الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( فصل ) ولا يباع خالصه بمشوبه كحنطة خالصة بحنطة فيها شعير أو زوان وفضة خالصة بفضة مغشوشة ، وعسل مصفى بعسل فيه شمع . لأن أحدهما يفضل على الآخر ، ولا يباع مشوبه بمشوبه كحنطة فيها شعير أو زوان بحنطة فيها شعير أو زوان وفضة مغشوشة بفضة مغشوشة أو عسل فيه شمع بعسل فيه شمع ، لأنه لا يعلم التماثل بين الحنطتين ، وبين الفضتين ، وبين العسلين ، يجوز أن يباع طعام بطعام وفيه قليل تراب ، لأن التراب يحصل في سفوف الطعام ، ولا يظهر في الكيل فإن باع موزونا بموزون من جنسه من أموال الربا وفيه قليل تراب لم يجز لأن ذلك يظهر في الوزن ويمنع من التماثل .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الفصل يتضمن القسم الثاني من أقسام قاعدة ( مد عجوة ) وهو ما يكون أحد الجنسين فيه غير مقصود كما تقدم التنبيه عليه ، [ ص: 273 ] وهو على قسمين ( منه ) ما يكون بحيث لو فصل وميز لكان قد يقصد حينئذ ، ويقابل بالإعراض وحده كالشعير المخالط للحنطة والنحاس المخالط للفضة ، والشمع المخالط للعسل ( ومنه ) ما لا يكون مقصودا بوجه كالتراب والقصل والزوان والشيلم وكلا القسمين إما أن يكون في المكيل أو في الموزون ، فإن كان في الموزون امتنع مطلقا لما ذكره المصنف في كلامه من أن ذلك يظهر في الوزن ويمنع التماثل وإن كان في المكيل فإما أن يكون المخالط قد لا يظهر أثره على المكيال كالشعير اليسير جدا المخالط للحنطة والزوان والقصل إذا كان كذلك والتراب أيضا كذلك فلا يضر ، لأن ذلك يحصل ، في سفوف الطعام وقد زاد بعض الأصحاب على العلة المذكورة أن ذلك قل ، أن ينفك عنه الطعام فتسومح به ، ولا حاجة إلى ذلك مع فرض أن ذلك لم يؤثر في المكيال نعم قد يقال : أن ذلك لا بد أن يؤثر ولو يسيرا ، لكن ذلك التأثير الذي لا يظهر على المكيال في محل المسامحة ، وإن كان بحيث يؤثر في المكيال امتنع فهذه جهة الفصل ( وحاصله ) الحكم في الكيل بالامتناع إلا فيما لا يظهر أثره على المكيال في المكيل ، وذلك مقتضى عبارة الشافعي رحمه الله في المختصر ، فإنه قال وكذلك كل ما اختلط به إلا أن يكون لا يزيد في كيله مثل قليل التراب الدقيق وما دق من تبنه ، فأما الوزن فلا خير في مثل هذا . وقال في الأم : وهكذا كل صنف من هذه خالطه غيره مما يقدر على تمييزه منه ، لم يجز . بيع بعضه ببعض إلا خالصا مما يخالطه إلا أن يكون ما يخالط المكيل لا يزيد في كيله مثل قليل التراب وما دق من تبنه فذلك لا يزيد في كيله فأما الوزن فلا خير في شيء من هذا فيه ا هـ . والعبارة الجامعة لذلك أن الربوي لا يباع بجنسه وفيهما أو في أحدهما ما يأخذ حظا من المكيال ، وهي عبارة نصر المقدسي في الكافي ، وقد ذكر المصنف في تعضيد ذلك ثلاث مسائل في أمثلة الخالص بالمشوب ، عليها واحدة ( الأولى ) الحنطة الخالصة بالحنطة التي فيها شعير أو زوان .

[ ص: 274 ] قال الشافعي في المختصر : لا خير في مد حنطة بحنطة متفاضلة ومجهولة وقال في الأم في باب المأكول من صنفين شيب أحلاهما بالآخر : ولا خير في مد حنطة فيها قصل أو فيها حجارة أو فيها زوان بمد حنطة لا شيء فيها من ذلك . أو فيها تبن لأنها الحنطة بالحنطة متفاضلة ومجهولة . وقال القاضي حسين في قول الشافعي : لا خير : أراد بقوله : لا خير يعني لا يجوز قال الروياني : وكنا نتوهم أن هذه اللفظة له حتى وجدناها لمالك رحمه الله في مسائل الربا فتوهمناها له حتى وجدناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم استعملها في هذه المسائل ، وعبارة الأم أصح من عبارة المختصر ، فإنه في المختصر أخل بأحد القسمين . واتفق الأصحاب على امتناع البيع في ذلك ، وقيده ابن أبي هريرة بما إذا كان القصل كثيرا ، يعني بحيث يظهر أثره على المكيال أما ما كان يسيرا لا يتبين في المكيال قال : فيجوز . وكذلك إمام الحرمين والغزالي في البسيط وطردا ذلك في الشعير المخالط للحنطة ، وكلام الشافعي يرشد إليه في قوله إلا أن يكون لا يزيد في كيله . وكلام القاضي أبي الطيب أيضا فإنه لما تكلم في بيع الحنطة المختلطة بالشعير بمثلها قيد ذلك بأن يكون الشعير كثيرا ، وذلك هو الحق الذي لا مرية فيه وينبغي أن ينزل كلام من أطلق من الأصحاب عليه .

وقد وقع في كلام صاحب التهذيب ما يوهم المخالفة فإنه قال بعد ذكر القصل والزوان : قل أو كثر ، وهذا لا ينبغي أن يعد مخالفة ، بل ينبغي أن يحمل القليل في كلامه على ما ليس مقصودا ، وإن أثر في المكيل ، فاختلف الحكم في ذلك بحسب اختلاف المراد بالقليل والكثير ، وضابطه أن ما كان بحيث لا يؤثر في المكيال فلا اعتبار به في منع المماثلة ، وما كان بحيث يؤثر في المكيال ، فإن كان مقصودا فيمنع عند اختلاف الجنس واتحاده ، وإن كان غير مقصود فيمنع عند اتحاد الجنس لفوات المماثلة ، ولا يمنع عند اختلاف الجنس لعدم اشتراطها ، ولا فرق في ذلك بين الزوان والقصل والشعير والشيلم ، كما قال القاضي أبو الطيب وهو وغيره ضابطه ما ذكرناه ، وعلى ذلك ينبغي أن ينزل كلام القاضي حسين وصاحب العدة ومن نحا نحوهم فإنهم قالوا - واللفظ للقاضي حسين : ولو باع الحنطة بالحنطة وفي كل [ ص: 275 ] واحد منهما أو في أحدهما حبات من الشعير لا يجوز ، ولو باع الحنطة بالشعير وفي الحنطة حبات من الشعير - فإن كان يسيرا - جاز ، وإن كان كثيرا فلا ، وبعضهم لا يذكر هذا التفصيل الأخير بين اليسير والكثير ، ويطلق عند اختلاف الجنس الجواز ، وهذا الكلام منهم يوهم أن الحنطة المشوبة لا تباع بمثلها ولا بالخالصة وإن قل الخليط . وذكر الإمام في النهاية عن الأئمة ما ظاهره يوافق كلام القاضي حسين وموافقيه ، واختصره الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في الغاية فأوضحه وبين ما ذكرته فقال : وقد قالوا : إذا باع حنطة بحنطة في المكيالين ، أو أحدهما شعير أو تراب فهو ممنوع إن أثر في التماثل ، جائز إن لم يؤثر . ولو باع الشعير بحنطة فيها شعير فإن كان مما لا يقصد مثله - صح البيع سواء أثر في المكيال أو لم يؤثر . ا هـ .

قال الإمام والغزالي : ولا يكترث بظهور أثره في المكيال ولا بكونه متمولا فالنظر إلى كونه مقصودا على حياله ، يعني أن المعتبر كون الشعير الذي خالط الحنطة قدرا يقصد غيره ليستعمل شعيرا . وكذا بالعكس ، وشبهوا هذا بالمحرم الذي قطع مدة لا يلزمه فدية الشعور التي عليها لأنها تقع مقصودة والله أعلم وكذا في كلام صاحب التتمة وصاحب التهذيب يبين المراد من ذلك ، فقد تلخص أن الربوي المكيل إذا بيع بغير جنسه وكل منهما أو أحدهما مشوب بالآخر فالمانع كون المخالط مقصودا لتمييزه ليستعمل وحده ، وليس لتبينه في المكيال أثر ولا لماليته ، وإذا بيع بجنسه فالمانع كون المخالط قدرا يؤثر في المكيال ، ولا فرق في ذلك بين المكيل والموزون كما ستعلمه من الفرع الآتي عن الشيخ أبي محمد ههنا .

( فرع ) وهو إذا كان المخالط عند اتحاد الجنس قدرا لا يؤثر في المكيال لكنه مقصود ، كما لو باع التمر بالتمر وفي أحد المكيالين أو فيهما طعام صغير الحب لا يؤثر في المكيال ، ويقصد كالسمسم مثلا ، ومقتضى التفريع أنه يمتنع ويكون من ( قاعدة مد عجوة ) والله أعلم .

ثم ليتنبه لأمر ، وهو أن لفظ الفصل الذي أجريناه المفهوم من كلام الإمام والرافعي منه أن يقصد تمييز الخليط ليستعمل على حياله . وهذا أعم من أن [ ص: 276 ] يكون هو مقصودا في نفسه ، لأنه قد يكون مقصودا منضما إلى غيره ، ولا يقصد تمييزه ، كالأشياء التي يقصد مجموعها ، سواء امتنع التمييز فيها كخل التمر بخل الزبيب ، مع أن الماء لا يقصد تمييزه عنه ولا يصح بيعه ، فهو كحنطة وشعير بحنطة وشعير وكل منهما مقصود أو أمكن تمييزه ولكنه يقصد اختلاطها ، كالقمح المشتمل على شعير كثير قد يقصده بعض الناس لرخصه أو لغرض من الأغراض ولا يقصد تمييز الشعير عنه ، وإن أردنا أن قصد تمييز المبيع عن الخليط مانع فلا شك أن القصد يتعلق بتمييز الحنطة عن الشعير ، وإن قال : فذلك غير مراد . وإن حذفنا لفظ التمييز وقلنا : المانع عند اختلاف الجنس أن يكون الخليط مقصودا استقام ، ولا يرد عليه ذلك في الطرد ، أي كل خليط مقصود مانع ولا يستقيم في العكس ، إذ ليس كل مانع يشترط أن يكون مقصودا ، ألا ترى أن لبن الغنم المشوب بالماء يمتنع بيعه بلبن البقر المشوب والخالص كما قلنا في خل التمر وإن كان الماء في اللبن ليس بمقصود ولا يفيد كونه يقصد تمييز اللبن عنه ، لما تقدم أنه غير مراد ، فالأولى أن يحذف لفظ التمييز ، ويجعل هذا الضابط مطردا غير منعكس ، أو يدعي انعكاسه ويعتذر من مسألة اللبنين بأن المانع جهالة مقدار اللبن وهو المقصود بالبيع وحده بخلاف الخل فإن المقصود الهيئة التركيبية ولا يرد على طرد الذي ادعيناه خل التمر بخل العنب في كون الماء الخليط في خل التمر مقصودا ، لأنا نتكلم فيما إذا كان أحد العوضين مشوبا بالآخر ، وهاهنا ليس في أحد العوضين شيء مما في الآخر ، إذ خل التمر لا عنب فيه وخل العنب لا ماء فيه ولا تمر ، ولعلك تقول الكلام في بيع الحنطة بالشعير ، وفي كل منهما شيء من الآخر ، وليس في أحد اللبنين شيء مما في الآخر ولا في أحد الخلين . وإنما مع كل منهما ماء . فاعلم أن المانع في الخلين كونه مقابله خلا . وأما الماء في الخل لا يقصد تمييزه . وهذا المعنى نفسه حاصل في الحنطة والشعير بحنطة وشعير ، وإن كان الخليط في كل طرف غير مقصود في التمييز ، والله أعلم .

( فإن قلت ) إذا باع القمح بالقمح وفي كل منهما شعير قد خلط به وعرف مقدار الخليطين ينبغي أن تخرج الصحة فيه على الخلاف في بيع مد ودرهم [ ص: 277 ] بمد [ ودرهم ] . وهما من غلة واحدة وسكة واحدة . وروى القاضي حسين ومن وافقه الصحة . فينبغي أن يكون هنا كذلك وقد تقدم أن رأي المصنف اشتراط الاختلاف في القيمة فينبغي إذا فرض اتحاد قيمة الشعير مع قيمة القمح أن يكون رأيه في ذلك الصحة وهو قد أطلق القول بالفساد هاهنا وقد تقدم عن صاحب التتمة صريحا أنه إذا باع صاع حنطة وصاع شعير بصاع حنطة وصاع شعير وصاعا الحنطة من صبرة واحدة ، وصاعا الشعير كذلك وفيه خلاف . وإذا جرى الخلاف في الحنطة والشعير المتميزين فلأن يجري في المختلطين بطريق أولى ، فإن عدم التمييز في النوعين قد جعل عذرا كما تقدم عن صاحب التهذيب أنه يجوز بيع الصاع المختلط من الجيد والرديء بمثله [ من الجيد ] وبالرديء . وإن كان في الجنسين لم يغتفر كالدراهم المغشوشة والشهد وما أشبهه فإذا جرى الخلاف في الحنطة والشعير عند التمييز فلأن يجرى مع الاختلاط أولى .

( قلت ) لك حق ، والعذر عن الشيخ في إطلاقه أن الغالب في قيمة الشعير لا تكون مساوية لقيمة القمح ، فلا يلزمه القول بالصحة في ذلك ، وإنما يلزم ذلك القاضي حسين وموافقيه فإنهم لم يشترطوا الموافقة في القيمة بين الجنسين المضمومين في العوض الواحد ، كما اقتضاه كلام المصنف ، بل أن يكون جزء كل عوض وما يماثله من العوض الآخر متساويين ، وإذا كان الشعيران والحنطتان متساويتين لزمهم القول بالصحة ، وقد نبه على ذلك ابن الرفعة رحمه الله ، ولعلهم إنما أطلقوا المنع على ما هو الغالب من عدم معرفة مقدار الشعير المضموم إلى الحنطة ، والله أعلم .

( فائدة أخرى ) نبه على الكلام فيها ابن الرفعة ، قد تقدم أن الشعير إذا كان قليلا بحيث لا يؤثر في المكيال فإنه لا يضر ، ويجوز بيع الحنطة المختلطة به بمثلها وبالخالصة وأنه إذا كان كثيرا بحيث يؤثر في المكيال ، ولكنه غير مقصود تمييزه لا يضر في بيع الحنطة بالشعير للاختلاف في الجنسين ، واقتضى كلام الإمام شبيه ذلك بيع المختلط بالزبد فإن ما في الزبد من الرغوة المماثلة للمخيض غير مقصودة ، والزبد والمخيض بعد نزع زبده يختلفان فلم يمتنع البيع ، لكن المصنف في أواخر هذا الباب وغيره حكوا عن [ ص: 278 ] أبي إسحاق أنه لا يجوز بيع الزبد بالمختلط ، لأن في الزبد شنان المخيض وكذلك حكوا في بيع الزبد بالزبد وجهين . قال ابن الرفعة : فقياس الشبهة يقضي أن يأتي وجه في بيع الحنطة المختلطة بالشعير ، كقول أبي إسحاق في بيع المختلط بالزبد . واعلم أن الأصحاب ردوا على أبي إسحاق هناك أن ما في الزبد من المخيض لا يظهر ، وقاسه صاحب التتمة على بيع الحنطة بالشعير ، وفيهما قليل منه ، والتخاريج المذهبية إنما تطرد في أقوال الشافعي . أما الوجه الذي للأصحاب فلا يلزمنا طردها ، بل إنما يلزم صاحبها ، فإن طردها وكان له جواب فارق ، وإلا تبين ضعف قوله ، وليس يسوغ أن يؤتى إلى وجه ضعيف مردود عليه ، وهو ممنوع على تعليل حكي عن أبي إسحاق أنه علل به كلام الشافعي في بيع الزبد باللبن كما سنتكلم عليه عند كلام المصنف إن شاء الله تعالى ورد الأصحاب عليه في ذلك التعليل . وقال القاضي أبو الطيب : إن أبا إسحاق لم يذكره في الشرح فيوجد وجه مثل هذا يثبت به خلاف في مسألة مجزوم بها ، بل يرد بالمسألة المجزوم بها على ذلك الوجه الضعيف نعم حكوا في بيع الزبد بالزبد وجهين ، والوجه القائل بالفساد ناظر إلى أن ما فيه من اللبن يمنع المماثلة . وهو موزون فلا يغتفر فيه . وإن كان يسيرا فليس كمدرك أبي إسحاق في بيع الزبد بالمخيض ، ولا يلزم طرده في بيع الحنطة المختلطة بالشعير الذي لا يؤثر في الكيل بمثلها ولا بالشعير والله تعالى أعلم .

وقد نبه الشافعي رضي الله عنه على هذه القاعدة في باب المأكول من صنفين شيبا في الأم قال في آخره : كل ما شابه غيره فبيع واحد منه بواحد من جنسه وزنا بوزن فلا خير فيه وإن بيع كيلا بكيل فكان ما شابه ينقص من كيل الجنس فلا خير فيه . ثم قال : وهي مثل لبن خلطه ماء أو لم يخلطه يعني فيمتنع ( قلت ) وهذا الكلام ينبه على أن الماء المختلط باللبن لو كان يسيرا جدا بحيث لا يؤثر في الكيل صح ، فإن اللبن مكيل على الصحيح .

[ ص: 279 ] المسألة الأولى ) إذا خلطا نوعا بنوع من جنس واحد وباعه بنوع منه كمعقلي ببرني أو قمح صعيدي ببحري ، وفي كل منهما أو أحدهما شيء من الآخر ، فيتجه أن يقال حيث نقول بالصحة في الجنسين ، بأن يكون الخليط غير مقصود ، كما إذا باع معقليا ببرني فيه شيء يسير من المعقلي لا يقصد ، فهاهنا أولى ، وحيث نقول بالبطلان في الجنسين بأن يكون الخليط مقصودا ، فهاهنا يأتي ما تقدم في المرتبة الثانية من ( قاعدة مد عجوة ) والصحيح الصحة لعدم تمييزه ، ويأتي فيه الوجه الذي حكاه صاحب التتمة أنه إن كان ظاهرا يرى من غير تأمل لم يجز ، ولا أثر لكون الخليط موجبا لتفاوت الكيل فيما اختلط به ومقابله ، لأن الخليط هنا من الجنس معتبر في الكيل أيضا والله سبحانه وتعالى أعلم .



( المسألة الثانية ) الفضة الخالصة بالفضة المغشوشة ، والمغشوشة على قسمين ( قسم ) الغش الذي فيها مما له ثبات وقيمة كالرصاص والنحاس والمس وهو وكذلك ، الدراهم المزيفة وهي التي فيها فضة ورصاص وزئبق فيستهلك الزئبق وتبقى الفضة والرصاص ( وقسم ) الغش الذي فيها مما يستهلك كالزرنيخية والأندرانية وهي التي تتخذ شبه الدراهم من الزرنيخ والنورة ثم يطلي عليه الفضة ، وقد كان يتعامل بها في بغداد وغيرها ، وتسمى بخراسان الزرنيخية والمراد بالاستهلاك أنه لا يبقى لغشها قيمة وليس المراد أنه يستهلك عين الغش فإنه لا يزول والحكم المذكور شامل للقسمين لا يجوز بيع الخالصة بالمغشوشة في القسمين معا ، سواء كان الغش مما قيمته باقية أم لا ، لا خلاف بين الأصحاب في ذلك ، قال نصر : وإن قل . وكذلك المغشوشة بالمغشوشة لكن التعليل مختلف فأما المغشوشة بغش يبقى له قيمة فاختلف الأصحاب في تعليله على وجهين نقلهما الشيخ أبو حامد وآخرون ( أحدهما ) وهو الصحيح عند الشيخ أبي حامد وغيره أنه بيع فضة وشيء بفضة ، أو بفضة وشيء . فصار [ ص: 280 ] كمسألة ( مد عجوة ) ( والثاني ) لأن الفضة هي المقصودة وهي مجهولة غير متميزة ، فأشبه بيع تراب الصاغة واللبن المشوب بالماء وبنوا على المعنيين شراء تراب الصاغة وتراب المعدن وهذا رأي القفال فيما حكاه الروياني . واستضعفوا هذا واستدلوا للأول بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال " من زافت دراهمه فليأت السوق وليشتر بها ثيابا " رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند .

على أنه قد نقل عن أحمد بن حنبل أنه حمل قوله " زافت " على أنها بقيت ليس أنها زيوف ، جمعا بين ذلك وبين ما روي عن عمر أيضا رضي الله عنه أنه نهى عن بيع نفاية بيت المال ، حكى ذلك ابن قدامة ، وهذه هي مسألة المعاملة بالدراهم المغشوشة وقد ذكرها النووي رضي الله عنه في هذا المجموع في باب زكاة الذهب والفضة ، وذكر أنه إن كان قدر الغش معلوما جاز قطعا وإلا فأربعة أوجه ، رابعها إن كان الغش غالبا لم يصح وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، واختيار القاضي حسين ، والصحيح الصحة مطلقا وهو الذي صححه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب . وأما المغشوشة بغش لا قيمة له كالزرنيخية فالعلة في منع بيع بعضها ببعض أو بالخالصة الجهل بالمماثلة أو تحقق المفاضلة ، وإن ابتاع بها ثيابا جاز ، لأن البيع واقع على الفضة فحسب ، وهي متميزة عن الزرنيخية ظاهرة عليه فلا منع على العلتين المذكورتين في القسم الأول ، وإن اشترى بها ذهبا جاز قولا واحدا ، هكذا قال المحاملي ، ومقتضى ذلك أنه لا يجيء خلاف التعامل بالدراهم المغشوشة ولا وجه لإعادة الكلام فيها مع تقدمها ، ومما أفاده صاحب التتمة فيها أنه يكره أخذها وإمساكها إذا كان النقد الذي في أيدي الناس خالصا ، لأن ذلك يتضمن تغرير الناس ، قال : فلو كان جنس النقد مغشوشا فلا كراهية ، وأفاد الروياني أيضا أن الغش لو كان قليلا مستهلكا بحيث لا يأخذ حظا من الوزن فلا تأثير له في إبطال البيع ، لأن وجوده كعدمه ، وقد قيل بتعذر طبع الفضة إذا لم يخالطها خلط من جوهر آخر .

[ ص: 281 ] قلت ) وذلك صحيح ، وقد بلغني أن في بعض البلاد في هذا الزمان ضربت الفضة خالصة فتشققت ، فجعل فيها في كل ألف درهم مثقال من ذهب فانصلحت ، ولكن مثل هذا إذا بيع درهم مثلا لا يظهر في الميزان ما معه من الغش ، وأما إذا بيع قدر كبير فيظهر ذلك في الوزن فينبغي البطلان والله أعلم .

ورتبوا على هذا الخلاف جواز بيعها بالذهب ( إن قلنا ) لا يجوز شراء الثياب بها ، فالذهب أولى ( وإن قلنا ) يجوز فهاهنا بيع الفضة بالذهب صرف ، وبيع الرصاص والنحاس بالذهب بيع ، فهو بيع وصرف ، ولنا في ذلك قولان ( وأما ) القسم الثاني وهو ما يكون الغش فيه مستهلكا كالزرنيخية والأندرانية فكذلك لا يجوز بيع بعضها ببعض ، ولا بالخالصة لأنه فضة بفضة مجهولة التساوي ، أو معلومة التفاضل ، وإن اشترى بها ثيابا جاز بلا خلاف على التعليلين جميعا .

( أما ) على الأول وهو النظر إلى ( قاعدة مد عجوة ) فلأنه ليس هاهنا مع الفضة شيء يتقسط عليه الثمن ( وأما ) على الثاني وهو أن المقصود مجهول فهاهنا المقصود ظاهر ، وهكذا إذا اشترى ذهبا لا يجوز ، لأن الذي مع الفضة لا قيمة له فليس فيه جمع بين بيع وصرف ، ويجب أن تستثنى هذه الصورة من قولنا : إن الدراهم المغشوشة لا يجوز التعامل بها على وجه ، أو فيها خلاف ، فإن هذه دراهم مغشوشة ، ولا خلاف في جواز التعامل بها ، قال القاضي أبو الطيب : لا يختلف أصحابنا في جواز شراء السلع بها والله عز وجل أعلم .

وكل ما ذكرناه في الفضة يأتي في الذهب حرفا بحرف ، إما أن يكون مغشوشا بمغشوش أو خالصا بمغشوش ، وأقسام الغش وأحكامه لا تختلف ، كذلك صرح الأصحاب بالأحكام والأقسام المذكورة فيهما معا والله أعلم .

وهذه فوائد ، وإن كانت زائدة على ما يحتاج إليه في شرح الكتاب فهي متعلقة به تحتاج إليه والله تعالى أعلم .



( المسألة الثالثة ) بيع العسل المصفى بالعسل الذي فيه شمع ، وقد نص [ ص: 282 ] الشافعي على ذلك في الأم قال : ولا يباع عسل بعسل إلا مصفيين من الشمع وذلك أن الشمع غير العسل ، فلو بيع وزنا وفي أحدهما الشمع كان العسل أقل منه قال : وكذلك لو باعه وزنا ، وفي كل واحد منهما شمع لم يخرجا من أن يكون ما فيهما من العسل ومن وزن الشمع مجهولا ، لا يجوز مجهول بمجهول ، وقد يدخلهما أنهما عسل بعسل متفاضلا . وكذلك لو بيعا كيلا بكيل . واتفق الأصحاب على هذا الحكم وعللوه بعلتين ( إحداهما ) ما ذكره الشافعي رحمه الله من التفاضل والجهل بالتماثل ( والأخرى ) أنه كمسألة مد عجوة . وقد اختلف الأصحاب في قوله : مصفيين . هل المصفيان بالشمس أو بالنار على حسب اختلافهم في بيع المصفى بالنار بعضه ببعض . وسيأتي ذلك في كلام المصنف إن شاء الله تعالى . وليس الغرض الآن إلا منع بيعهما وفيهما أو في أحدهما شمع وسأذكر إن شاء الله تعالى تحقيق القول في أن العسل مكيل أو موزون عند كلام المصنف في ذلك ، فإنه تعرض له قبل آخر الباب بفصلين ، والله أعلم .

وقد اشتركت هذه المسائل الثلاث التي فرضها المصنف في علة واحدة . وهي حقيقة المفاضلة كما أشار إليه في علته . ولا شك أن الموزون منها كالفضة والعسل - إذا قلنا بأنه موزون وهو الصحيح يؤثر فيه المخالط ، سواء كان يسيرا أو كثيرا وأما المكيل كالحنطة والعسل إذا قلنا بأنه مكيل كما هو قول أبي إسحاق فقد أطلق المصنف أن الخالصة لا تباع بالمشوبة . وكذا الشافعي رحمه الله فيما حكيته الآن من لفظه في الأم والمختصر في العسل ، وإطلاق القاضي حسين وجماعة يقتضي ذلك وقد عرفت تقليده وأن ذلك ليس على إطلاقه . وقد عرفت أن مسألة الحنطة المختلطة بالزوان ، ومسألة العسل منصوصة وما سواها متفق عليه بين الأصحاب والله تعالى أعلم .

والمسائل الثلاث الأخرى التي هي بيع المشوب بالمشوب مشتركة في علة واحدة ، وهي الجهل بالمماثلة إن لم يعلم مقدار الغش ، وقد يعلم ، وتحقق المفاضلة أو تجهل المماثلة بالطريق التي تقدم في قاعدة مد عجوة . ومسألة [ ص: 283 ] الحنطة المختلطة بالزوان بمثلها مشار إليها في كلام الشافعي المتقدم ، حيث منع أن تباع بالمختلطة بالتبن ، وهو مقتضى كلام الأصحاب ، وممن صرح بها الماوردي : صورة ذلك ما إذا كان المخالط كثيرا . أما إذا كان يسيرا لا يتبين في المكيال فيجوز . صرح به ابن أبي هريرة وقد تقدم التنبيه على ذلك وتأويل ما يتوهم مخالفته له ، ومسألة الحنطة المختلطة بالشعير بمثلها لم أرها منصوصة لكنها متفق عليها بين الأصحاب والنص في القصل والزوان والتبن دال عليها ، وقد تقدم التنبيه على أن صورة المسألة إذا كان كثيرا كما صرح به القاضي أبو الطيب وغيره ، أما إذا كان يسيرا لا يظهر في المكيال ، فلا بأس . ومسألة الفضة المغشوشة بالفضة المغشوشة تقدم الكلام عليها ، وأنها مجمع عليها بين الأصحاب . وكذلك الذهب المغشوش بالذهب المغشوش ، والله أعلم .

قال القاضي حسين : وهكذا دينار نيسابوري بدينار نيسابوري لا يجوز لأنه قد دخله الغش . وقد ذكر الغزالي رحمه الله ذلك في الوسيط . قال إمام الحرمين : وبيع الذهب الإبريز بالهروي عين الربا . قال : وبيع الذهب الهروي بالورق باطل ، فإن النقرة في الهروي مقصودة ( قلت ) والهروي نقد فيه ذهب وفضة ، والنيسابوري ذهب خالص .

( فرع ) بيع الذهب الهروي بالذهب الهروي لا يجوز لما فيه من الغش . قاله القاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي . وهذا بيع الدراهم المغشوشة بالمغشوشة لا يجوز . قاله القاضي حسين ، وقال ابن الرفعة في الهروي بالهروي : إن قياس الوجه الذاهب إلى جواز بيع مد ودرهم بمد ودرهم من سكة واحدة ونخلة واحدة أن يجوز بيع الهروي بمثله ، إذا كان مقدار الفضة والذهب فيه معلوما والنوع واحدا والسكة واحدة ، إلا أن يقال : الدرهم والمد بالدرهم والمد معلومة من حيث المشاهدة والمقابلة في الهروي بمثله غير معلومة ، فإن النار عند الضرب قد تذهب من أحد الجوهرين أكثر مما تذهبه من الآخر ، فلا يأتي الوجه المذكور وهو الأشبه .

( قلت ) وجزم الأصحاب بجواز بيع الفضة المضروبة بمثلها يدل على أنه [ ص: 284 ] لا أثر لتأثير النار فيها ، وإذا كان كذلك فلا أثر لهذا الاحتمال ، وحينئذ يتعين أن يأتي الوجه المذكور ، وينبغي أن يحرر هل النار تأخذ من جوهر الذهب والفضة شيئا عند الضرب أم تخلصهما فقط ؟ فإن كانت تأخذ فالأمر كما قال وإلا فلا ، ومسألة العسل الذي فيه شمع بالعسل الذي فيه شمع منصوص عليها في كلام الشافعي كما تقدم . والأصحاب متفقون على أنه لا يباع شهد بشهد ، وقد ذكر الأصحاب والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي وسائر الأصحاب سؤالا وجوابا . فقالوا ( إن قيل ) أليس يجوز بيع التمر بالتمر وفيهما النوى ؟ وهكذا اللحم باللحم الطري إن جوزنا ؟ والقديد كما قاله أبو الطيب وابن الصباغ وفيهما العظم ؟ ( قيل ) الفرق بينهما من وجهين ( أحدهما ) أن بقاء النوى في التمر من صلاح التمر ، لأنه إذا نزع منه النوى لا يدوم بقاؤه كما وفيه النوى ، وهذا الفرق جواب عن النوى والعظم معا ، والأول إنما يظهر في النوى . وأما العظم فزعم القاضي أبو الطيب وابن الصباغ أنه من مصلحة اللحم ، وفي ذلك نزاع ، فالجواب الثاني كاف فيه ، وقد قال أبو الطيب في مكان آخر : إن بقاء العظم في اللحم مفسدة وليس كذلك الشمع لأنه ليس من مصلحة العسل ( والثاني ) أن النوى والعظام غير مقصودين ولا قيمة لهما في الغالب ، ولهذا يرمى بهما ، فلم يجعل كأنه باع تمرا وشيئا آخر بتمر ، والشمع له قيمة فإذا بيع مع العسل كان ربا أو لحما وشيئا آخر بلحم ، وبهذين المعنيين فرقنا بين الجوز واللوز في قشريهما ، وبين العسل ، وذكر الإمام أيضا فرقا بين الشهد واللبن حيث جوزوا بيع اللبن باللبن وإن كان مشتملا على السمن والمخيض ، بأن الشمع غير مخامر للعسل في أصله ، فإن النحل ينسج البيوت من الشمع المحض ، ثم يلقي في خلله العسل المحض ، فالعسل متميز في الأصل ثم ينشار العسل بخلطه بالشمع بعض الخلط بالتعاطي والضغط ، وليس اللبن كذلك ، والله أعلم .

( فرع ) بيع الشمع بالعسل المصفى وغير المصفى جائز ، لأن الشمع ليس من أموال الربا . قاله القاضي حسين وغيره ، والله أعلم .

[ ص: 285 ] ومسألة الطعام المختلط بالتراب القليل منصوص عليها في كلام الشافعي كما تقدم ، وأطبق الأصحاب على ذلك ، والمراد به إذا كان التراب بحيث يظهر على المكيال فلا يمنع تماثل القدر . فأما إذا كان بحيث لو ميز ظهر نقصانه على المكيال فالبيع باطل ، سواء كان فيهما أو في أحدهما ، كما صرح به الإمام ووالده الشيخ أبو محمد والغزالي للتفاضل أو الجهل بالتماثل ، وعلة البطلان ههنا إما المفاضلة أو الجهل بالمماثلة خاصة ، ولا تعلق لذلك بقاعدة مد عجوة ، لأن التراب غير مقصود ، قال الإمام : ولو كان التراب منبسطا على صبرة انبساطا واحدا على تناسب فبيع صاع منها بصاع فالمماثلة محققة ولكن هذا غير موثوق به ، فإن التراب لا يبسط على تناسب واحد ، فإنه ينسل من خلل الحبات يطلب السفل ، ولذلك يكثر التراب في أسفل الصبرة . قال الإمام : ومن تمام البيان في ذلك النقصان ، فإن كان ما اشتمل عليه العقد بحيث لو ميز التراب منه لم يبن النقصان صح العقد . وإن ورد العقد على مقدار لو جمع ترابه لملأ صاعا أو أصعاء فالبيع باطل فإن استبعد من لم يحط بأصل الباب تجويز البيع في القليل ومنعه في الكثير لم يبال به والله أعلم .

ومثل التراب المختلط بالحنطة دقاق التبن كما قاله الشافعي رحمه الله والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وغيرهم ، ولا فرق في ذلك إذا كان التراب لا يؤثر في المكيال بين بيع بعضه ببعض ، وبين بيعه بالخالص عنه بينهما ، لأن المدرك كونه غير مؤثر في الكيل ولا مانع من المماثلة ، وذلك شامل للقسمين والله أعلم .

ومسألة الموزون المختلط بقليل من التراب منصوص عليها أيضا كما تقدم وممن صرح بها من الأصحاب ابن أبي هريرة وابن داود وأبو حامد وأبو الطيب والمحاملي والماوردي والقاضي حسين وجميع المتقدمين والمتأخرين ، ولم يفصل أحد منهم في ذلك إلا ما حكاه صاحب الاستقصاء عن صاحب الإفصاح أنه قال : إلا أن يكون الميزان كبيرا لا يؤثر فيه القراريط والدوانيق ، فهذا كالكيل ، وهذا التفصيل حسن ، فإنه إذا فرض أنه خالطه ما لا يظهر في الوزن كان كما لا يظهر في الكيل . ألا ترى أن موازين الذهب والفضة يظهر فيها الشيء اليسير الذي [ ص: 286 ] قد لا يظهر في ميزان الأرطال ؟ وميزان الأرطال يظهر فيها ما لا يظهر في القبان ولعل الأصحاب إنما أطلقوا ذلك اعتبارا بغالب الموازين ، ولا فرق في الموزون بين أن يكون نقدا كالدراهم والدنانير أو مطعوما كحب الرمان والسكر وشبهه ، قال الروياني : ولو باع الزعفران بالزعفران وزنا وفي إحدى الكفتين يسير تراب لا يجوز البيع والله أعلم . فصل المعجونات والمخلوطات بعضها ببعض حكمه حكم هذه المسائل في البطلان . ذكره الإمام والغزالي .



( فرع ) ذكره الماوردي وغيره العلس : بالعلس لا يجوز ، إلا بعد إخراجه من قشرته لجواز أن يكون قشر أحدهما أكثر من قشر الآخر ، وكذلك بيعه بالحنطة لا يجوز قبل تقشره لأنه صنف منها ، ولكن يجوز بيعه بالشعير لأنهما جنسان فأما بيع الأرز بالأرز قبل إخراجه من القشرة العليا لا يجوز كالعلس وبعد إخراجه من القشرة العليا وقبل إخراجه من الثانية الحمراء ، كان بعض أصحابنا يمنع من بيعه فيها بمثله ويجعل النصاب فيها عشرة أوسق كالعلس . وذهب سائر أصحابنا إلى أن هذه القشرة الحمراء الملاصقة به تجري مجرى أجزاء الأرز لأنه قد يطحن معها ويؤكل أيضا معها ، وإنما يخرج منها تناهيا في استطابته كما يخرج ما لصق بالحنطة من النخالة ، ونصابه في الزكاة خمسة أوسق كالحنطة مع قشرتها ، والله أعلم .

قال الروياني : والقول الثاني هو الصحيح عندي ولا يحتمل الوجه الآخر قال : والصحيح أنه يجوز بيع الأرز بالأرز في قشرته العليا أيضا ، لأنه من صلاحه ، ويدخر معه . وكذلك الباقلا بالباقلا في قشره يجوز ، وهو المذهب ( قلت ) أما قشره الأسفل فتصحيح الجواز فيه ظاهر وأما الأعلى فلا يمكن للجهل بالمماثلة وعدم إمكان كيله ، وإن كان رطبا فيزداد امتناعا ، وبيع الأرز بعد تنحية القشرة السفلى جائز ولا يبطل ادخاره بتنحيتها . قال ابن الرفعة : وجواز بيعه بغيره قبل زوال القشرة العليا يكون كبيع الحنطة في سنبلها ، لأنه مستور بما ليس بصائن له عن الفساد وهذه طريقة أبي حامد المحكية عن النص ( وقيل ) كالشعير يباع في سنبله .

[ ص: 287 ] واعلم أن الأرز يكون أولا في قشرته فتزال عنه القشرة العليا ثم ينضح بالملح فيزال عنه القشر الآخر وهو أحمر دقيق ، ويدخر بعد إزالتها فيجوز بيع بعضه ببعض إذا خلا عن الملح له تأثير في الكيل كما هو الغالب ، فلو فرض ، فيه ملح له أثر في المكيال امتنع والله أعلم .

( تنبيه ) قول الشافعي رضي الله عنه المتقدم في الأم : كل صنف من هذه خلط بغيره مما يقدر على تمييزه لم يجز بيع بعضه ببعض إلى آخره يفهم أنه إذا كان مما لا يقدر على تمييزه يجوز بيع بعضه ببعض ، وإن أثر في المكيال ، ولا خلاف في أن الخليط المؤثر في المكيال عند اتحاد الجنس مانع ، سواء قصد أم لا ، فالظاهر أن الشافعي رضي الله عنه أشار بذلك إلى ما يكون متصلا بالمأكول لا يمكن فصله كنوى التمر وقشر الجوز واللوز وما أشبه ذلك . والله أعلم .

فصل في أحاديث مرسلة تحتمل أن تكون من هذا الباب : روى أبو داود في كتاب المراسيل عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن بريد عن سليمان عن موسى قال " { مر رسول الله على رجل يبيع طعاما مغلوثا فيه شعير فقال : اعزل هذا من هذا ، وهذا من هذا ثم بع ذا كيف شئت ، فإنه ليس في ديننا غش } . وعن مكحول { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل يبيع الحنطة يخلط الجيد بالرديء فنهاه وقال : ميز كل واحد على حدة } المغلوث والغليث هو الطعام المغلوث والغليث الطعام الذي فيه المدر والزوان ، قال ذلك ابن سيده في محكمه .



وأما القسم الثاني ، وهو ما إذا خالط المبيع قليل تراب ، وكذلك دقاق التبن كما قال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب فإما أن يكون المبيع مكيلا أو موزونا فإن كان مكيلا لم يضر ، لأن التراب لا يظهر في الكيل لتحلله [ ص: 288 ] في شقوق الطعام فلا يمنع التماثل وإن كان موزونا لم يجز لظهور أثره في الميزان ومنعه من التماثل وذلك واضح .



( فرع ) لو تصارفا دينارا محموديا بدينار محمودي لم يجز لما فيه من الفضة ولو تصارفا دينارا محموديا بفضة جاز على الأصح ، وإن كان فيه فضة ، والفرق في أن بيع الدينار بالدينار المقصود هو المذهب ، والمماثلة شرط ، وما فيهما من الفضة يفوت العلم بها وفي بيع الدينار بالدرهم المقصود من أحد الجانبين الذهب ومن الآخر الفضة ، والمماثلة ليست بشرط في بيع الذهب بالفضة ، والفضة التي في الدينار قليلة غير مقصودة . فلا يعبأ بها ، قاله الخوارزمي في الكافي وهو ظاهر من القواعد التي قدمناها .



( فرع ) قال الشيخ أبو محمد في الجمع والفرق : إنه إذا باع الدينار الهروي بالهروي فهو باطل كما تقدم ، وإذا باعه بدرهم أو بدراهم فالبيع جائز ، وإن كان في كل جانب فضة مجهولة أو متفاضلة ، قال : والفرق أن الدينار إذا صار مقابلا بالدينار فالذهب هو المقصود في كل جانب ، ومماثلة الذهب مجهولة بسبب مخالطة الفضة ، أما إذا قوبل الدينار بالدرهم فالمقصود مقابلة الذهب الذي في الدينار بالفضة وهما جنسان ، ولا يعبأ بالفضة اليسيرة المختلطة بالدينار ، ومثله بيع الحنطة بالشعير وفيه حبات حنطة وهذا يلتبس على ما تقدم أنه إذا لم يكن الخليط مقصودا لا يضر وإن أثر في المعيار إذا كان بغير الجنس .



( فرع ) قال ابن داود شارح مختصر المزني : قول الشافعي في العسل ( وكذلك لو بيع كيلا ) قال : فيه كالدليل على أنه يجوز كيلا تارة ووزنا أخرى وهذا غريب فلما لم يوجد له نظير ( قلت ) ولعل الشافعي إنما قال ذلك لتردده : هل هو مكيل أو موزون ؟ على ما دل عليه قوله الذي حكيناه فيما تقدم عند قول المصنف : وإن كان مما لا أصل له بالحجاز .



( فرع ) تقييد الشافعي فيما تقدم من كلامه التراب الدقيق ، لأن الغالب أنه هو الذي لا يؤثر في الكيل لدخوله بين الحبات ، وهو يفيد أن الطين المخالط للقمح في العادة يمنع المماثلة ، وذلك قل أن يخلو عنه الطعام ، [ ص: 289 ] وكذلك إذا كان كثيرا أما المدر اليسير لو فصل لم يظهر على الكيل فهو كالتراب .



( فرع ) لو اجتمع في الحنطة شعير يسير لا يؤثر في الكيل ، وتراب قليل كذلك ، ويسير من التبن والقصل كذلك ، ولكن مجموعه يؤثر في الكيل كما هو العادة في الغلث ، فإنه إذا غربل ينقص في الكيل حسا فلا شك أن ذلك يؤثر فلا يجوز بيعه بالمغربل ، وأما بيعه بمثله من الغلث فمقتضى المذهب أنه لا يجوز أيضا .



( فرع ) العسل إذا قلنا بأنه مكيل كما هو قول أبي إسحاق وكان فيه شمع يسير يظهر أثره على المكيال ، هل يسامح به ؟ ينبغي أن يكون حكمه حكم الحنطة المختلطة بشعير يسير .



( فرع ) هذه الأشياء التبن والقصل والمدر ، والحصا والزوان والشعير يجب على المسلم إليه في الحنطة أن يسلمها نقية عن هذه الأشياء ، نص عليه الشافعي رضي الله عنه في باب السلف في الحنطة من الأم ، وسيأتي في السلم إن شاء الله تعالى .



( فرع ) يجوز بيع الجوز بالجوز واللوز باللوز ولا بأس بما عليهما من القشر لأن الصلاح يتعلق به . فصل في التنبيه على ألفاظ الكتاب الخالص " ما لم يخالطه غيره " والمشوب بفتح الميم وضم الشين - ما خالطه غيره ( وهو المغشوش ) والزوان هو حب أسود وصغار ، قال الشيخ أبو حامد وغيره وآخرون : حاد الطرفين غليظ الوسط ، وقال ابن باطيش : يشبه الرازيانج من الطعم ، يفسد الخبز ، وقال الروياني : هو الذي يسكر أكله ، وفيه ثلاث لغات حكاها القلعي وابن باطيش زؤان - بضم [ ص: 290 ] الزاي والهمز - قال القلعي : وهي أفصحها ، وزوان - الضم من غير همز وزؤان . قال الأزهري : قال أبو عبيد عن الفراء يقال : في الطعام قصل وزوان ، ومزمري ورعري وعفا منقوص وكل هذا مما يخرج منه فيرمى به ، والشمع قال ابن فارس : والشمع معروف وقد تفتح ميمه والفضة " زافت بزئبق " والقصل قال ابن داود : وهو ساق الزرع وقال الشيخ أبو حامد وأبو الطيب والقاضي حسين وخلائق لا يحصون : هو عقد التبن الذي يبقى في الطعام بعد تصفيته ، والشيلم وأحد طرفيه دقيق أصغر من الزوان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث