الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كان المبيع بهيمة فحملت عنده وولدت أو شجرة فأثمرت

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن كان المبيع بهيمة فحملت عنده وولدت أو شجرة فأثمرت عنده رد الأصل وأمسك الولد والثمرة ; لأنه نماء منفصل حدث في ملكه فجاز أن يمسكه ويرد الأصل كغلة العبد ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا هو القسم الثاني أن تكون الفوائد الحاصلة أعيانا متولدة من غير المبيع ، كالولد والثمرة واللبن والصوف الحادث بعد العقد ، وأوراق الفرصاد على أحد الوجهين كما تقدم ، وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب . مذهبنا أنه يمسك الثمار والفوائد الحاصلة ، ويرد الأصل بالعيب إذا لم يكن قد نقص بذلك ، يعني فلا يغيره ، وبه قال أحمد وأبو حنيفة : لا يكون له الرد ويأخذ الأرش . وقال مالك : يرد مع الأصل الزيادة التي هي من جنس الأصل ، وهي الولد ، ولا يرد ما كان من غير جنسه كالثمرة ، بل يرد الأصل وحده ، فوافقنا على الرد وخالفنا في إمساك النتاج ، وأبو حنيفة رحمه الله خالفنا في الرد ، ومعتمدنا في جواز الرد وجود العيب . وفي إمساك الفوائد الحديث ، فإن الخراج يشمل كل ما خرج عينا كان أو منفعة ، وقد ورد في رواية أخرى أن الغلة بالضمان ، والغلة تشمل الثمرة وغيرها والمصنف رحمه الله جعل الدليل في ذلك القياس على غلة العبد التي ورد النص [ ص: 404 ] فيها ، وأبو حنيفة يسلم الحكم فيها قبل القبض ، ومالك رحمه الله يسلم الحكم فيها مطلقا .

ومعتمد المخالفين أمران ( أحدهما ) أن الفسخ رفع للعقد من أصله ، وهذه قاعدة ينبني عليها فروع هذا الفصل . وقد اختلف أصحابنا فيها ، والمذهب الصحيح وبه قال ابن سريج أن الفسخ يرفع العقد من حينه لا من أصله ; لأن العقد لا ينعطف حكمه على ما مضى ، فكذلك الفسخ ، وبدليل أنه لا يسقط به الشفعة ولو انفسخ من الأصل لسقطت ، ولأنه لو باع عبد الجارية فأعتق الجارية ثم رد العبد بالعيب لم يبطل العتق به ، ولو كان فسخا من الأصل لبطل ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الفسخ قبل القبض أو بعده ، وفيه وجهان آخران ( أحدهما ) أنه إن اتفق قبل القبض يرفعه من أصله ; لأن العقد ضعيف بعد ، فإذا فسخ فكأنه لا عقد يخالف ما بعد القبض ، ولا فرق في ذلك كما اقتضاه كلام الإمام بين أن يكون العيب مقارنا للعقد أو حدث قبل القبض ، قال ابن الرفعة : وفي الثاني نظر ، كيف يتقدم على سببه ، ولعل ذلك لأن ما قبل القبض ملحق بما قبل العقد في الضمان وفي ذلك أيضا .

( والثاني ) أنه يرفعه من أصله مطلقا تخريجا من القول بوجوب مهر المثل إذا فسخ النكاح بعيب حدث بعد المنتبش ، وهذا الوجه حكاه الرافعي عن التتمة هكذا ، وهو في التتمة لكن ليس فيها التصريح بقوله مطلقا ، ومراد الرافعي بالإطلاق بالنسبة إلى ما قبل القبض وبعده ( وأما ) بالنسبة إلى العيب المقارن والطارئ فلم يتعرض لذلك ، وفي التتمة توجيه الوجه الذي حكاه بأن سبب الفسخ قارن العقد وهو العيب ، فيستند الحكم إليه ، ويجعل كأنه جمع في العقد بين موجود ومعدوم ، حتى يصير كأن العقد لم يكن . قال ابن الرفعة : وهذا من كلام يقتضي اختصاص هذه الطريقة بالعيب المقارن وفي العيب الحادث ، يعني قبل القبض إذا فسخ به بعد القبض ، ينبغي أن يضاف الفسخ تفريعا عليها إلى وقت حدوث العيب ، لا إلى أصل العقد كما نقله عن بعض الأصحاب في فسخ النكاح . [ ص: 405 ] قلت : ) وهذا جوابه ما قدمه هو من التسوية بين ما قبل القبض وما قبل العقد ، كما اقتضاه كلام الإمام رحمه الله من التسوية بين العيب المقارن والطارئ في جريان الخلاف قبل القبض ، فعلى الطريقة التي حكاها صاحب التتمة يكون كذلك ، ولو ثبت ما أشار إليه ابن الرفعة واقتضاه كلام صاحب التتمة لزم إثبات وجه باستناد الفسخ إلى حالة حدوث العيب ، سواء حصل الفسخ قبل القبض أم بعده ، ولا نعلم من قال به في شيء من الحالتين . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : الرد بالعيب قبل القبض يرفع العقد من أصله وأما بعد القبض فإذا كان بالتراضي فيرفعه من حينه ، وإن كان بحكم الحاكم فيرفعه من أصله ، واستدل أبو حنيفة على أن الفسخ يستند إلى الأصل بأنه لا تجب فيه الشفعة . وأجاب أصحابنا رحمهم الله بأن الإقالة لا تجب فيها الشفعة ومع ذلك لا ترفع العقد من أصله ، وجعلوا الرد في كونه رافعا من حينه مقيسا على الإقالة ، ثم قالوا : لو كان الرد بالعيب يرفع العقد من أصله لأبطل حق الشفيع ، وهو لا يبطله ، فدل على أن الفسخ قطع للعقد من حينه .

( إذا ثبت هذا الأصل ) فنحن نقول بأنه يرفع العقد من حينه ، فلذلك تكون الزيادة الحادثة في ملك المشتري له ، ولا يمنعه ذلك من فسخ العقد كالإقالة ، وأبو حنيفة رحمه الله يقول : لما كان الرد بالعيب يرفع العقد من أصله لأنه جبر له بخلاف الإقالة أوجب ذلك أن يرد النماء الحادث ، لكنا أجمعنا أي نحن وأنتم على أنه لا يلزمه رد النماء ، فدل على أنه لا يجوز الرد ، وأيضا قالوا : لا يجوز رده بدون النماء المنفصل كالمتصل ، ومالك رحمه الله يجري قوله في رد الولد على هذا الأصل ، لكنه يلزمه ذلك في سائر الزوائد ، والثمرة أولى بالرد إذا كانت مؤبرة حين الرد لأنها متصلة ، والولد منفصل ، فلما وافق على عدم ردها لزمه ذلك في النتاج . وأما أبو حنيفة رحمه الله فيلزمه التسوية بين الكسب الحاصل من غير العين والنتاج والثمرة الحاصلة من العين ، وقد فرق بينهما فقال : [ ص: 406 ] يجوز الرد وبقية الأكساب له بعد القبض دون ما قبله كما تقدم ، وقال هنا يمنع الرد ، وذلك تناقض ، بل كان اللائق بأصله أن يسوي بين الجميع ، وأن يجوز الرد ويرد الزوائد كلها .

( الأمر الثاني ) أن الزيادة الحادثة بعد البيع مبيعة تبعا ، لأنه لا سبب للملك فيها إلا سراية الملك من الأصل إليها ، والأصل مبيع ، فيسري حكمه إليها على صفته ، ومع هذا الأصل لا يحتاج في رد الفوائد إلى أن العقد يرتفع من أصله ، بل يرد الفسخ على الولد مع الأصل ، وهذا قول للمالكية ، وبه تتمسك الحنفية أيضا ، ونحن نسلم أن سراية الملك من الأصل إليها والأصل مبيع ، فيسري حكمه إليه . . . حاصلة ، ولكن سراية العقد لا معنى لها ، فإن العقد لا يرجع إلى وصف المحل المعقود عليه إذ لا معنى لكونه معقودا عليه إلا لكونه مقابلا بالثمن بحكم صيغة العقد وهذه المقابلة لم تحصل الزيادة . وعلى هذا الأصل تخرج مسائل الأولاد في الطرد والعكس . أما ولد المرهونة فليس بمرهون عندنا ، فإن التوثق بالمرهون لا يرجع إلى صفة فيه . وولد المرهونة ليس مرهونا بالاتفاق حتى لا يتعدى حق الرجوع إليه ; لأن الرجوع سلطة للمنعم فيما أنعم به ولم ينعم إلا بالأم . والولد متولد من الموهوب يسري إليه ملك الهبة لا عقد الهبة ، وولد الأضحية المعيبة وولد المستولدة كأمهما ; لأن الملك في المستولدة نقص بالاستيلاد ، وصار ذلك وصفا لها والشاة صارت كالمسلمة إلى الله تعالى من وجه ، وكالناقة من وجه ، وهذا راجع لصفتها . وولد المكاتب وولد المدبرة فيهما اختلاف قول ، ومنشؤه التردد في أن نقصان الملك من المكاتبة هل يضاهي النقصان في المستولدة ؟ أم يقال الكتابة حجر لازم كالحجر في المرهون ؟ فتبين بهذا أنه إنما يسري إلى الولد ما كان وصفا للأم ، والخصم يرد ذلك في الرهن والبيع إلى صفة في المحل برغم أن ذلك وصف شرعي كالتضحية والاستيلاد .

فهذا فصل مفيد في هذا المعنى من كلام الغزالي رحمه الله قال : [ ص: 407 ] والنظر في الفرق والجمع في هذه الصورة دقيق ، والطريق فيه ما نبهنا عليه . وإذا تمهد أن الزيادة ليست مبيعة بطل القول برد النتاج والأكساب ، وبطل القول بذلك فيما قبل القبض أيضا ، وبطل منع الرد بسببها بعد القبض ; لأنها إذا لم تكن مبيعة فالبيع هو الأصل ، وقد تمكن من رد ما اشترى كما اشترى ، فليجز له الرد بعيب قديم لم يرض به كما إذا هلكت هذه الزوائد ، ثم على أبي حنيفة رحمه الله في هذا الطريق مزيد إشكال ، فإنه إن كان مبيعا فليرد الأصل معها ، كما قال مالك ، وكما قال أبو حنيفة قبل القبض ، وإن لم يكن مبيعا فامتناع الرد بسببه لا معنى له . وعند هذا قد تم النظر في مذهبنا . هذا كلام الغزالي رحمه الله في المأخذ وقد تكلم الأصحاب في الأولاد في كتاب الرهن وهي ولد المرهونة وأم الولد والمكاتبة والمدبرة والمعتقة بصفة . والأضحية والمدبرة والجانية والضامنة والشاهدة الوديعة والعارية والمستأجرة والمغصوبة والمأخوذة بالسوم ، والموصى بها ، والزكاة ، وإن يسر الله تعالى من الوصول إلى الرهن أذكر تفصيلها هناك إن شاء الله تعالى وله أكمل .



وههنا تنبيهات ( أحدها ) أن الذين قالوا من أصحابنا : إن الرد يرفع العقد من أصله لم نعلم أحدا منهم يقول بامتناع الرد كما يقوله أبو حنيفة ، لا قبل القبض ولا بعده ، وذلك يدل على أحد أمرين إما ضعيف القول المذكور ، وإما أنه لا تلازم بينه وبين امتناع الرد كما تقدم في البحث مع أبي حنيفة ، وفي كلام الإمام والغزالي ما يشعر بالملازمة بينهما فإن كان كذلك فلعل سكوتهم عن طرد القول المذكور يضعفه .

( الثاني ) أن مقتضى القول برفع العقد من أصله ، وإن كان بعد القبض أن يرد الزوائد والأصحاب رحمهم الله حكوا قولين في رد الزوائد إن كان الرد قبل القبض ، وبنوهما على الخلاف في الطريقة المشهورة [ ص: 408 ] أن الفسخ رفع للعقد من أصله أو من حينه ، فعلى الأول يرد وعلى الثاني وهو الصحيح لا يرد ( أما ) إذا كان الرد بعد القبض فلم نعلم أحدا يقول برد الزوائد ، ومقتضى الطريقة التي نقلها صاحب التتمة أن يجرى الخلاف فيها أيضا ، وابن الرفعة اعتذر عن ذلك بأنه لعل من يقول بأنه يرفع العقد من أصله ، وإن أطلقه يريد به ما ذكره الغزالي رحمه الله في كتاب الصداق حيث تكلم في الفرق بين الزيادة المتصلة فيه وفي الصداق وهو أن الرد بالعيب يرفع العقد من أصله بالإضافة إلى حينه ثم اعترض على نفسه بأن مثل هذا يجوز أن يقال في الرد قبل القبض ، ولم يقولوا به بل جزموا على القول بأنه يرفع العقد من أصله بأن الزوائد للبائع وأجاب بأن الذي أحوجهم إليه بعد القبض استقرار العقد والاستقرار معقود قبله .

( الثالث ) أن كلام المصنف رحمه الله جازم بعدم رد الولد والثمرة من غير تفصيل ، وهو كذلك فيما إذا كان الرد بعد القبض ، أما قبل القبض ففيه الخلاف كما تقدم ، ولكن طريقة العراقيين كما جزم به المصنف رحمه الله من القطع بعدم رد الزوائد ، وأن الرد فسخ للعقد من حينه لا من أصله ، وإنما الخلاف في طريقة غيرهم ، والأصح عند غيرهم أيضا كما جزموا به .

( الرابع ) قد علمت أنه لا خلاف أن الرد إذا وجد بعد القبض لا يرد معه الزوائد ولا فرق في ذلك بين الزوائد التي حصلت بعد القبض والتي حصلت قبله بلا خلاف وإنما محل الخلاف في الزوائد قبل القبض إذا كان الرد قبل القبض وقد وقع في الوجيز ما يوهم خلاف ذلك ، فإنه قال : يسلم الزوائد للمشتري إن حصلت بعد القبض وكذلك لو حصلت قبله على أقيس الوجهين ، وحملوا ذلك على أنه طغيان قلم بزيادة التاء ، ويكون المراد حصل أي الرد ويستقيم الكلام .

( الخامس ) في عبارة كثير من الفقهاء ومنهم الرافعي أن الفسخ رفع للعقد من حينه ، وقيل : من أصله ، وفي عبارة آخرين منهم القاضي حسين والإمام أن الرد قطع للعقد من حينه ، ولا يستند [ ص: 409 ] ارتفاع العقد إلى ما تقدم ، وفي عبارة الماوردي شيء منه ، ويعرض في ذلك بحثان . ( أحدهما ) هل الرفع من حينه والقطع بمعنى واحد أو لا ؟ .

( والثاني ) أن الرفع من أصله هل معناه تبين عدم العقد أو الملك أم لا ؟ ( والجواب ) أما الأول فالرفع والقطع ليسا بمعنى واحد ، فإن القطع صادق على قطع النكاح بالطلاق وقطع الملك بالبيع ، وكثير من أسباب الانتقالات ، ولا يسمى شيء من ذلك رفعا ، والرفع من حينه يسمى قطعا لأنه انقطع به الملك حقيقة ، فالرفع من حينه أخص من القطع فكل رفع من حينه قطع وليس كل قطع رفعا . ولذلك وقع كلام الإمام والماوردي رحمهم الله تسميته بالقطع . والسر في الفرق بين الرفع والقطع الذي ليس برفع أن الرفع معناه إبطال أثر العقد المتقدم ، واستصحاب ما كان قبله حتى إن الملك العائد بعد الفسخ من آثار السبب المتقدم على العقد السابق ، وليس ملكا جديدا بالفسخ بخلاف البيع وسائر أسباب الانتقالات ، فإنها مقتضية ملكا جديدا هو من آثار هذه الأسباب وليس أثر السبب سابقا ولا أبطل العقد المتقدم على هذا انتقال ، بل هذا الانتقال بالبيع هو من آثار الشراء السابق فافهم ذلك . فإن الإنسان إذا اشترى عينا فكل تصرف يصدر منه فيها ببيع أو غيره هو مستفاد من شرائه ( وأما ) الفسخ فإنه لشرائه وإبطال له .

( وأما الثاني ) وهو أن الفسخ من الأصل . هل معناه تبين عدم الملك ؟ فهذا هو المتبادر إلى الفهم لا بمعنى أنا نتبين أن العقد لم يوجد فإن العقد موجود حسا بمعنى أنه يتبين ارتفاع أثره ، وأن الملك لم يحصل وهذا بهذا التأويل في نهاية الإشكال . فإن السبب الرافع للعقد هو الفسخ ، فكيف يتقدم المسبب على سببه ؟ ولا يخلص من ذلك أن نقول : إنه بطريق التبيين ; لأنه يلزم أن يكون العقد الصحيح قد وجد مستجمعا لشرائطه ولم يترتب أثره عليه ، ولا يقال : إن من شرطه عدم طريان الفسخ عليه ; لأن ذلك أمر لا غاية له ولا يرتبط [ ص: 410 ] الحكم به ، ولا يشك أن الملك حاصل الآن إذا جمعت شروطه ، ولا يوقف الأمر في ذلك على أمر مستقبل ولو كان الأمر على ذلك وإنما يتبين عدم الملك لكان ينبغي أن يجب رد أجرة الاستخدام وسكنى الدار وركوب الدابة ، بل كان يلزم أن يجب على المشتري أجرة ملك المدة التي أقام المبيع تحت يده ، سواء فوتها أم فاتت بنفسها ، إلا أن يقال إن ذلك مأذون فيه وقد أباحه له البائع . لكنا نقول : إنه إنما أباحه وأذن فيه بمقتضى العقد هذا ، والعقد هو المتضمن للإباحة فإذا ارتفع ارتفعت ، وكان يلزم أن يتبين بطلان الهبة التي وهبت له إذا اشترطا إذن السيد في القبول ; لأنه لم يأذن ، وأن يكون المهر إذا وطئت بالشبهة باقيا في ذمة الواطئ وأما قبضه المشترى منه لم يقع الموقع لعدم ملكه وأن يكون ما أخذه المشتري من صيد وحطب وحشيش واستهلكه يجب عليه قيمته للبائع ، وقد تقدم من كلام الغزالي عن الحنفية ما يقتضي أن الزوائد الهالكة لا تمنع من الرد ، وأن امتناع بقاء الولد على ملك المشتري بعد الرد لأنه يصير مبيعا بغير عوض .

وهذا يفهم أن المحذور من القول بقاء الولد على ملك المشتري أنه يصير ملكا لا سبب له ، على القول بارتفاع العقد من أصله ، وهو يفيد أن المقصود بارتفاع العقد من أصله ليس هو بطريق السهل ، بل كما قاله الغزالي رحمه الله في كتاب الصداق ، أو أنه يرتفع من أصله بالإضافة أو إلى حينه ، أي في هذا الوقت بحكم ارتفاع جملة آثار العقد ، ومن جملة آثاره ملك النتاج والكسب الموجود ، فيرتفع الملك فيها على هذا القول ويعود إلى البائع . فيرجع حاصل القول بأنه يرتفع من أصله إلى أن المراد ارتفاع جملة آثاره من الآن ، والمراد بارتفاعه من حيث إنه لا ترتفع آثاره وإنما يرتفع الملك في المبيع فقط ، وهذا تفسير لا يسبق الذهن إليه ، فإن ثبت أن الزوائد الهالكة غير مضمونة ، وأن قبوله الهبة وتصرفه بإذن المشتري صحيح ، وقبض المشتري لمهر الشبهة صحيح ، وجب الحمل على هذا المعنى ، وحينئذ لا يشكل عليه عدم وجوب أجرة الاستخدام والسكنى والركوب ، ولم أجد الأصحاب صرحوا في هذه المسائل بشيء ، بل [ ص: 411 ] كلامهم يقتضي كالصريح أنه لا يجب أجرة الاستخدام ونحوها ، وإنما الخلاف في الأكساب والأعيان الحادثة من نفس المبيع . وأما الحنفية فعندهم الاكتساب والصيد لا يملك بملك الأصل ، بل باليد ، فلا يمنع الرد عندهم ، وكذلك أجرة الاستخدام ونحوها لا تجب على أصلهم ، ولكن إن وافقونا على عدم لزوم قيمة الولد الهالك ، والمسائل المتقدمة احتاجوا إلى الحمل على المعنى المذكور كما احتجنا إليه . ونحن إليه أحوج لأجل عدم لزوم أجرة المدة الماضية ولا تمنع الزيادة الرد عند أبي حنيفة رحمه الله إلا إذا كانت حادثة من نفس المبيع . وقال زفر : يجب رد مهر الشبهة الذي قبضه المشتري معها .

( السادس ) أن مقتضى قوله الخراج بالضمان تبعية الخراج للضمان ، فينبغي أن تكون الزوائد قبل القبض للبائع ثم العقد أو الفسخ ، والأول لم يقل به أحد ، والثاني لم يقل به إلا على وجه ضعيف في بعض الصور ، وهي ما إذا حصل الرد قبل القبض ، فما وجه تعطيل دلالة الحديث في ذلك ، والعمل بها فيما بعد القبض للمشتري ؟ والجواب أن محل الحكم الذي ورد فيه النص إنما كان بعد القبض إذا حصل فسخ على ما تقدم من ألفاظ الأحاديث ، لا سيما قوله : قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان . فيكون الخراج معللا بالضمان في الملك . وذلك مفقود في البائع وفيما قبل القبض .

( فإن قلت : ) المحل لا تأثير له ، والعلة التي ذكرها الشارع الضمان ، فيجب أن يدور الحكم معها وجودا وعدما ، فيكون الخراج قبل القبض للمشتري فيه نقض للعلة في جانب البائع ، ووجود الحكم بدونها في جانب المشتري .

( قلت : ) قال الغزالي رحمه الله : ذكر هذه العلة فيما بعد القبض لقطع استبعاد السائل كون الخراج للمشتري وقبل القبض معلل بعلة أخرى ، وهو أن الزوائد حدثت في ملكه ، والحكم قد يعلل بعلتين يعني فاقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على التعليل بالضمان لكونه [ ص: 412 ] أظهر عند البائع وأقطع لطلبه ، فإن الغنم في مقابلة الغرم ، وإن كانت العلة الأخرى وهي الملك حاصلة ، ولكن نفس البائع تنقاد للأولى أكثر ، والله أعلم .

( السابع ) أن الخلاف المذكور في رفع العقد من أصله أو من حينه ، هل هو خاص بالرد بالعيب ؟ أو عام في سائر الفسوخ ؟ حتى يجرى في الإقالة والفسخ بالتخالف ، والفسخ بخيار المجلس ، والشرط والانفساخ بتلف المبيع قبل القبض ؟ .

( والجواب ) أن المشهور في هذا الخلاف المذكور هنا اختصاصه بالرد بالعيب وأنه لا يجرى في الإقالة ، ولذلك يقيسون الرد بالعيب على الإقالة في كونها رفعا للعقد من حينه ، والرافعي رحمه الله أطلق القول هنا بأن الفسخ رفع للعقد من أصله أو من حينه ، والأقرب أن مراده الفسخ الذي الكلام فيه ، وهو الرد بالعيب وقد ذكر في باب حكم المبيع قبل القبض وبعده وجهين في الانفساخ بتلف المبيع قبل القبض ( أصحهما ) أنه من حينه كالرد بالعيب ، والزوائد مخرجة على الوجهين قال : وطردهما طاردون في الإقالة إذا جعلناها فسخا وخرجوا عليهما الزوائد .

( قلت : ) وذلك وإن أطلقوه فلعل محله قبل القبض كما هنا في الرد بالعيب ، فإن الإقالة قبل القبض جائزة على القول بأنها فسخ ، ونقل القاضي حسين الخلاف في تلف المبيع قبل القبض ، وحمل الوجهين في الرد بالعيب مبني عليها ، وعلى تلف المبيع في يد المشتري في زمن الخيار ( وإن قلنا ) ينفسخ ارتفع ههنا ، وإلا فالولد هنا للمشتري ، وأما التخالف فمقتضى كلام صاحب التتمة في باب التخالف جريان الخلاف فيه أيضا ، فإن خرج اعتبار القيمة عليه إذا جرى التخالف بعد الهلاك وهو جار على طريقته في طرد الخلاف بعد التقابض ، فإن فرض التخالف كذلك ولذلك لا ترد الزوائد جزما كما لا ترد ههنا بعد القبض .

( وإن قلنا : ) إنه يرتفع العقد من أصله لكن القول بالانفساخ من أصله بالتخالف مفرع على أنه ينفسخ بنفس التخالف كما هو في [ ص: 413 ] التتمة والنهاية ، ولم يتعرضوا له على القول بإنشاء الفسخ ، والقياس جريانه . وأما خيار المجلس والشرط فقد ذكر في بابه أنه إذا فسخ وقلنا : الملك للمشتري فالأصح أن الأكساب تبقى له وذلك يدل على أن الأصح فيها أيضا أنه من حينه . والقول الآخر بأنه من أصله يجرى فيه بغير إشكال ، بل هو أولى بذلك ، فقد ظهر بذلك أن الخلاف في الجميع وأن الأصح فيها كلها أنه من حينه ، لكنها ليست في رتبة واحدة وأولاها بجريان الخلاف فيه زمان الخيار لأن العقد لم يلزم وأبعدها الإقالة ; لأنها في حكم أمر جديد وليست جبرا للعقد الأول . وبقي من المسائل انفساخ عقد الصرف بالتفريق قبل التقابض هل نقول انفسخ من أصله ؟ لأن التقابض شرط أو نقول حكمه حكم تلف المبيع قبل القبض ؟ على أنه لا فائدة لإجراء الخلاف فيه ، نعم عقد السلم إذا كان رأس المال جارية مثلا وكانت معيبة وحبلت في المجلس وولدت ثم ماتت قبل أن يقبضها المسلم إليه ، فهل نقول إنه فسخ من حينه حتى يسلم الولد المسلم إليه ؟ أو من أصله حتى يرجع إلى البائع قطعا ؟ والأشبه جريان الخلاف فيه وأن يكون كتلف المبيع قبل القبض ، فإن الشافعي رحمه الله استنبط انفساخ العقد بتلف المبيع قبل قبضه من عقد الصرف ، إذا تفرقا ولم يتقابضا ، كما تقدم ذلك في باب الربا .

( الثامن ) : أن الطريقة المشهورة هنا الجزم بعدم جريان الخلاف فيما بعد القبض بل يكون بعد القبض رفعا من حينه قطعا ، خلافا لما قاله صاحب التتمة وقد حكى الإمام وغيره من الجازمين فيما إذا رد المسلم فيه العيب . وكان عبدا استكسبه . أنه هل يجب رد الكسب والغلة ؟ على قولين : فالقول بأنه يرد الكسب معه فمقتضاه ارتفاع الملك فيه من أصله وهو بعد القبض فإن قيل على الطريقة الضعيفة بارتفاعه من الأصل . والخلاف في السلم مشهور . وقد تقدم له ذكر في باب الربا . ( والجواب ) أن الخلاف المذكور في السلم مأخذه أمر آخر . وهو أن الملك على أحد القولين في المسلم فيه المشروط بالرضا أو بعد [ ص: 414 ] الرد ، فإذا رد تبينا أن الملك لم يحصل أصلا . فهذا هو القائل برد الأكساب ، والقول المقابل له أن الملك بالقبض . ثم انتقض بالرد . فعلى هذا ينبغي أن يكون كرد المبيع بالعيب بعد القبض لا يرد الأكساب . وهو رفع للملك من حينه على الطريقة المشهورة ويجيء فيه طريقة صاحب التتمة مع القول بعدم رد الكسب . فافهم ترتيب هذا التفريع فإنه من محاسن الكلام . وقد ذكر ابن أبي الدم أن الإمام والغزالي ذكرا وجهين فيما إذا رد المسلم بعيب . هل هو رفع للعقد من حينه أو من أصله ؟ ومراد ابن أبي الدم الخلاف الذي قدمته ، والتحقيق ما نبهت عليه ولولا ذلك لاقتضى إشكالا على الإمام ومن وافقه ممن قطع هنا بعد القبض بأنه من حينه ، واقتضى إشكالا على جميع الأصحاب في قطعهم هنا بأن الأكساب بعد القبض لا ترجع ، والله أعلم .

( التاسع ) الزيادات التي وقع الكلام فيها مشروطة بأمور : ( أحدها ) أن لا يكون حصل بسببها نقص وقد تقدم التنبيه عليه ( الثاني ) أن تكون حادثة بعد العقد ولزومه ، فلو كانت موجودة كالحمل المقارن للعقد فسيأتي في كلام المصنف في بقية الفصل إن شاء الله تعالى ( والثالثة ) أن تكون انفصلت قبل الرد ، كالولد والصوف المجزوز واللبن المحلوب . أو صارت في حكم المنفصل كالثمرة إذا أبرت ، أما لو لم تكن كذلك ، كما إذا ردها وهي حامل بحمل حدث بعد القبض ، حيث نقول : إن الحمل ليس بعيب ، أو رد الشجرة وقد أطلعت طلعا غير مؤبر أو الشاة وقد اشتراها ولا صوف عليها وهي مستفرغة الصوف . حدث عليها صوف لم يجز ، أو حدث في ضرعها لبن ولم يحلب فما حكمه ؟ . أما مسألة الحمل فنقل الإمام فيها قولين كالفلس ، وجزم القاضي حسين رحمه الله هنا بردها لذلك ، ولا يسلم له الحمل إن كانت علقت في ملكه ; لأنه لا يمكن إفراده بالبيع فهو كالثمن ، وعلى ذلك ينزل كلام المصنف رحمه الله لقوله : فحبلت عنده وولدت فجعل الولادة شرطا . وقال القاضي أبو حامد : إنه أولى القولين ، وقال القاضي [ ص: 415 ] وجماعة من الأصحاب : إن قلنا يأخذ قسطا بقي للمشتري ويأخذه إذا انفصل على الصحيح ، وفي وجه أنه للبائع لاتصاله عند الرد .

( وإن قلنا : ) لا يأخذ فهو للبائع ، وما ذكره القاضي حسين وأبو حامد موافق لما قاله الرافعي رحمه الله في باب الفلس أن الأكثرين رجحوه في رجوع غريم الفلس ، وما ذكره الرافعي هنا موافق للطريقة المشهورة هناك التي ذكرها المصنف وغيره من البناء على أن الحمل يقابله قسط أو لا ، لكن الرافعي رحمه الله مع ذلك عدل عن ذلك المأخذ لأجل تصحيح الأكثرين بتبعية الحمل إلى الرجوع ، فيلزمه أن يقول هنا بالتبعية أيضا كما قاله القاضي أو يفرق بين المسألتين : مسألة الفلس ومسألة الرد بالعيب . وأيضا فإنه رجح في الفلس تبعية الثمرة والحمل ، وجعلهما سواء ، وإن كانت الثمرة أولى بالاستقلال لأجل أنهما تابعان في البيع متتبعان في الفسخ ، وهذا المعنى بعينه موجود في الرد بالعيب . ولو صح النظر إلى المقابلة بالقسط لزم أن لا يتعدى الرجوع في الفلس إلى الثمرة ; لأنها مقابلة بالقسط قطعا على الطريقة الصحيحة المشهورة المنصوص عليها ، فدعوى الرافعي أن الأصح هنا أن الحمل يبقى للمشتري ، يحتاج إلى جواب عن ذلك ، وقد صحح الرافعي هنا أن الثمرة في أخذها قسطا على قولين كالحمل ، ومقتضاه أن يكون الأصح عنده أنها تبقى للمشتري أيضا قبل التأبير ، وأطلق بعضهم أن الحمل نقص ; لأنه في الجارية يقل النشاط والجمال ، وفي البهيمة ينقص اللحم ويخل بالحمل والركوب . ( فإذا قلنا ) هذا أو لم نقل به ، ولكن حصل بالحمل نقص رجع بالأرش ، قال القاضي أبو حامد : وهل للمشتري إمساكها حتى تضع ويردها إن لم يكن تنقصها الولادة ؟ نقله ابن الصباغ ، وإذا جوزنا له الرد فحبسها حتى تضع - فإن قلنا : الحمل للمشتري - لم يمنعه ذلك من الرد بالعيب ; لأنه حبسها لأخذ ملكه منها ( وإن قلنا ) إن الحمل للبائع منعه ذلك من الرد .

قاله القاضي الماوردي رحمه الله [ ص: 416 ] وأما الجارية فإن كلامه يقتضي أنه يجوز له إمساكها حتى تضع وردها في الحال فإنه إن ردها وهي حامل كان الحمل للبائع ; لأن المشتري اختار ترك حقه فليس له استثناؤه ، فرق : الجري بين ذلك وبين ما إذا أوصى له بالحمل ثم اشترى الأم فوجد بها عيبا فردها ، لم يكن الحمل مردودا معها ; لأن الحمل في هذه الحالة لا يتبع ، وممن بنى الحمل على القولين في المقابلة الماوردي ، والأصح عنده كما قال الرافعي . وحكى مع ذلك وجها على قولنا : أنه يقابله قسط من الثمن أنه للبائع لاتصاله بالأم عند الرد ، هذا حكم الحمل .



وأما الثمرة التي لم تؤبر ففيها وجهان : ( أحدهما ) يردها مع الأصل ولا يمسك ( والثاني ) يمسكها أو يرد الأصل ، والفرق بينها وبين الحمل على هذا القول جواز إفرادها بالبيع على أحد الوجهين ، ولم يصحح الرافعي رحمه الله من هذين الوجهين شيئا ، وقد تقدم ما اقتضاه تخريجه للثمرة على الحمل فالبحث معه فيهما ، والذي يتجه هنا أن يكون الأصح الأول ، وهو أن يردها مع الأصل قال القاضي حسين رحمه الله : والأصح الأول ; لأنه الأظهر الذي نقله المزني في رجوع البائع في عين ماله إذا أفلس المشتري وعليها ثمرة غير مؤبرة ، وهو الأصح عند الروياني والرافعي رحمهما الله ، فليكن هنا كذلك ، ولعل المصنف رحمه الله اختار الوجه الثاني ، ولذلك قال : فأثمرت ، ولم يقيد بقطع ولا تأبير ، وفي الفلس حكى القولين من غير ترجيح . وأما اللبن الحادث في الضرع أو الصوف الذي حدث بجزئيهما للمشتري ، وذكر القاضي هذه المسائل الأربع في تعليقه مفرقة في موضعين . وقال المتولي والبغوي والرافعي رحمهم الله : إنه يرد الصوف تبعا وهو مقتضى ما قال القاضي حسين في الفتاوى وفي كل من الكلامين نظر ، والصحيح ما سأذكره في آخر الكلام إن شاء الله تعالى .

( واعلم ) أن الحمل يندرج في المعارضة قولا واحدا ، وفيما عداها من العقود والفسوخ قولان ( فالأظهر ) في الرهن الاندراج بناء على أن له قسطا ، وفي الهبة كلام الرافعي يقتضي الجزم بالاندراج ، [ ص: 417 ] والإمام قال : إن الجديد عدمه ، وفي الرجوع في الهبة بناه الرافعي على المقابلة ، كما فعل بها في الرد بالعيب فيقتضي أن الأصح عدم الاندراج ، فالرافعي رحمه الله سلك طريقة البناء في المواضع كلها إلا في الفلس ، لما وجد ميل الأكثرين ، ونص الشافعي رحمه الله فيه إلى خلافها والقاضي حسين جرى في الرد بالعيب والفلس على قاعدة واحدة لكنه سلك طريقة البناء في اندراج الحمل في الرهن ، وهذه أمور مضطربة . فالإمام رحمه الله أجرى القولين في جميع ذلك جريانه في الرهن بطريق الأولى لكونه لا ينقل الملك ، وهو يشكل على القاضي حسين رحمه الله ، والذي يظهر في ذلك أحد أمرين ( إما ) أن نقول : إن عهد المعاوضة لا يستتبع الحمل لفوته وفسخه لذلك ، وعلى هذا يستمر نصه المنقول في الفلس على الاستتباع في الرجوع ( والجديد ) الذي نقله الإمام في الهبة وعلى مقتضاه يكون الأصح الاستتباع في الرهن ( وإما ) أن نقول : بأن الحمل يتبع المواضع كلها لكونه جزءا أو لا ، وأما الصوف واللبن فالأقرب أنهما كالحمل فيندرجان ; لأنهما جزءان وإن كان يمكن فصلهما الآن ، لعدم صحة إفرادهما بالبيع ، وإنما لم يدخلا في الرهن على الصحيح لاقتضاء العرف جز المرهون وحلبه .

نعم إذا جز الصوف أو حلب اللبن في مدة طلب البائع للرد ، بحيث لم يحصل تأخير ولا تعيب ، فإنه حينئذ لا يصادف الرد ، فلا تتبع تفريعا على جواز ذلك وأنه لا يبطل الرد كما تقدم عن المصنف رحمه الله وقال القاضي حسين : إن جز الصوف ثم ردها بطل خياره لاشتغاله بالجز بعد ما علم بالعيب ، وهذا على رواية في أنه يشترط المبادرة إلى التلفظ بالفسخ ، أما على المذهب فلا يتجه ذلك . وقال القاضي حسين رحمه الله أيضا : إن ردها مع الصوف يجبر البائع على القبول وهذا يتجه على الصحيح في أن الصوف تابع ، أما على رأيه في أن الصوف يبقى للمشتري ، فإجبار البائع على القبول إذا ردها مع الصوف ينبغي أن يكون ، كما في رد البهيمة مع النعل إن كان الجز غير معيب لها ، فإذا لم يجز لم يجب على البائع القبول [ ص: 418 ] كما في نظيره في النعل وإن كان معيبا لها فيصح القول بالإجبار ، ولكن ينبغي أن يأتي فيه الخلاف في أن ذلك تمليك أو أعراض والأشبه في مسألة النعل الثاني فليكن هنا كذلك حتى إذا جز بعد ذلك من غير زيادة كان للمشتري . وأما قول الرافعي رحمه الله : إنه يرد الصوف ، وأما الثمرة غير المؤبرة فهي أولى من الحمل بعدم الاندراج ; لأنه يجوز إفرادها بالبيع على أحد الوجهين . وفيها طريقة قاطعة لأنها مقابلة بقسط من الثمن ، لكن الأصح فيها الاندراج أيضا لما تقدم ، وقد تقدم في باب بيع الأصول والثمار من كلام الإمام أحمد من هذه المسائل متعلقة بهذا الكلام في التأبير ، فإن أراد أنه إذا رد لا يبقى الصوف له فصحيح على ما قدمته ، وكذلك قال صاحب التتمة ، لكن يشكل على الرافعي في قوله : إن الحمل يبقى للمشتري فإن الحمل من جهة كونه أولى بالتبعية ، وكذلك الأصح عند الرافعي دخوله في الرهن وعدم دخول الصوف ، وإن أراد أنه يجب عليه رده ولا يجوز جزه - وفيه نظر مأخوذ من جواز الحلب والركوب في طريق الرد - فقد تقدم من المصنف رحمه الله جوازه ، ومن الرافعي منعه ، وتبين الراجح منهما ، ولم يذكر الرافعي رحمه الله مسألة اللبن ، وهل تتبع في الرد أو لا وهو من جهة الاستئجار كالحمل ، ومن جهة قرب التناول كالصوف ، وكيفما كان فالأصح التبعية .

وعلى رأي الرافعي ينبغي أن يكون الأصح عدم التبعية ; لأنه يقابل بقسط من الثمن فهو كالحمل .



( فرع ) من تتمة الكلام في الحمل ، جزم الجوري بأن الحمل يكون للبائع إذا ردت عليه بالعيب ، سواء أكان حدوث الحمل عند البائع أم عند المشتري مع القول بأن الحمل له قسط من الثمن ، قال : لأنها إذا حملت عند المشتري له أن يمسكها حتى تلد ثم يردها ، فإذا اختار ردها حاملا فكأنه اختار ترك حقه ، فليس له استثناء الولد ، ثم اعترض بالجارية الموصى بحملها إذا بيعت من الموصى له بالحمل وردها بعيب ، لم يكن الولد مردودا . وأجاب أن حكم الولد حكم الأم ما لم يعقد على الولد عقدا أو وصية أو هبة . [ ص: 419 ] فرع ) لو اشتراها وعليها صوف وفي ضرعها لبن فطال الصوف وكثر اللبن ، ثم ردها بعيب قبل الجز والحلب ، وقلنا بأن الصوف تابع في الرد ، فلا إشكال ( وإن قلنا ) بما قاله القاضي حسين في تعليقه من أن الصوف واللبن الحادثين للمشتري فمقتضى ذلك أن يصير ذلك مشتركا بينهما ، فإن اتفقا فذاك ، وإلا فصلت الخصومة بطريقهما ، لكن الذي في فتاويه كما سيحكيه خلاف ذلك ولو جز الصوف ثم أراد الرد بالعيب وكان اشتراها ولا صوف عليها فلا إشكال في جواز الرد ، وبقاء الصوف له على ما مر ، ولو كان عليها صوف حين الشراء فجزه وهو على حاله ، ثم أراد الرد بعيب ، رد الصوف المجزوز ، قاله الماوردي والقاضي حسين والرافعي وغيرهم . وقال الشيخ أبو حامد في آخر باب بيع المصراة : أنه إذا كان يمكنه التوصل إلى معرفة العيب من غير جز الصوف امتنع عليه الرد .

وإن جزه ثانيا فالمجزوز ثانيا له مختص به ، فإن لم يجزه حتى رد فحكمه ما تقدم فيما إذا لم يكن عليها صوف حين العقد ثم حدث وفي هذه الصورة صرح بها القاضي حسين في الفتاوى بأنه يرده وفرق بينه وبين القث والكراث كما سيأتي عن صاحب التهذيب وهو في ظاهره مخالف لما حكيته عن تعليقه إلا أن تكون المسألة التي في الفتاوى من كلام جامعها وهو صاحب التهذيب ، وإن جز الصوف الذي كان عليه بعد أن طال ثم اطلع على عيب فيزداد هنا أنه يصير بينهما شركة في الصوف وقد يحصل نزاع في مقدار ما لكل منهما وذلك عيب مانع من الرد ، ولم أر في هذه المسألة نقلا . وأما مسألة اللبن إذا كان منه شيء موجود عند العقد فيلتفت إلى أنه : هل يرد الثمن في غير المصراة ؟ وقد تقدم ذلك في آخر الكلام في التصرية ولو اشترى أرضا وبها أصول الكراث ونحوه وأدخلناها في البيع فنبتت في يد المشتري ثم علم بها عيبا يردها ويبقى النابت للمشتري ، هكذا قال البغوي والرافعي رحمهما الله وفرق بينهما وبين الصوف بأنها ليست جزء الأرض ; ألا ترى أن الظاهر منها في ابتداء البيع لا يدخل فيه وهذا الفرق في فتاوى القاضي أيضا كما تقدم .

[ ص: 420 ] فرع آخر ) إذا قلنا الزيادة تسلم للمشتري كما جزم به المصنف رحمه الله فليس للبائع حبس ما حدث في يده بعد العقد وقبل القبض من الزوائد لأجل الثمن في صورة غير الفسخ . ( وإن قلنا ) بأنها ترجع بالفسخ إلى البائع . قال الغزالي : له حبسها إلى استيفاء الثمن ، والإمام أطلق عن بعض الأصحاب الوجهين في جواز حبسها من غير بناء ثم قال : إن ذلك ليس على حكم حبس المبيع بالثمن وإنما ينقدح الاختلاف فيه قبل تعرض العقد للانفساخ والغزالي رحمه الله لاحظ ذلك فعلل بأنه يتوقع التعلق بها لكنه قال مع ذلك : إنه يحبسها للثمن . قال ابن الرفعة : ولعل الغزالي رحمه الله قال : له حبسها لا للثمن ، قلت : أو يقال بأنه لما توقع عودها إليه صارت كالأصل فيجري حكمه عليها في الحبس بالثمرة ما دام الأصل نصفه يستحق حبسه فلو زال ذلك بأن سلم المشتري الثمن أو بتبرع البائع بتسليم المبيع يسقط حق الزوائد لسقوط حبس أصلها ، وأما مجرد توقع عودها إليه فكيف يقتضي جواز حبسها ولا تنافي بين كلام الإمام وكلام الغزالي . وقول الإمام ليس على حكم حبس المبيع بالثمن لعل مراده لكونه ليس مقابلا به . وقال القاضي حسين : لو اشترى حاملا فمخضت في يد البائع فلا خلاف في أنه ليس له حبس الولد لاستيفاء الثمن ، ولم يحك الخلاف الذي ذكره الإمام والغزالي ولا شك أنه لو تلف الولد الحادث قبل القبض لا يسقط بتلفه شيء من الثمن قطعا وليس كالولد الذي كان حملا عند العقد ، فإن ذلك على قول ، وهو الصحيح قابله قسط من الثمن ، وهل يكون مثله في جواز بيعه قبل القبض أو لا ؟ فيه نظر .

والأقرب أنه مثله ، وهل نقول في الحادث : إنه يجب على البائع تسليمه أو التمكين منه ؟ في كلام القاضي أبي الطيب في احتجاج الحنفية أنه دخل في حق التسليم ؟ وأجاب بأنه لم يدخل في حق التسليم المستحق بالمبيع ، وإنما يجب تسليمه إليه بحق المال وظاهر هذه العبارة يقتضي وجوب التسليم والأقرب أن المراد التمكين . وقد صرح البغوي رحمه الله بأنه أمانة في يده ، ويحتمل أن يكون كالأمانات الشرعية حتى إذا هلك قبل التمكن من رده لا يضمنه وإلا ضمنه إن لم يقل له حق الحبس . [ ص: 421 ] فرع آخر ) عن المزني في مسائله المنشورة : اشترى غنما بعشرة أقساط من لبن موصوف إلى أمد فلم يتقابضا حتى حلب البائع منها عشرة أقساط لبن ثم ماتت الغنم يبطل البيع ويسقط الثمن من ذمة المشتري ويأخذ من البائع ما حلب من اللبن . قال الماوردي : وهذا صحيح لأن تلف المبيع قبل القبض يبطل البيع ولا يمنع من ملك النماء . ( قلت ) وهذا على قولنا بأنه يرفع العقد من حينه ، وهو الذي جزم به العراقيون . أما إذا قلنا تلف المبيع قبل القبض يرفع البيع من أصله وأن الزوائد ترجع إلى البائع فلا يأخذ المشتري من البائع شيئا ، وإنما ذكر المصنف هنا حمل البهيمة ; لأن حمل الجارية سنذكره بعد ذلك والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث