الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الجزء الخامس الأحكام العامة للبيوع الفاسدة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ الجزء الخامس ] .

[ الأحكام العامة للبيوع الفاسدة ] .

القسم الرابع من النظر المشترك في البيوع ( وهو النظر في حكم البيع الفاسد إذا وقع ) : فنقول : اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم تفت بإحداث عقد فيها أو نماء ، أو نقصان ، أو حوالة سوق أن حكمها الرد ( أعني : أن يرد البائع الثمن ، والمشتري المثمون ) .

واختلفوا إذا قبضت وتصرف فيها بعتق ، أو هبة ، أو بيع ، أو رهن ، أو غير ذلك من سائر التصرفات : هل ذلك فوت يوجب القيمة ، وكذلك إذا نمت أو نقصت ؟ فقال الشافعي : ليس ذلك كله فوتا ، ولا شبهة ملك في البيع الفاسد ، وأن الواجب الرد ، وقال مالك : كل ذلك فوت يوجب القيمة إلا ما روى عنه ابن وهب في الربا أنه ليس بفوت ، ومثل ذلك قال أبو حنيفة .

والبيوع الفاسدة عند مالك تنقسم إلى محرمة ، وإلى مكروهة : فأما المحرمة : فإنها إذا فاتت مضت بالقيمة . وأما المكروهة : فإنها إذا فاتت صحت عنده ، وربما صح عنده بعض البيوع الفاسدة بالقبض لخفة الكراهة عنده في ذلك .

فالشافعية تشبه المبيع الفاسد لمكان الربا ، والغرر بالفاسد لمكان تحريم عينه; كبيع الخمر ، والخنزير ، فليس عندهم فيه فوت .

ومالك يرى أن النهي في هذه الأمور إنما هو لمكان عدم العدل فيها ( أعني : بيوع الربا والغرر ) ، فإذا فاتت السلعة فالعدل فيها هو الرجوع بالقيمة; لأنه قد تقبض السلعة وهي تساوي ألفا ، وترد وهي تساوي خمسمائة ، أو بالعكس; ولذلك يرى مالك حوالة الأسواق فوتا في المبيع الفاسد .

ومالك يرى في البيع والسلف أنه إذا فات وكان البائع هو المسلف رد المشتري القيمة ما لم تكن أزيد من الثمن; لأن المشتري قد رفع له في الثمن لمكان السلف ، فليس من العدل أن يرد أكثر من ذلك ، وإن كان المشتري هو الذي أسلف البائع فقد حط البائع عنه من الثمن لمكان السلف ، فإذا وجبت على المشتري القيمة ردها ما لم تكن أقل من الثمن; لأن هذه البيوع إنما وقع المنع فيها لمكان ما جعل فيها من العوض مقابل السلف الذي هو موضوع لعون الناس بعضهم لبعض ، ومالك في هذه المسألة أفقه من الجميع .

[ ص: 553 ] واختلفوا إذا ترك الشرط قبل القبض ( أعني : شرط السلف ) : هل يصح البيع أم لا ؟ فقال أبو حنيفة ، والشافعي ، وسائر العلماء : البيع مفسوخ . وقال مالك ، وأصحابه : البيع غير مفسوخ إلا ابن عبد الحكم قال : البيع مفسوخ . وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور .

وحجة الجمهور : أن النهي يتضمن فساد المنهي ، فإذا انعقد البيع فاسدا لم يصححه بعد رفع الشرط الذي من قبله وقع الفساد ، كما أن رفع السبب المفسد في المحسوسات بعد فساد الشيء ليس يقتضي عودة الشيء إلى ما كان عليه قبل الفساد من الوجود فاعلمه .

وروي أن محمد بن أحمد بن سهل البرمكي سأل عن هذه المسألة إسماعيل بن إسحاق المالكي ، فقال له : ما الفرق بين السلف ، والبيع ، وبين رجل باع غلاما بمائة دينار وزق خمر ، فلما انعقد البيع بينهما قال : أنا أدع الزق ، وهذا البيع مفسوخ عند العلماء بإجماع ، فوجب أن يكون بيع السلف كذلك ، فجاوب عن ذلك بجواب لا تقوم به حجة ، وقد تقدم القول في ذلك .

وإذ قد انقضى القول في أصول البيوع الفاسدة وأصول البيوع الصحيحة ، وفي أصول أحكام البيوع الصحيحة ، وأصول الأحكام الفاسدة المشتركة العامة لجميع البيوع ، أو لكثير منها فلنصر إلى ما يخص واحدا واحدا من هذه الأربعة الأجناس ، وذلك بأن نذكر منها ما يجري مجرى الأصول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث