الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 392 ] قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ولا يجوز بيع نيئه بمطبوخه لأن النار تعقد أجزاءه وتسخنه . فإن بيع كيلا لم يجز ; لأنهما لا يتساويان في الكيل في حال الادخار . وإن بيع وزنا لم يجز ; لأن أصله الكيل فلا يجوز بيعه وزنا . ولا يجوز بيع مطبوخه بمطبوخه ; لأن النار قد تعقد من أجزاء أحدهما أكثر من الآخر فيجهل التساوي )

التالي السابق


( الشرح ) فيه مسألتان : ( إحداهما ) أن ما حرم فيه الربا لا يجوز بيع الجنس الواحد نيئه بمطبوخه قال الشافعي رضي الله عنه في المختصر والأم : لا يجوز من الجنس الواحد مطبوخا بنيء منه بحال . قال في المختصر : إذا كان إنما يدخر مطبوخا . وقال في الأم : لأنه إذا كان إنما يدخر مطبوخا فأعطيت منه نيئا بمطبوخ فالنيء إذا طبخ ينقص فيدخل فيه النقصان في النيء . ومن أمثلة ذلك أن يبيع العنب أو العصير بالدبس المتخذ منه . وكذلك التمر بالدبس المتخذ منه لا يجوز . قاله الصيمري والقاضي حسين . واتفق الأصحاب على أن النيء أو القديد بالمطبوخ أو بالمشوي لا يجوز . ولا فرق بين أن يكون المطبوخ مما يدخر أو مما لا يدخر .

( وأما ) قوله في المختصر : إذا كان إنما يدخر مطبوخا قال القاضي حسين : إنه خطأ في النقل ، بل لا يختلف الحكم فيه ، وقال القاضي الروياني قبل عبارة الشافعي : ولا يجوز من الجنس الواحد مطبوخا منه بنيء بحال ، ولا مطبوخ طبخ ليدخر مطبوخا ، فنقل المزني هذا وقدم بعض الكلام وأخر بعضه ، وعطف على المسألة الأولى ، وقيل : معنى ما نقل المزني وإن كان إنما يدخر مطبوخا وهو قول ابن داود وقصد به بيان أن هذا ليس بعذر .

( قلت ) : وقد علمت أن ما نقله المزني موجود مثله في الأم في تعليل الشافعي . فالوجه تأويل ذلك وعدم حمله على الخطأ من المزني ، وتأويله عسر ، بل هو قوي الدلالة على أن ما يدخر في حال كونه نيئا وفي حال كونه مطبوخا ، يجوز بيع النيء منه بالمطبوخ ، والتأويل الذي نقله الروياني هو أقرب ما يتمحل مع تكلف . قال أبو حنيفة رضي الله عنه بجواز ذلك على أصله في بيع الرطب بالتمر ، ولذلك - والله أعلم - عدل المصنف عن قياسه [ ص: 393 ] على الرطب بالتمر ; لأن الخصم يمنع الحكم فيه إلى ما ذكره ، والشيخ أبو حامد قاسه على الحنطة بدقيقها ، والجامع أنهما على صفة يتفاضلان حالة الادخار .

ومن جملة أمثلة هذه المسألة بيع الدبس المتخذ من العنب بخل العنب ، وهو ممتنع ، قال : وحكى في التتمة والبحر وجها أنه يجوز بيع الدبس بالخل ; لأنهما اختلفا في الاسم والصورة والطبع ، قال المتولي : وعلى هذا لا تعتبر المماثلة بينهما . وهذا الذي حكيناه موافق للوجه الذي سيأتي عن حكاية الشيخ أبي محمد في أن عصير العنب وخله جنسان ، مال إليه الإمام هناك ، وسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله تعالى .



( المسألة الثانية ) بيع مطبوخه بمطبوخه ، وقد نص عليه الشافعي أيضا في المختصر ، قال تلو الكلام المتقدم : ولا مطبوخا منه بمطبوخ ; لأن النار تنقص من بعض أكثر مما تنقص من بعض ، وليس له غاية ينتهي إليها ، كما يكون للتمر في اليبس غاية ينتهي إليها . وقال : معنى ذلك في الأدلة في باب ما يجامع التمر وما يخالفه ، مقصوده بذلك الفرق بين ذلك وبين التمر ، حيث يجوز بيع بعضه ببعض وإن كانت الشمس قد أخذت من أحدهما أو منهما ، فربما يكون أخذها من أحدهما أكثر من أخذها من الآخر ، لكن له غاية في اليبس ينتهي إليها ، والمطبوخ بخلافه ، وذكر الأصحاب فرقا آخر بين العصير المطبوخ وبين التمر ، فإن التمر قبل أن يصير تمرا لا يجوز بيع بعضه ببعض ، والرطب أو الدبس مثلا يجوز بيعه قبل هذه الحالة في كونه عصيرا ، فجرت حالة العصير بعد الطبخ لحالة التمر وهو رطب ، فلا يجوز الدبس بالدبس .

قال القاضي حسين : وإن طبخا في قدر واحد . وممن جزم بهاتين المسألتين كما ذكره المصنف الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي والقاضي حسين وآخرون ، وفي معنى الدبس عصير قصب السكر إذا عقد وصار عسلا ، وكذلك ماء الرطب وعصير الرمان والسفرجل والتفاح .



( فرع ) قال ابن أبي الدم : بيع الطلى بالدبس لا يجوز ، والطلاء أرق من الدبس ، وبيع الطلى بمثله فيه وجهان ، وبيع الخل بالدبس فيه وجهان ، وبيع العصير بالخل ولا ماء فيهما فيه وجهان ، قال الماوردي : ولا [ ص: 394 ] يجوز بيع الزيت المطبوخ بالنيء ، ولا بالمطبوخ ، ويجوز بيعه بالمشوي والنيء والمطبوخ ، وكذلك لا يجوز بيع المشوي بالمشوي ، وممن صرح به القاضي أبو الطيب والغزالي والرافعي وجزموا به ، ولا يجوز بيع الناطف بالناطف ، ولا الحنطة المقلية بالحنطة المقلية ، ولا بغير المقلية ، لتغيرها عن هيئتها واختلاف الحبات في اليابس بالنار ، وكذلك لا يجوز بيع الحنطة المطبوخة بالمطبوخة ، والمشوية بالمشوية ، والمقلية بالمبلولة ، والمبلولة بالمشوية . وأما بيع المبلولة بالمبلولة فإنه يمتنع ، لكنه ليس على مسائل هذا الفصل ، وقد تقدم في بيع الرطب بالرطب ، صرح بجميع الأمثلة القاضي حسين وغيره .

وأكثر مسائل هذا الفصل لا خلاف فيها على ما يقتضيه إطلاق أكثر الأصحاب إلا الدبس ، ففيه ثلاثة أوجه : ( أحدها ) وهو المشهور الذي ادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه أنه لا يجوز مطلقا وإن طبخا في قدر واحد على ما صرح به القاضي حسين . ( والثاني ) حكاه القاضي حسين أنه إن طبخا في قدر واحد جاز ، وأبطله القاضي بأن ما في أسفل القدر أسخن مما في أعلاه ، لكثرة مماسة النار . ( والوجه الثالث ) حكاه الرافعي الجواز ، وكلامه يقتضي أنه مطلقا لإمكان ادخاره ، والذي عليه التعويل في تعليل المنع مطلقا أن العصير كامل ، وإذا نظرنا إلى مقدار من الدبس مقابلة مثله فلا يدرى كم في أحدهما من أجزاء العصير ، وكم في الدبس منه ، فكان كالدقيق بالدقيق نظرا إلى توقع تفاوت في كمال سبق الحب ، قال : ولو قيل : قد يخالف مكيال من الدبس مكيلا في الوزن لتفاوت في التعقيد لكان كذلك ، لكن لا معول عليه ، فإن المعقد يباع وزنا بالتعويل على ما قدمته من ملاحظة كمال العصير لإمكان ادخاره ، ولتأثير مأخذ بعض العصير ليصير دبسا ، وقدر المأخوذ يختلف ، ومن فروع ما دخلته النار الحنطة المقلوة بمثلها ، وبالنيئة وبالزيت المغلي بمثله وبالنيء كل ذلك لا يجوز .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث