الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 126 - 127 ] والإمامة على الصلوات تنقسم ثلاثة أقسام :

أحدها : الإمامة في الصلوات الخمس .

والثاني : الإمامة في صلاة الجمعة .

والثالث : الإمامة في صلوات الندب ، فأما الإمامة في الصلوات الخمس فنصب الإمام فيها معتبر بحال المساجد التي تقام فيها الصلوات ، وهي ضربان : مساجد سلطانية ومساجد عامية .

فأما المساجد السلطانية فهي المساجد والجوامع والمشاهد ، وما عظم وكثر أهله من المساجد التي يقوم السلطان بمراعاتها فلا يجوز أن ينتدب للإمامة فيها إلا من ندبه السلطان لها وقلده الإمامة فيها لئلا يفتئت الرعية عليه فيما هو موكول إليه ، فإذا قلد السلطان فيها إماما كان أحق بالإمامة فيها من غيره ، وإن كان أفضل منه وأعلم . وهذه الولاية طريقها طريق الأولى لا طريق اللزوم والوجوب ، بخلاف ولاية القضاء والنقابة لأمرين : أحدهما أنه لو تراضى الناس بإمام وصلى بهم أجزأهم وصحت جماعتهم .

والثاني : أن الجماعة في الصلوات الخمس من السنن المختارة والفضائل المستحسنة وليست من الفروض الواجبة في قول جميع الفقهاء إلا داود فإنه تفرد بإيجابها إلا من عذر وإذا كانت من الندب المؤكد وندب السلطان لهذه المساجد إماما لم يكن لغيره أن يتقدم فيها مع حضوره ; فإن غاب واستناب كان من استنابه فيها أحق بالإمامة ، وإن لم يستنب في غيبته استؤذن الإمام فيمن تقدم فيها إن أمكن .

وإن تعذر استئذانه تراضى أهل البلد فيمن يؤمهم لئلا تتعطل جماعتهم ، فإذا حضرت صلاة أخرى والإمام على غيبته فقد قيل إن المرتضى للصلاة الأولى يتقدم في الثانية وما بعدها إلى أن يحضر الإمام المولى ، وقيل [ ص: 128 ] بل يختار للصلاة الثانية ثان يرتضى لها غير الأول لئلا يصير هذا الاختيار تقلدا سلطانيا ، والذي أراه أولى من إطلاق هذين الوجهين : أن يراعى حال الجماعة في الصلاة الثانية ، فإن حضر لها من حضر في الأولى كان المرتضى في الجماعة الأولى أحق بالإمامة في الصلاة الثانية ، وإن حضرها غيرهم كان الأول كأحدهم واستأنفوا اختيار إمام يتقدمهم فإذا صلى إمام هذا المسجد بجماعة وحضر من لم يدرك تلك الجماعة لم يكن لهم أن يصلوا فيه جماعة وصلوا فيه فرادى لما فيه من إظهار المباينة والتهمة بالمشاقة والمخالفة ، وإذا قلد السلطان لهذا المسجد إمامين فإن خص كل واحد منهما ببعض الصلوات الخمس جاز وكان كل واحد منهما مقصورا على ما خص به كتقليد أحدهما صلاة النهار وتقليد الآخر صلاة الليل فلا يتجاوز كل واحد منهما ما رده إليه ، وإن قلد الإمامة من غير تخصيص كل واحد منهما ببعض الصلوات لكن رد إلى كل واحد منهما يوما غير يوم صاحبه كان كل واحد منهما في يومه أحق بالإمامة فيه من صاحبه ، فإن أطلق تقليدهما من غير تخصيص كانا في الإمامة سواء وأيهما سبق إليها كان أحق بها ولم يكن للآخر أن يؤم في تلك الصلاة بقوم آخرين ، لأنه لا يجوز أن يقام في المساجد السلطانية جماعتان في صلاة واحدة واختلف في السبق الذي يستحق به التقدم على وجهين :

أحدهما : سبقه بالحضور في المسجد .

والثاني : سبقه بالإمامة فيه ، فإن حضر الإمامان في حالة واحدة لم يسبق أحدهما صاحبه ، فإن اتفقا على تقديم أحدهما كان أولى بالإمامة ، وإن تنازعا ففيه وجهان : أحدهما يقرع بينهما ويتقدم من قرع منهما .

والثاني : يرجع إلى اختيار أهل المسجد لأحدهما . ويدخل في ولاية هذا الإمام تقليد المؤذنين ما لم يصرح له بالصرف منه ، لأن الأذان من سنن الصلوات التي ولي القيام بها فصار داخلا في الولاية ، وله أن يأخذ المؤذنين بما يؤديه اجتهاده إليه في الوقت والأذان . فإن كان شافعيا يرى تعجيل الصلوات في أول الأوقات وترجيع الأذان وإفراد الإقامة أخذ المؤذنين بذلك ، وإن كان رأيهم بخلافه ، وإن كان حنفيا يرى تأخير الصلوات إلى آخر الأوقات إلا المغرب ويرى ترك الترجيع في الأذان وتثنية الإقامة أخذهم بذلك ، وإن [ ص: 129 ] كان رأيهم بخلافه . ثم يعمل الإمام على رأيه واجتهاده في أحكام صلاته ، فإن كان شافعيا يرى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والقنوت في الصبح لم يكن للسلطان أن ينهاه عن ذلك ولا للمأمومين أن ينكروه عليه ، وكذلك إن كان حنفيا يرى ترك القنوت في الصبح وترك الجهر بالبسملة عمل على رأيه ولم يعارض فيه ، والفرق بين الصلاة والأذان أنه يؤدي الصلاة في حق نفسه فلم يجز أن يعارض في اجتهاده ، والمؤذن يؤذن في حق غيره فجاز أن يعارض في اجتهاده ، فإن أحب المؤذن أنه يؤذن لنفسه على اجتهاده أذن بعد الأذان العام أذانا خاصا لنفسه على رأيه يسر به ولا يجهر .

( فصل ) والصفات المعتبرة في تقليد هذا الإمام خمس :

أن يكون رجلا عادلا قارئا فقيها سليم اللفظ من نقص أو لثغ . فإن كان صبيا أو عبدا أو فاسقا صحت إمامته ولم تنعقد ولايته ; لأن الصغر والرق والفسق يمنع من الولاية ولا يمنع من الإمامة . { قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن مسلمة أن يصلي بقومه وكان صغيرا لأنه كان أقرأهم } . وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف مولى له وقال : { صلوا خلف كل بار وفاجر } . ولا يجوز أن يكون هذا الإمام امرأة ولا خنثى ولا أخرس ولا ألثغ ، وإن أمت امرأة أو خنثى فسدت صلاة من ائتم بهما من الرجال والخناثى ، وإن أم ألثغ أو أخرس يبدل الحروف بأغيارها بطلت صلاة من ائتم به إلا أن يكون على مثل خرسه أو لثغه . وأقل ما على هذا الإمام من القراءة والفقه أن يكون حافظا لأم القرآن عالما بأحكام الصلاة ; لأنه القدر المستحق فيها ، وإن كان حافظا لجميع القرآن عالما بجميع الأحكام كان أولى .

وإذا اجتمع فقيه ليس بقارئ ، وقارئ ليس بفقيه فالفقيه أولى من القارئ إذا كان يفهم الفاتحة ، لأن ما يلزم من القرآن محصور وما ينوبه من الحوادث في الصلاة غير محصور . ويجوز أن يأخذ هذا الإمام ومأذونه رزقا على الإمامة والأذان من بيت المال من سهم المصالح ، ومنع أبو حنيفة من ذلك .

وأما المساجد العامة التي يبنيها أهل الشوارع والقبائل في شوارعهم وقبائلهم فلا اعتراض للسلطان [ ص: 130 ] عليهم في أئمة مساجدهم وتكون الإمامة فيها لمن اتفقوا على الرضا بإمامته ، وليس لهم بعد الرضا به أن يصرفوه عن الإمامة إلا أن يتغير حاله ، وليس لهم بعد رضاهم به أن يستخلفوا مكانه نائبا عنه ويكون لأهل المسجد حق بالاختيار .

وإذا اختلف أهل المسجد في اختيار إمام عمل على قول الأكثرين فإن تكافأ المختلفون اختار السلطان لهم قطعا لتشاجرهم من هو أدين وأسن وأقرأ وأفقه وهل يكون اختياره مقصورا على العدد المختلف فيه أو يكون عاما في جميع أهل المسجد ؟ على وجهين :

أحدهما : أنه يكون مقصورا على ذلك العدد المختلف في اختياره أحدهم ولا يتعداهم إلى غيرهم لاتفاقهم على ترك من عداهم .

والثاني : أنه يختار من جميع أهل المسجد من يراه لإمامته مستحقا لأن السلطان لا يضيق عليه الاختيار .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث