الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أراد رد المصراة بعد الحلب واللبن باق

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن كان ما حلب من اللبن باقيا فأراد رده ففيه وجهان ، قال أبو إسحاق : لا يجبر البائع على أخذه ; لأنه صار بالحلب ناقصا ; لأنه يسرع إليه التغير فلا يجبر على أخذه ، ومن أصحابنا من قال : يجبر ; لأن نقصانه حصل لمعنى يستعلم به العيب فلم يمنع الرد ، [ ص: 266 ] ولأنه لو لم يجز رده لنقصانه بالحلب لم يجز إفراد الشاة بالرد ; لأنه إفراد بعض المعقود عليه بالرد ، فلما جاز ذلك ههنا - وإن لم يجز في سائر المواضع - جاز رد اللبن ههنا مع نقصانه بالحلب ، وإن لم يجز في سائر المواضع ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذه الحالة الرابعة من أحوال رد المصراة ، وهي إذا أراد ردها بعد الحلب واللبن باق ، وهذا على قسمين ( أحدهما ) أن يكون قد حمض وتغير فلا خلاف أن البائع لا يكلف أخذه ( والثاني ) أن لا يكون كذلك وهي صورة الكتاب ففيها وجهان ( أصحهما ) وهو قول أبي إسحاق أنه لا يجب على البائع أخذه لما ذكره المصنف رحمه الله وفيه تنبيه على أنه ليس من شرط المسألة أن يأتي عليه زمان ، بل لو كان عقب الحلب لم يجب أخذه ; لأنه صار يسرع إليه التغيير فنقص عما كان في الضرع ، وقول المصنف رحمه الله بعد ذلك : فلا يجبر على أخذه تأكيد ; لأنه قد ذكر ذلك أولا ، ويمكن تعليل هذا الوجه أيضا بأن اللبن الموجود عند العقد الذي يستحق بدله اختلط باللبن الحادث المختص بالمشتري ، فإذا سمح به لا يجبر البائع على قبوله ، وهذا قد يخدشه الخلاف المذكور في الأخبار في مسألة اختلاط الثمار ومسألة النعل ، ومسألة الحنطة المختلطة ، فيكون الاقتصار على العلة الأولى أولى . ( وقد يقال ) إنه لا يصار إلى الأخبار في المسائل المذكورة إلا للضرورة ، ألا ترى أن النعل إذا لم يكن نزعه معيبا فلم ينزعه لا يجب قبوله ؟ وههنا لا ضرورة تدعو إلى قبول اللبن لإمكان رد التمر الذي قدره الشرع ، وممن صحح هذا الوجه ابن أبي عصرون والرافعي رضي الله عنهما . وقال الروياني في البحر : إنه الأصح عند جمهور أصحابنا . وبه جزم الماوردي .

( والوجه الثاني ) أنه يجب على البائع قبوله ، ويجبر عليه لما ذكره المصنف . والاعتذار بكون ذلك لاستعلام العيب ، وهو الذي ذكره القاضي أبو الطيب . مستمر على الأظهر من القولين في تلك المسألة ، وكأنه إذا كسر منه قدر ما يفرق به العيب فرده قهرا وقاسوه على مسألة المصراة ، هذا والقول الثاني في تلك المسألة بمسألة المصراة التي قاسوا عليها رد الشاة بدون اللبن ، فإنه جائز [ ص: 267 ] قولا واحدا مع النقصان الذي حصل فيها بالحلب ، لأجل أن ذلك لاستعلام عيب الشاة ، وليس مرادهم مسألة اللبن التي فيها ; إذ لا يحسن تخريج قول على وجه ، وحينئذ فمسألة اللبن هذه فرد من أفراد تلك المسائل المسندة إلى رد المصراة بعد نقصها بالحلب . ( الثاني ) أنه إذا كان النقص الذي يستقل به العيب غير مانع على الأظهر من القولين في تلك المسائل وبلا خلاف في رد الشاة نفسها بعد الحلب ، فلم لا كان هنا في رد اللبن كذلك ؟ ولم حكم الجمهور بأن الصحيح عدم الإجبار ؟ . ( فالجواب ) أن اللبن لم يظهر فيه عيب قديم يقتضي رده بخلاف الشاة وما لا يوقف على عيبه إلا بكسره فإنه مشتمل على عيب قديم بسببه يرد ، فنقصه لاستعلام عيبه ، واللبن نقصه لاستعلام عيب غيره وهو الشاة وإلحاقه بما نقصه لاستعلام عيبه يحتاج إلى بيان ، والتمييز بين النوعين كاف في الفرق ( وأيضا ) النقص لاستعلام العيب لو قلنا بأنه يمنع في غير هذا الموضع لأدى إلى بطلان رد العيب وههنا لا يؤدي إلى ذلك ; لأن الشرع جعل اللبن بدلا يرده مع الشاة المعيبة ، واللبن ليس بمعيب فلا يلزم من اغتفاره في محل الضرورة اغتفاره حيث لا ضرورة .

( الثالث ) أنا على القول بالرد فيما نقصت قيمته بكسره ، نقول بأنه يلزم الأرش على قول وإن كان الأظهر خلافه ، وأما ههنا على الوجه بأن له رد اللبن لا نعلم أحدا قال بأن المشتري يغرم مع ذلك تفاوت ما بين قيمة اللبن في الضرع وقيمته محلوبا . وهذا يحرك لنا بحثا ، وهو أن التمر يتقسط على الشاة ، واللبن الذي في ضرعها ، كما تقدم وذلك باعتبار قيمتيهما ، فهل تعتبر قيمة اللبن في الضرع أو بعد الحلب ؟ وقد يقال : إنه في الضرع لا يمكن تقويمه كالحمل في البطن ، لكنا إذا كنا نعلم أنه بعد الحلب أنقص مما في الضرع ، وحين المقابلة كان في الضرع ، والمعتبر في التقسيط وقت العقد فهذا البحث حركته لننظر فيه ، فإن كان يعتبر قيمته في الضرع وبالحلب ينقص عن ذلك ، فكان قياس ذلك الوجه إيجاب الأرش ، ولا أعلم من قال به . وإن كان يعتبر قيمته بعد الحلب فلا نقص حينئذ ولا يحتاج أن يعتذر بأنه نقص حدث لاستعلام العيب . [ ص: 268 ] الرابع ) أنا إذا قلنا بأن للمشتري رد اللبن فهل له إمساكه ورد الشاة ؟ قال صاحب التتمة : إن كان قد أمسكها زمانا يحدث في مثله لبن لا يكلف الرد ; لأن الحادث بعد العقد ملكه فلا يلزمه رده . وإن حلب عقيب الشراء وقلنا : على البائع قبول اللبن ; لأنه عين حقه . فعلى المشتري رده إذا أراد الفسخ . وليس له رد البدل ; لأن حقه في يده .

( الخامس ) أن القائل بأن له ههنا أن يرد اللبن هل ذلك بطريق الفسخ ؟ كما لو اشترى عينين فوجد بإحداهما عيبا فإن له أن يرد الجميع . إن كان كذلك فينبغي عند هذا القائل أنه إذا أراد إمساك اللبن ورد الشاة يجرى فيها الخلاف فيما إذا أراد أن يفرد إحدى العينين بالرد فعلى قول يمتنع عليها الإفراد بالرد ، وهو يوافق ما تقدم عن صاحب التتمة عند عدم اختلاط اللبن بلبن جديد ، وعلى قول لا يمتنع ، وإن لم يكن بطريق الفسخ فبماذا يجبر البائع على قبوله ؟ وحقه في التمر واللبن على ملك المشتري بمقتضى العقد ؟ فتلخص أن صاحب هذا الوجه يلزمه أن يوجب رد اللبن عند بقائه وهو خلاف ظاهر الحديث . ( السادس ) أن رد اللبن هل يكون حكمه حكم رد المصراة ؟ إذا قلنا الخيار فيها على الفور حتى إذا أخر بطل إجبار البائع عليه ، ويقتصر على رد الشاة أو نقول رد الشاة على الفور واللبن إلى خيرة المشتري ؟ لم أر في ذلك نقلا ، وهو يلتفت على ما تقدم من البحث في أن ذلك هل هو بطريق الفسخ أو لا ، فإن كان بطريق الفسخ كان على الفور ، وكل هذه التفريعات المضطربة سببها ضعف هذا الوجه القائل بأن له رد اللبن قهرا .

( السابع ) قول المصنف رحمه الله : " ولأنه لو لم يجز الرد " إلى آخره هو الدليل الثاني في كلامه الذي وعدت بالكلام عليه ، وهو دليل مستقل غير ناظر إلى أن النقصان لأجل الاستعلام أو لا ، وبهذا يخالف ما قدمته من أن هذه المسألة ومسألة ما لا يوقف على عيبه إلا بكسره جميعا ، يرجعان إلى مسألة رد المصراة مع نقصها بالحلب ، وهذا الدليل الذي ذكره المصنف رحمه الله غير ذلك ; لأنه جعل امتناع رد اللبن مستلزما لامتناع إفراد الشاة بالرد ، وعلل الأول بالنقص بالحلب والثاني بأنه إفراد بعض العقود [ ص: 269 ] عليه وذلك غير النقص بالحلب ، فلم يحصل الجمع بينهما به ، وإنما مقصوده قياس النقصان بالحلب على النقصان بالإفراد فإن إفراد بعض المعقود عليه نقص . وسكت المصنف رحمه الله عن ذلك لوضوحه ولذكره في موضع آخر وهو ما إذا اشترى عينين صفقة واحدة فإنه لا يجوز إفراد أحدهما بالرد ، إما جزما إذا كان العيب بهما ، أو على الأظهر إذا كان بأحدهما ، وإذا كان إفراد بعض المعقود عليه نقصا . فلو امتنع رد اللبن بنقصانه بالحلب لامتنع إفراد الشاة لنقصانها بالإفراد والجامع بينهما مطلق النقصان فلما جاز رد الشاة ههنا وإفرادها عن اللبن اتفاقا ولم يجعل النقصان بالإفراد مانعا - وإن كان مانعا في سائر المواضع - وجب أن يجوز رد اللبن ، ولا يجعل النقصان بالحلب مانعا - وإن كان مانعا في سائر المواضع - هذا تقرير هذا الدليل ، ولا بد من الجواب عنه إذ الأصح في المذهب خلافه .

وطريق الجواب أن الأصل أن النقص مانع ، ولا يلزم من مخالفة الأصل في موضع مخالفته في كل موضع إلا أن يتبين أن المعنى الذي استثنى لأجله نقصان إفراد الشاة بالرد عن سائر مواضع الإفراد موجود في النقصان بالحلب ههنا ، حتى يستثنى عن سائر مواضع النقص ، وصحة القياس متوقفة على ثبوت ذلك ، وهو غير بين . ( الثامن ) أن الأصحاب أطبقوا على حكاية الوجهين كما حكاهما المصنف رحمه الله وكلام الشيخ أبي حامد يقتضي حكاية الوجهين عن أبي إسحاق ولذلك الروياني قال : إن أبا إسحاق أشار في الشرح إلى وجهين ، والمصنف وابن الصباغ جعل القول بعدم الإجبار قول أبي إسحاق ، وكلام أبي الطيب محتمل لما قاله أبو حامد ، ولما قاله المصنف فإنه قال : لا يجبر عليه ، ذكره أبو إسحاق في الشرح وقال : لأنه صار معيبا ، وفيه وجه آخر أنه يجوز ، وبقية الأصحاب يذكرون الوجهين غير منسوبين والجمع بين ذلك كله أن أبا إسحاق ذكر في شرحه الوجه الذي اختاره والوجه الآخر . ( التاسع ) أن هذا كله في رده على جهة القهر وأما لو تراضيا على ذلك ، قال الماوردي والروياني في البحر : جاز ، وقد تقدم [ ص: 270 ] ذلك عن البغوي والرافعي رحمهما الله أنه لا خلاف فيه ونبهت هناك أنه هل هو من باب الاعتياض ؟ أو من باب الرد بالفسخ ؟ وأن ابن المنذر خالف فيه ، ومقتضى كلامه المخالفة ههنا ، وهو أحد قولي المالكية ، وأن ابن المنذر جعله من باب الاعتياض وذكرت بحثا هناك يقتضي أنه ليس كذلك وأنه يجوز ، فلينظر ذلك البحث في فرع عند شرح قول المصنف " وإن أجاز رد المصراة بدل اللبن " .

( فرع ) قسم المرعشي العيب الحادث عند المشتري إلى قسمين ( أحدهما ) المصراة يردها ناقصة عما أخذت عليه من كون اللبن في ضرعها ، وما سوى المصراة ثلاثة أضرب ( أحدها ) يرد قولا واحدا كالعنب والخيار يغمزه بعود أو حديدة فيتبين أنه مر ( والثاني ) فيه قولان كالثوب يقطع ثم يعلم عيبه ( والثالث ) ثلاثة أقوال إذا كسرنا ما لا نوقف على عيبه إلا بكسره ، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في الرد بالعيب ، وفيه توقف نذكره هناك إن شاء الله تعالى .

( فرع ) إذا اشترى شاة وجز صوفها ، ثم وجد بها عيبا - إن كان الجز لاستعلام العيب - لم يمتنع الرد ، وجرى مجرى الحلب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث