الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( فإن أصاب النخل عطش ، وخاف أن تشرب الثمرة الماء من أصل النخل فيهلك ففيه قولان ( أحدهما ) لا يكلف البائع قطع الثمرة ، لأن المشتري دخل في العقد على أن يترك الثمار إلى الجذاذ فلزمه تركه ( والثاني ) أنه يكلف قطعه ، لأن المشتري إنما [ ص: 108 ] رضي بذلك إذا لم يضر به ، فإذا أضر به لم يلزمه تركه ، فإن احتاج أحدهما إلى سقي ما له ولم يكن على الآخر ضرر جاز له أن يسقيه ، لأنه إصلاح لما له من غير إضرار بأحد فجاز ، وإن كان على الآخر ضرر في السقي وتشاحا ففيه وجهان . قال أبو إسحاق : يفسخ العقد لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر في الإضرار فوجب أن يفسخ . وقال أبو علي بن أبي هريرة : يجبر الممتنع منهما لأنه حين دخل في العقد رضي بدخول الضرر عليه ، لأنه يعلم أنه لا بد من السقي ويجب أجرة السقي على من يسقي لأن منفعته تحصل له ) .

التالي السابق


( الشرح ) تقدم أن الثمرة إذا بقيت للبائع لا يكلف قطعها إلى أوان الجذاذ ، ومن ضرورة ذلك أن يمكن من سقيها ، فيلزم المشتري تمكينه ، وقد لا يسقي البائع فيحصل للمشتري الضرر ، وقد يحصل الضرر من السقي أيضا ، وذكر المصنف تفصيل ذلك في هذا الفصل في مسألتين ( المسألة الأولى ) إذا عطشت النخل وكان قد باعها وهي مؤبرة وأبقينا الثمار للبائع فعطشت النخيل وانقطع الماء ، ولم يتمكن من سقيها ، وكان تركها على الأصول يضر بالأصول ولا يضر بالثمرة ، فإن كان الضرر يسيرا أجبر المشتري عليه ، هكذا قاله القاضي أبو الطيب وغيره ، ونص عليه الشافعي رضي الله عنه في الأم ، وإن كان كثيرا بأن كان يخاف على الأصول الجفاف أو نقصان حملها في المستقبل نقصانا كثيرا ، وعلى ذلك يجب حمل كلام المصنف ، ففيه قولان منصوصان في الأم في هذا الموضع ، وحكاهما الأصحاب كما حكاهما المصنف نقلا وتعليلا ، وعبارة الشافعي في الأم ففيها قولان ثم ذكر قول الإجبار ، ولم أره ذكر القول الآخر ، فتأملت كلامه إلى آخره تأملا كثيرا . فلم أفهم الثاني منه . فلعله تركه إما لوضوحه أو لضعفه .

( والأصح من القولين ) الثاني القائل بالإجبار . وممن صححه الروياني وابن أبي عصرون والنووي ، ورجحه الروياني بأن ضرر الأصول أكثر وجزم به الفوراني . ونقل الرافعي تصحيحه عن الكرخي ، وصححه في المحرر ، وقد ذكر الماوردي مسألة السقي وقسمها تقسيما حسنا ، وهي أن السقي إما أن يكون ممكنا أو متعذرا . [ ص: 109 ] فإن كان متعذرا فإما لإعواز الماء أو لفساد آلته . فإن كان لإعواز الماء سقط حكم السقي ، ثم نزل الثمرة على أربعة أضرب ( الأول ) أن يكون يضر بالثمرة والنخل جميعا . فقطع الثمرة واجب . ولصاحب النخل إجباره . لأن تركها مضرة للنخل بلا منفعة له ( والثاني ) أن لا يضر واحدا منهما فله ترك الثمرة إلى أوان الجذاذ ( الثالث ) أن يضر بالثمرة دون النخل المثمرة فالخيار ( الرابع ) أن يضر بالنخل دون الثمرة فقولان . وهذا الضرب هو الذي ذكره المصنف . وإن كان تعذر السقي لفساد الآلة أو المجاري أو طم الآبار فأيهما لحقه بتأخير السقي ضرر كان له إصلاح ما يوصله إلى الماء . فإن كان ذلك مضرا بالنخل وجب على مشتري النخل أن يزيل الضرر عن نخله ، ولا يجبر رب الثمرة على قطع ثمرته ، وإن كان مضرا بالثمرة لزمه ذلك ، أو يقطعها ، وإن كان مضرا بهما جميعا لزم صاحب الثمرة إلا أن يبادر إلى قطع ثمرته فيسقط عنه ( وأما ) إن كان السقي ممكنا فله أربعة أضرب ( أحدها ) أن يكون نافعا لهما ( والثاني ) أن يكون ضارا لهما ( والثالث والرابع ) أن يكون ضارا لأحدهما دون الآخر ، وسنذكر ذلك مفصلا .



( المسألة الثانية ) إذا احتاج أحدهما إلى سقي ما له ، ولم يكن على الآخر ضرر ، جاز له أن يسقيه ، لما ذكره المصنف وفيها صورتان ( إحداهما ) أن يكون المحتاج البائع ( والثانية ) أن يكون المحتاج المشتري ، وقول المصنف : ولم يكن على الآخر ضرر يشمل ما إذا كان له نفع ، وما إذا لم يكن ، والشيخ أبو حامد والماوردي ذكرا ما إذا كان لكل منهما نفع ، فقال الشيخ أبو حامد : لا يجبر الممتنع من السقي على السقي ، وللآخر أن يسقي ، والأجرة عليه ، وقال الماوردي : للبائع أن يسقي وعلى المشتري أن يمكنه ، ومؤنة السقي على البائع ، لما فيه من صلاح ثمرته ، وإن كان لنخل المشتري فيه صلاح ، إلا أن الأغلب من حال السقي صلاح الثمرة ، والنخل تبع ، فلو امتنع البائع من السقي لم يجبر ، وقيل للمشتري : إن أردت سقي نخلك فاسقه ولا نجبرك عليه . وما قاله الماوردي موافق في المعنى لما قاله الشيخ أبو حامد والمصنف : [ ص: 110 ] وعبارة المصنف أشمل كما تقدم التنبيه عليه . والحكم واحد لا يختلف وإنما يختلف التصوير . فيجيء صور هذه المسألة بإطلاق المصنف ثلاثا : أن ينتفع البائع ، ولا يتضرر المشتري ولا ينتفع أو ينتفع المشتري ولا يتضرر البائع ولا ينتفع . أو ينتفعا جميعا .

وكلام هؤلاء الأئمة يقتضي أن البائع لا يجبر على السقي ، ومن جملة الأقسام التي أطلقوها . أما إذا كان السقي نافعا لهما وكان تركه ضارا بالمشتري لامتصاص الثمار رطوبة الأشجار وقد جزم الإمام في هذه الصورة في حال إمكان السقي بأن البائع يجبر من جهة المشتري على أحد الأمرين : إما أن يسقي وإما أن يقطع الثمار إذا كان يضر بقاؤها . وجعل محل القولين اللذين حكاهما المصنف أولا فيما إذا كان السقي متعذرا ووجه القول الأول القائل بأنه لا يكلف قطع الثمرة بأنها تنتفع بالتبقية وإنما على البائع أن لا يترك مجهودا يقدر عليه . فإن انقطع الماء فلا تقصير منه . وحق التبقية قائم له . وهذا الذي قاله الإمام حسن يجب تنزيل كلامهم عليه . وقال الإمام : إن القولين يشيران إلى أن المراعى جانب البائع أو جانب المشتري ؟ قال : ولم يقع التعرض لاستواء الحقين . يعني كما يقوله أبو إسحاق فيما إذا لم يكن على الآخر ضرر كما سيأتي . قال : ولا بد من هذا الوجه . ثم موجب استواء الحقين الفسخ ، والله أعلم . وقول المصنف : جاز له أن يسقيه ، وليس للآخر أن يمنعه ، فإن منعه أجبر على تمكينه . وهذا مراد الروياني بقوله إذا كان السقي ينفعهما فأيهما طلب أجبر الآخر عليه . لأنه لا فائدة من الانتفاع فيما ينفعه ولا يضره أي أجبر على التمكين منه . لا على أن يسقي ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث