجى زواله . وقال الرافعي رحمه الله : إن بعضهم قطع بهذا . وإن الروياني والمتولي اختاراه . وهذه العبارة قد تفهم أن بعضهم خرجه على الخلاف . قال ابن الرفعة : ولم أر من صرح به ( وأما ) الكتابة فحكى القاضي حسين فيها وجهين وقال : الأظهر على المعنى أنه لا يفسخ . وقال الماوردي : إنه لا رد ولا أرش لعدم اليأس ولاستدراك الظلامة بالنجوم .

وقال الرافعي : الأظهر أنه كالرهن وأنه لا يحصل الاستدراك بالنجوم ، يعني لأنها في الحقيقة ماله ، وقال في التتمة : إنه إن امتنع البائع من القبول أو قلنا تبع المكاتب لا يجوز ، فإنه يجب الأرش ( وقال ) الرافعي رحمه الله تعالى : إن في التتمة أن الكتابة كالتزويج . ومراده في وجوب الأرش ( وأما ) في جواز الرد فقد علمت بناء صاحب التتمة على جواز بيع المكاتب ، فليست كالتزويج مطلقا ، فقد اجتمع في الكتابة أربع طرق ( أصحها ) أنه كالرهن فلا يفسخ في الحال ولا يجب الأرش على الأصح ، وهي طريقة الرافعي . [ ص: 456 ] الثاني ) أنه لا يرجع بالأرش في الحال قطعا وهي طريقة الماوردي . ( الثالث ) القطع بوجوب الأرش وهي طريقة صاحب التتمة . ( الرابع ) أنه ينفسخ . وهو ما أشعر به كلام القاضي حسين في قوله : الأظهر أنه لا فسخ ، وهذه العلة بناء على جواز بيع المكاتب ، وأنه تبطل الكتابة ، وهو أحد الوجهين على القديم ، بل يتعين تفريعه على ذلك . وتكون الطرق الثلاث على امتناع بيعه ، ولو أخذ الأرش ثم عجز المكاتب أو طلق الزوج فعلى الوجهين المتقدمين في زوال العيب بعد أخذ الأرش .



( فرع ) لو أنعل الدابة ثم علم بها عيبا قديما إن لم يعبها نزع النعل ، بأن تكون كانت موجودة في يد البائع وسمر المشتري النعل فيها ولم يكن يحدث بقلعها نزع فله نزعه والرد ، فإن لم ينزع في هذه الحالة لم يجب على البائع قبول النعل ، والفرق بين النزع هنا والنعل في يده طلب الخصم أن ذلك إشغال يشبه الحمل عليها وهذا تفريع . وقد تقدم ما ذكره القاضي في أن إشغال المشتري بجز الصوف مانع من الرد . وذكرت هناك هذه المسألة على سبيل الإيراد عليه ، ولعله يطرده فيهما بل يتعين ذلك ، فإن بابه وجوب المبادرة بالتلفظ بالفسخ ، وإن كان نزع الحافر يخرم نقب المسامير ويعيب الحافر فنزع ; بطل حقه من الرد والأرش ، وفيه احتمال للإمام . ولو كان نزعه قبل الاطلاع على العيب فإن حصل به نقص كان كسائر العيوب الحادثة في الأرش ، ولو ردها مع النعل أجبر البائع على القبول ، وليس للمشتري طلب قيمة النعل ، ثم ترك النعل هل هو تمليك من المشتري ؟ فيكون للبائع لو سقط ، أو إعراض فيكون للمشتري ؟ ( وجهان ) أشبههما الثاني . هذا إذا جرى الترك وحده ، فإن حصل لفظ الهبة حصل الملك ، وقيل بجريان الخلاف وقد تقدم ذلك في الأحجار في باب بيع الأصول والثمار ، وليس له على قولنا : إنه لا يملك المطالبة به ما دام متصلا ، ولو طلب نزعه قبل الرد بالعيب فله ذلك ، [ ص: 457 ] وفيه دليل على أنه لا يجب عليه البدل ابتداء ، وبه صرح الإمام . ولو قال المشتري : لا أسمح بالنعل ، وطلب الأرش عن العيب القديم لأنه لا يلزمني المسامحة وقلعه يقتضي حدوث تعيب . قال الغزالي : لم يكن ذلك فإنه كالحصر في مؤنة الرد .



( فرع ) إذا صبغ المشتري الثوب ثم اطلع على عيب قديم ، فإن نقصت قيمة الثوب بالصبغ فلا إشكال في أن ذلك عيب حادث ، وحكمه ما تقدم عند الوفاق أو التنازع ، وأما إذا زادت القيمة فقد قال صاحب التقريب ، ثم الإمام والغزالي والرافعي : إنه إن رضي المشتري بالرد من غير أن يطالب بشيء فعلى البائع القبول وهذا لا نزاع فيه . وقد أطلق ابن الصباغ والبندنيجي أنه إذا صبغه لم يكن له رده مصبوغا ويرجع بالأرش ، وحمله ابن الرفعة على ما إذا حصل بالصبغ نقص توفيقا بينه وبين ما قال الإمام ، والأولى عندي أن لا يحمل على ذلك لما يدل عليه آخر كلامه ، بل مراده أنه ليس له الرد إذا لم يسمح بالصبغ فإن سمح لم يتعرض له فهذه الحالة التي ذكرها صاحب التقريب والإمام لم يتعرض لها ابن الصباغ وكلامه مطلق يجب تقييده . قال الإمام : ويصير الصبغ ملكا للبائع لأنه صفة للثوب لا تزايله ، وليس كالنعل ( قلت ) لكن في إدخاله في ملكه شبه من مسألة اختلاط الثمار ، وفيها خلاف لأجل المنة بخلاف النعل فإنه تابع والصبغ فوق النعل ودون الثمار ، ولو طلب المشتري أرش العيب القديم وقال البائع : رد الثوب لأغرم لك قيمة الصبغ ففيمن يجاب وجهان : ( أحدهما ) : وبه قطع الشيخ أبو حامد والمحاملي في التجريد والمجموع وابن الصباغ والمتولي أن المجاب البائع ولا أرش للمشتري .

( والثاني ) : وبه قال أبو حنيفة أن للمشتري أن يطالب بالأرش وهذا مما يعين أن كلام ابن الصباغ في الصبغ الذي حصلت به زيادة . وإنما أهمل القسم الذي ذكره صاحب التقريب والإمام . أو يكون لا يختار الإجبار على ذلك . ويفرق بينه وبين النعل فيبقى كلامه على إطلاقه . والفرق بين هذه المسألة حيث أجبنا البائع وبين ما إذا طلب أرش العيب الحادث حيث نجيب المشتري على الصحيح ظاهر . فإن المشتري هنا يأخذ قيمة [ ص: 458 ] الصبغ والثمن يستدرك ظلامته ، ولا يغرم شيئا هناك لو ألزمناه بالرد مع أرش الحادث ، غرمناه لا مقابلة شيء أخذه . ونظير مسألتنا هذه أن يطلب البائع رده مع العيب الحادث من غير أرش ، فإنه يجاب قطعا ، ولو أراد المشتري الرد وأخذ قيمة الصبغ مع الثمن ففي وجوب الإجابة على البائع وجهان ( أصحهما ) لا يجب ، وهذا الصحيح ينطبق عليه كلام ابن الصباغ قطعه بوجوب الأرش إن لم يحمل على صبغ تنقص به القيمة . وقال الرافعي والنووي في الروضة كما قال ( أصحهما ) لا يجب قال : لكن يأخذ المشتري الأرش ، والإمام لم يتعرض لذلك ، وستأتي التنبيهات التي أذكرها الآن إن شاء الله تعالى ببيان الحال فيه ، وهل ذلك متحتم ؟ أو ثم طريق غيره ؟ وههنا تنبيهات في هذا الفرع : ( أحدها ) أن الإمام لما حكى الخلاف في الطرفين - أعني طلب المشتري الإمساك وأخذ الأرش أو الرد وأخذ قيمة الصبغ - شبهه بالخلاف في الإجبار على ضم الأرش ورد المبيع ، وقال : فقد جرى الصبغ الزائد مجرى أرش العيب الحادث في طرفي المطالبة قال الرافعي : ومعناه أنه إذا قال البائع : رده مع الأرش وقال المشتري : أمسك ، وآخذ الأرش ، ففيمن يجاب ؟ وجهان ، وكذا إذا قال المشتري : أرد مع الأرش ، وقال البائع بل أغرم الأرش ، وهذا ظاهر للمتأمل في الوجوه الثلاثة المذكورة هناك إذا أفرد أحد الجانبين بالنظر .

ووجه المشابهة بين الصبغ الزائد وأرش العيب الحادث أن إدخال الصبغ في ملك البائع مع أنه دخيل في العقد كإدخال الأرش الدخيل في العقد ، هذا كلام الرافعي رحمه الله ، ومراده ومراد الإمام أن البائع والمشتري إذا طلب أحدهما الرد ويعطي البائع قيمة الصبغ وطلب الآخر الإمساك مع الأرش ، فمن المجاب ؟ وجهان ( أصحهما ) على ما تقدم أن المجاب البائع في الحالتين ( والثاني ) أن المجاب المشتري في الحالتين . وقال الغزالي في البسيط قريبا مما قاله الإمام . وقال في الوجيز : [ ص: 459 ] إن إدخال الصبغ كإدخال أرش العيب الحادث ، قال الرافعي رحمه الله تعالى : ظاهره يقتضي عود الأوجه الثلاثة ههنا ، ثم يقال : المجاب منها في وجه من يدعو إلى فصل الأمر بالأرش القديم ، وقد صرح به في الوسيط ، ولكن رواية الوجه الثالث لا تكاد توجد لغيره ، وبتقدير ثبوته فقد بينا ثم أن الأصح الوجه الثالث وههنا قضية إيراد الأئمة أنه لا يجاب المشتري إذا طلب الأرش كما مر . قلت : وكلامه في الوجيز ظهوره فيما قال الرافعي رحمه الله ، يمكن حمله على ما في النهاية والبسيط ( وأما ) كلامه في الوسيط فإنه قال : إن طلب قيمة الصبغ فهل يجب على البائع في رد الثمن ؟ فيه وجهان .

( وإن قلنا ) لا نكلفه قيمته فهو كعيب حادث ، فتعود الأوجه فيه في أن تملك شيء حادث أولى أو تغريم أرش العيب القديم ، وهذا صريح كما قال الرافعي ولكن فيه زيادة إشكال في بادئ الرأي غير ما ذكره الرافعي ، وهو أنه جعل الأوجه الثلاثة مفرعة على القول بعدم إجبار البائع على بذل قيمة الصبغ ، ويستبقي الرهن إلا أن هذا هو القول بإجابة البائع ، ولا يبقى بعده إلا وجهان : إجابة المشتري أو إجابة من طلب الأرش ، فكيف تأتي ثلاثة تفريعات على أحد الوجهين ؟

وحل هذا الإشكال بأن يكون المراد أنا إذا لم نجبر البائع على بذل قيمة الصبغ فالصبغ ملك المشتري والثوب تنقص قيمته باتصاله بصبغ لا يدخل معه في التقويم فهو عيب حادث ، فإن تراضيا على أرش الحادث قوم الثوب وبه العيب القديم خاليا عن الصبغ ، فإذا قيل : عشرة قوم وبه العيب القديم ، وقد اتصل به الصبغ لم يدخل في التقويم ، فإذا قيل : تسعة ، علم أن الفائت درهم ، فيبذله للبائع مع الثوب ، ويسترجع ثمنه ، ويبقى الصبغ في الثوب للمشتري ، فإن تراضيا على هذا المسلك أو على أرش العيب القديم فذلك ، وإن تنازعا في هذين المسلكين فعلى وجه يجاب البائع ، فإن اختار دفع الأرش عن القديم أو أخذ الأرش عن الحادث عرض على المشتري ، فإن أباه سقط حقه ، [ ص: 460 ] وعلى وجه يجاب المشتري ، فإن طلب الأرش عن القديم ولم يرض البائع بأخذ الثوب معيبا بسبب الصبغ ولا يبذل قيمة الصبغ أجبر على بذل الأرش . وإن طلب الرد مع غرامة أرش العيب الحادث واستعادة الثمن أجبر على ذلك وعلى وجه يجاب الداعي إلى الأرش القديم أخذا أو بدلا هكذا شرح ابن الرفعة ولم يلتزم بمقتضى كلام الإمام من التشبيه . وقال : يجوز أن يقول : لا يجبر البائع على بذل قيمة الصبغ ، ويجبر على قبول أرش العيب الحادث ، والفرق أن الأرش غرامة عما فات من ملكه الذي خرج منه ، ومألوف في الشريعة أن يجبر الإنسان على أخذ ماله أو يبرأ منه ، وإجبار البائع على بذل قيمة الصبغ إجبار على تملك شيء مبتدإ ، يبذل لا على طريق الغرامة ، ومثل ذلك غير مألوف في الشرع ، ثم اعترض ابن الرفعة على نفسه بقول الغزالي بعد ذلك : ولم يذهب أحد إلى أن المشتري يبقى شريكا بالصبغ ، وتأوله على أن المراد لم يذهب أحد إلى أنه ليس له إلا ذلك أو سقط حقه يعني بل هو مخير بين ذلك وبين أخذ الأرش .

قلت : ويؤيد هذا التأويل فرق الغزالي بأن المشتري يتضرر بذلك ، بخلاف الغاصب ، والمشتري إنما يتضرر بتعين هذه الطريق عليه كالغاصب لا بالتخيير ، وسأتكلم على ما يقوي التأويل أو يضعفه في التنبيه الثاني ، فإن صح هذا التأويل اندفع هذا الإشكال الثاني عن الغزالي ، ولم يبق إلا ما ذكره الرافعي ، وحينئذ أقول : ما ذكره الغزالي في الوسيط من هذا الفرع الذي تجري فيه الأوجه الثلاثة بين رد الثوب بدون الصبغ أو بينه وبين أخذ أرش العيب القديم ، هل يجاب فيه البائع أو المشتري ؟ أو طالب الأرش القديم ؟ فرع زائد ، وكلام النهاية والبسيط والوجيز ساكت عنه . وليس ما صرح به في الوسيط تصريحا بمقتضى ما ذكره في الوجيز ، كما أشار إليه الرافعي رحمه الله بل كلامه في الوجيز في إدخال الصبغ في ملك البائع قهرا ، وكذلك كلام النهاية والبسيط . [ ص: 461 ] وأما كلامه في الوسيط ففي إدخال الثوب مع أرشه بدون الصبغ فأين أحدهما من الآخر ؟ فلا يكون ما ذكره في الوسيط وجها ثالثا في تلك المسألة كما اقتضاه كلام الرافعي رحمه الله ، بل ثلاثة أوجه في مسألة زائدة ، ويجوز أن يكون الأصح منها أيضا أن المجاب من يدعو إلى الأرش القديم كما هو الأصح هناك ، ولا ينافي إيراد الأئمة هنا أن المشتري لا يجاب إذا طلب الأرش كما قال الرافعي رحمه الله : إنه مر ; لأن الذي مر أنه لا يجاب المشتري إذا طلب الأرش وطلب البائع بذل قيمة الصبغ أما إذا طلب المشتري الأرش حالة امتناع البائع من بذل قيمة الصبغ فكما مر .

( التنبيه الثاني ) قال الإمام : لا صائر إلى أنه يرد ويبقى شريكا في الثوب كما في المغصوب . والاحتمال متطرق إليه ، وأجاب الغزالي عن هذا الاحتمال بأن المشتري يتضرر بذلك بخلاف الغاصب ، فإنه يبقيه شريكا ولا يلتفت إلى تضرره لعدوانه ، وأعرض ابن خلكان بأن غريم المفلس يرجع في الثوب التي زادت قيمتها بالصبغ ، ويكون شريكا ، ولم يحصل من المفلس عدوان وأجاب ابن الرفعة بأن المقصود في الفلس دفع ضرر البائع ، فإذا رجع حصل الضرر للمفلس تبعا ، والمقصود في الرد بالعيب دفع ضرر المشتري برده ، وجعله مشتركا يقع له ضرر مقصود أكثر من ضرر العيب . وأنا أقول : إن غريم المفلس إذا رجع في الثوب دون الصبغ لم يحصل ضرر للمفلس بالشركة ; لأن ماله مبيع كله ، وقد قال الأصحاب : إن الثوب يباع ويكون الثمن بينهما على ما تقتضيه القسمة ، على أنهم اختلفوا هل يكون كل الثوب للبائع وكل الصبغ للمفلس أو يشتركان فيهما جميعا ؟ على وجهين ، وفي الرد بالعيب لا يجب على أحد منهما البيع ، فيحصل الضرر تبعا للشركة . واعلم أن هذا الاعتراض والجوابين عنه بناء على ما دل عليه كلام الغزالي من أن عدم القول بالشركة هنا لأجل ضرر المشتري ، وأن المقصود أنه لا يجب ذلك عليه كما أوله ابن الرفعة ، وعليه يدل تنظير الإمام له بالغصب ، وأول كلام الإمام وهو قوله : ولم يصر [ ص: 462 ] أحد من الأصحاب إلى أن المشتري يرد الثوب ويبقى شريكا محتمل له ، أي على سبيل الإيجاب عليه كما يجب على الغاصب ، وعليه يستقيم فرق الغزالي ويأتي اعتراض ابن خلكان عليه بسبب أن المفلس يجبر على ذلك من جهة البائع ، ويأتي الجوابان المتقدمان . لكن في آخر كلام الإمام ما يقتضي أن ذلك على سبيل الجواز ، فإنه قال : وهذه المسألة ذكرها صاحب التقريب وأشار إليها العراقيون والاحتمال فيها من الجهة التي ذكرتها وهو تجويز الرد مع ملك المشتري في عين الصبغ . فإنا قد نجعل الغاصب إذا صبغ الثوب شريكا . انتهى .

فقول الإمام هنا تجويز الرد يدل على أن ذلك ليس على سبيل الإيجاب بل على سبيل الجواز ، وحينئذ لا يأتي تأويل الكلام الذي قاله الغزالي ; لأن مقتضى كلامه الآخر والأول لم يقل أحد بجواز الرد مع الشركة . فيتوقف التأويل المذكور . وحينئذ لا يبقى فرق الغزالي بضرر المشتري متجها ; لأنه قد يختار ذلك ، فلا يكون المنع حينئذ لضرره ، بل لضرر البائع وهو مثل ضرر المغصوب منه . والأولى إذا انتهينا إلى هذا المقام أن نصحح تأويل كلام الغزالي في الوسيط فإنه أخبر لكلام إمامه . وأول كلام الإمام محتمل ، ولفظة الجواز في آخره ليست صريحة في نفي الوجوب فيرد إليه ، فهذا أولى من أن يجعل فرق الغزالي واقعا في غير وجه كلام الإمام ويكون الذي اتفق الأصحاب عليه أنه لا يتعين حق المشتري في أن يرد الثوب ويصير شريكا ، ويقتضي ذلك أنه لو دعي البائع لا يجب على المشتري [ الرد ] ، وفيه شيء مما ذكره عن صاحب التهذيب .

( التنبيه الثالث ) أن صاحب التهذيب قال : إن لم يمكنه نزع الصبغ فإن رضي البائع بأن يرده ويكون معه شريكا في الزيادة رده ، وإن أبى أمسكه وأخذ الأرش وقد تقدم ذلك عن صاحب التهذيب ، ذكره هناك فقوله : إن رضي البائع بالشركة إن أراد يجوز للمشتري [ ص: 463 ] أن يرده فصحيح ; لأنهما إذا اتفقا على ذلك لا إشكال في الجواز ، وإن أراد أنه يجب على المشتري الرد أو يسقط حقه ، فهو الذي نقل الإمام والغزالي أنه لم يقل به أحد من الأصحاب . وأما قوله : وإن أبى أمسكه فإن أراد أن البائع إذا امتنع من الشركة تعين حق المشتري في الأرش وأنه لا يجوز للمشتري إلزامه وهو ظاهر كلامه فهو موافق لما قاله الرافعي ومخالف لما حكاه الغزالي في الوسيط من جريان الأوجه الثلاث . لكنه موافق للأصح منها ، وهو إجابة من يدعو إلى الأرش القديم ، فينبغي أن يكون معنى كلام صاحب التهذيب أنه إن أراد البائع أن يرد ويصير شريكا جاز للمشتري الرد وإن امتنع البائع تعين على المشتري الإمساك ، وأخذ الأرش ، يعني على الصحيح والظاهر أن صاحب التهذيب لم يلاحظ الضرر الحاصل للمشتري من الشركة ، وإنما النظر إلى ضرر البائع . ويجب النظر إلى كل منهما ، كما نظرنا إلى كل منهما عند اجتماع العيب الحادث والقديم . فتلخص من ذلك ما أذكره إن شاء الله تعالى .

( التنبيه الرابع ) الذي تلخص مما تقدم أن المشتري إن طلب الرد ، ولا يطالب بشيء أجيب قطعا وأجبر البائع عليه فإن اتفقا على الرد مع قيمة الصبغ جاز قطعا ، وإن اتفقا على أخذ الأرش عن العيب القديم جاز قطعا ، وإن اتفقا على رد الثوب مع بقاء الصبغ على ملك المشتري جاز على تعذر من كلام صاحب التهذيب والإمام والغزالي على تأويله ، وذلك مع الأرش عن نقصان الثوب بالصبغ أو بدونه إن تراضيا على ذلك ، وإن طلب المشتري قيمة الصبغ وامتنع البائع لم يجبر على الصحيح . وإن طلب المشتري الأرش عن العيب القديم وامتنع البائع من بذل قيمة الصبغ أجبر البائع على إعطاء الأرش القديم على الصحيح الذي اقتضاه كلام الوسيط . وإن طلب المشتري الرد مع الشركة وأن يرد أرش نقص الثوب بالصبغ لم يجبر البائع على الصحيح . وإن طلب المشتري الأرش عن القديم وطلب البائع بذل قيمة الصبغ ، فالمجاب البائع على الصحيح ، وقد تقدم الفرق بين هذه المسألة وبين بقية المسائل التي نجيب [ ص: 464 ] فيها من طلب تقرير العقد ، وإن طلب البائع الرد مع الشركة في الصبغ لم يجبر المشتري عليها على ما تقدم عن الإمام ، وفيه ما تقدم عن صاحب التهذيب .



( فرع ) لو صبغ المشتري الثوب ثم باعه ثم علم بالعيب قطع ابن الصباغ ، والمحاملي في التجريد بأنه ليس له الأرش لأن المشتري قد يرده عليه ويرضى البائع بأخذه ، وكذلك إذا كان ثوبا فقطعه وباعه ثم علم بالعيب .



( فرع ) لو قصر الثوب ثم وقف على عيب فينبني على أن القصارة عين أو أثر ( إن قلنا ) بالأول فهي كالصبغ ( وإن قلنا ) بالثاني رد الثوب بلا شيء ، فهي كالزيادة المتصلة . قال الرافعي رحمه الله : وقطع الزبيري في المقتضب بأن له الرد إذا زادت قيمته بالقصارة ، وليس فيه مخالفة لما قاله الرافعي . ولو لبس الثوب فتغير باللبس امتنع الرد وله الأرش . قال الزبيري أيضا : وهو ظاهر . لو اشترى شاة فذبحها ثم وجد بها عيبا فله الأرش ، فإن رضي البائع بقبولها مذبوحة فلا أرش للمشتري لإمكان الرد ولا أجرة على البائع للذبح إن ردت عليه ; لأن الذبح أثر هو نقص . هكذا قال الماوردي .

آخر إن كان ثوبا فخاطه استحق الأرش ، فإن رضي البائع بقبوله إن بذل الأجرة فله أن يرجع به مخيطا لأن في الخياطة عيبا زائدا . قاله الماوردي .

آخر : لو اشترى عصيرا حلوا فلم يعلم بعيبه حتى صار خمرا فله الأرش ، وليس له رد الخمر واسترجاع ثمنه . سواء أرضي البائع بقبوله أم لا . لتحريم المعاوضة على الخمر ، فلو صار الخمر [ ص: 465 ] خلا فقال البائع : أنا أسترجع الخل وأرد الثمن ولا أدفع الأرش كان له ذلك ; لأن الخل عين العصير ، ولا مانع من المعاوضة ولا للمشتري فيه عمل يفوت عليه . وهذا من تفريع أبي العباس بن سريج . قاله الماوردي والرافعي ، ويحتمل أن يكون ذلك على ما خرجه ابن سريج من وجوب الأرش إذا باع المبيع أو وهبه . أما إذا قلنا بالمذهب وهو أنه لا يجب الأرش في ذلك لعدم اليأس كما سيأتي فالرجوع بالأرش في حالة كونه خمرا ينبغي أن يمتنع الآن لاحتمال أن يعود خلا كما إذا وهبه . ثم قولهم للبائع أن يسترجع الخل ولا يدفع الأرش ، ظاهر ذلك يقتضي أنه ليس للمشتري حينئذ أن يطالبه بالأرش للعلة المذكورة ، ولكن العلة المذكورة وهي أن الخل هو عين العصير يقتضي أن المشتري أيضا إذا طلب الرد له ذلك . وإن امتنع البائع وطلب الأرش ، ويكون ذلك كما لو كان باقيا بحاله ، ولم أجد في النقل ما يوافق ذلك ولا ما يخالفه .

آخر : لو اشترى ذمي من ذمي خمرا ثم أسلما فوجد المشتري بالخمر عيبا ينقص العشر من ثمنه . قال أبو العباس بن سريج : للمشتري الأرش وهو عشر الثمن ولا رد ، ولا يبطل ذلك إسلامهما . وهو قول محمد بن الحسن ، فإن قال البائع : أنا آخذ الخل وأرد الثمن ، فله ذلك . ولو كان المشتري علم العيب قبل إسلامهما فلم يرد حتى أسلما لم يكن للمشتري بعد إسلامه الرد ولا الرجوع بالأرش . أما الرد فلحدوث الإسلام ، وأما الأرش فلإمكان الرد قبل الإسلام ، فلو كان أسلم البائع وحده بعد تبايع الخمر لم يجز للمشتري رده عليه بالعيب . ولو كان المشتري أسلم وحده جاز ; لأن استرجاع البائع تملك للخمر . والمسلم لا يتملك الخمر . ورد المشتري إزالة الملك ، والمشتري يجوز أن يزيل ملكه عن الخمر . قاله الماوردي عن ابن سريج .



( فرع ) اشترى جارية بعبد ، ثم وجد بالجارية عيبا قديما فردها ، ووجد بالعبد عيبا حادثا عند بائع الجارية قال ابن سريج : [ ص: 466 ] يأخذ مشتري الجارية التي ردها العبد معيبا ، وليس له المطالبة لبائع الجارية بأرش العيب الحادث عنده ، أو يأخذ قيمته إن اختار عدم استرداده . قال الإمام : وهكذا نقل عن القاضي حسين ، وليس الأمر كذلك عندنا بل الوجه أن يرد الجارية ويسترد العبد ويطلب أرش العيب الحادث ; لأن العبد مضمون بالقيمة لا بالثمن ; لأنه بعد رد الجارية لو تلف العبد في يد بائع الجارية فصاحب الجارية يرد قيمة العبد . قال الإمام : والذي قاله ابن سريج ليس بعيدا عن الصواب بدليل أن الزوج إذا أصدق زوجته عبدا ثم طلقها قبل المسيس وعاب العبد في يد الزوجة تشطر العبد وعاد نصفه إلى ملك الزوج ، والزوج بالخيار بين أن يرجع بنصف قيمة العبد سليما وبين أن يرضى بنصفه معيبا ، ولا يكلفها ضم أرش العيب إلى نصف العين ، هكذا يمكن أن يقال في مسألة العبد بالجارية ، لكن بين المسألتين فرق ظاهر لا يخفى . حكى الإمام المسألة في آخر الغصب ، ثم أعاد في كتاب الصداق ، وذكر الفرق بين مسألة العبد والجارية وبين مسألة الصداق ، وذكر الغزالي مسألة العبد والجارية في آخر كتاب الغصب ، وجزم القول بأنه إذا استرد العبد معيبا لم يجز له طلب الأرش ، بل عليه أخذه أو أخذ قيمته . ثم أعاد المسألة بعينها في الصداق ، وقال يأخذ العبد معيبا وله طلب الأرش فناقض اختياره في الوسيط .

وقال في البسيط هنا بعد ذكر الحكم في مسألة العبد والجارية ، إنه يأخذ العبد معيبا ويطالب بالأرش . وفي الزوج إذا عاد إليه نصف العبد بالطلاق وهو معيب ، وعليه أن يقنع بالمعيب وفرق بينهما ، قال بعد ذلك : وسمعت الإمام في التدريس يقول : إن من أصحابنا من ذكر وجها في الصداق في مسألة العبد والجارية من مسألة الصداق أن لا يطالب بالأرش والظاهر الفرق ، ولست واثقا بالفعل ، وإني لم أصادفه في مجموعه . قال أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن علي بن محمد ، وهو ابن أبي الدم : قوله " في مجموعه " يريد " نهاية المطلب " وذكر الإمام مسألة العبد والجارية في آخر النهاية [ ص: 467 ] بعد أن فرغ من شرح سواد مختصر المزني ، وذكر بعده مسائل مبددة سردا متنوعة . قال : إنما ذكرتها خوفا من أن أكون أهملتها في مواضعها ، فإن كنت أهملتها فذكرها مفيد ههنا ، وإن كنت ذكرتها لم تضر إعادتها قال : إذا باع عبدا بثوب ففصله صاحب الثوب وقطعه ، فوجد الثاني بالعبد عيبا قديما فله رده . ثم إذا رده حكى الشيخ وجهين ( أحدهما ) يسترد الثوب مقطوعا ويسترد أرش النقص ، وهذا هو القياس ; لأن الثوب لو تلف في يد آخذه ثم رد عليه العبد بالعيب غرم تمام القيمة ، فكذلك يجب أن يغرم أرش النقص ( والوجه الثاني ) أنه إذا رد العبد وصادف الثوب معيبا فهو بالخيار إن شاء رضي بالثوب معيبا واسترده من غير أرش وإن شاء ترك الثوب ورجع بقيمته غير معيب ، فإن اختار أخذ الثوب فلا أرش له ، قال الشيخ : اشتهر من كلام الأصحاب أن المتبايعين إذا تخالفا وكان عاب المعقود عليه في يد أحدهما فإنهما يترادان ، ويرجع على من نقص العوض في يده بأرش النقص عند التفاسخ ، فلا فرق بين هذه المسألة ومسألة العبد والثوب فإن طرد صاحب الوجه الثاني مذهبه في مسائل التخالف كان ذلك خرقا من الإجماع ، وإن سلمه بطل هذا الوجه بالعيب أيضا . وتشبث الشيخ أبو علي بإجراء الخلاف في مسألة التخالف .

هذا كلام الإمام في النهاية ، وقول الشيخ في ذكر الوجهين ، وقوله اشتهر من كلام الأصحاب . هكذا وجدته في النهاية مطلقا . وفيما نقله ابن أبي الدم عن النهاية أنه أبو علي في الموضعين . وقد ذكر القاضي حسين في الفتاوى إذا باع حمارا بفرس فمشتري الفرس أخصاه ، ثم وجد بالحمار عيبا ، قال إن لم ينقص الإخصاء منه شيئا استرده ، ولا شيء ، وإن نقص بعض قيمته رد فرسه وأرش النقص . وفي هذا الكلام مخالفة لما تقدم في صدر هذا الفرع من النقل عن القاضي . وقال القاضي أيضا : لو باعه بفرس وعشرة دنانير وأخصى المشتري الفرس ورد الحمار بعيب ونقصت قيمة الفرس ، استرد الدنانير والفرس وأرش النقص وذكر الرافعي رحمه الله هذا الفرع وقال فيه : إذا رجع النقصان - يعني في الثمن - إلى الصفة كالشلل ونحوه لم يغرم الأرش في أصح الوجهين ، كما لو زاد زيادة متصلة يأخذها [ ص: 468 ] مجانا ، وينبغي أن يحمل كلامه على موافقة ابن سريج في تخير المشتري لا أنه يتحتم عليه أن يأخذ الثمن ناقصا . وذكر النووي في الروضة في آخر مسألة من هذا الباب هذا الفرع من زياداته فقال : قال القفال والصيدلاني وآخرون : لو اشترى ثوبا وقبضه وسلم ثمنه ، ثم وجد بالثوب عيبا قديما فرده فوجد الثمن معيبا ناقص الصفقة بأمر حدث عند البائع يأخذه ناقصا ، ولا شيء له بسبب النقص . وفيه احتمال لإمام الحرمين ذكره في باب تعجيل الزكاة ، وكل ما ذكره فيه مقيد ، غير أنه كان الأولى ذكره مع كلام الرافعي رحمه الله فيه ، فإنه ليس مسألة زائدة عن الرافعي ، وما ذكره من احتمال الإمام هو الوجه الآخر ، قال صاحب التتمة : ولا يمتنع عليه رد الجارية ، سواء أكان العيب الذي بالعبد مثل عيب الجارية أو أكثر ، من جنسه أو من غير جنسه ، كما لو كان العيب يساوي أضعاف ثمنه ، فإن له الرد بالعيب ، وإن كان الضرر في الرد أكثر منه في الإمساك .

( تنبيه ) قوة كلام المصنف تقتضي أن النقص حصل عند المشتري ، ولكنه لم يصرح به هنا كما صرح به في التنبيه بقوله : وقد نقص المبيع عند المشتري ، وهو احتراز عما لو علم العيب قبل القبض وقد نقص ، فإن ذلك لا يمنع الرد ; لأن النقص عند البائع مضمون عليه ، وهذا ظاهر فيما إذا لم يعلم المشتري بالنقص المذكور ، وكذلك لو علم ورضي به ثم علم عيبا آخر ، كما لو اشترى عينا علم بها عيبا ورضي به ، ثم وجد عيبا آخر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث