الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن باع صبرة طعام بصبرة شعير كيلا بكيل فخرجت متساويتين جاز وإن خرجتا متفاضلتين - فإن رضي صاحب الصبرة الزائدة بتسليم الزيادة - أقر العقد ووجب على الآخر قبوله لأنه ملك الجميع بالعقد وإن رضي صاحب الصبرة الناقصة بقدر صبرته من الصبرة الزائدة أقر العقد ، وإن تشاحا فسخ البيع لأن كل واحد منهما باع صبرته بجميع صبرة صاحبه على التساوي في المقدار وقد تعذر ذلك ففسخ العقد ) .

[ ص: 214 ]

التالي السابق


[ ص: 214 ] الشرح ) إذا باع صبرة بصبرة من غير جنسها مكايلة جاز البيع بلا خلاف وذلك واضح ، وإن خرجتا متفاضلتين ، قال القاضي أبو الطيب والمصنف والمحاملي وابن الصباغ والروياني وغيرهم : إن تبرع صاحب الصبرة الزائدة بالزيادة جاز البيع ، قال المصنف - رحمه الله - ومن تبعه : ووجب على الآخر قبوله وعلته ما ذكره المصنف ، وهي مصرحة أنه ملك الجميع بالعقد ، وذلك لأن العقد ورد على الجميع كما تقدم للتنبيه عليه غير مرة ، ولكنه فات على كل منهما غرض . أما بائع الصبرة الثانية فلأنه أورد العقد على أن تكون مساوية للصبرة الأخرى وقد فات عليه ذلك ، وفوات الشرط لا يقتضي فساد العقد ، وإنما يثبت الخيار أيضا ومسامحة كل منهما تحصل لغرض الآخر الذي وقع العقد عليه فيسقط خياره . وبهذا المعنى الذي ذكره المصنف ، وهو أنه ملك الجميع بالعقد فارق ذلك مسألة الإعراض بالنقد فإن فيها خلافا في وجوب القبول ، ومسألة إذا ترك البائع حقه للمشتري في الثمار المختلطة فإن المتروك في كل من المسألتين ملك البائع ، فإن في كل من المسألتين إذا قلنا بالإجبار على القبول أجبرناه على قبول ما لم يكن في ملكه بخلاف مسألتنا هنا والله أعلم .

وإن امتنع ورضي صاحب الصبرة الناقصة بأن يأخذ بقدرها من الصبرة الزائدة جاز البيع لما تقدم ، وإن تمانعا فسخ البيع بينهما لا لأجل الربا ، ولكن لأن كل واحد منهما باع صبرته بجميع صبرة صاحبه ، على أنهما سواء في المقدار فإذا تفاضلا وتمانعا وجب فسخ البيع بينهما ، هذه علة القاضي أبي الطيب والمصنف ، ومقتضى ما قدمته آنفا أن يثبت لكل منهما خيار الخلف ، فإن فسخ أحدهما البيع فذاك ، وإن أصرا على الطلب والمنازعة فسخ بينهما كما يفسخ في التخالف ، وقال صاحب التهذيب فيما إذا خرجتا متفاضلتين : فيه قولان ( أصحهما ) يجوز فإن جوزناه فالزيادة غير مبيعة ولمشتريها الخيار ، هكذا قاله صاحب التهذيب وذلك موافق لما قاله فيما إذا قال : بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم ، كل صاع بدرهم فخرجت بخلافه . والرافعي - رحمه الله تعالى - أتى بعبارة مشكلة فقال : إنه لو باع صبرة [ ص: 215 ] حنطة بصبرة شعير صاعا بصاع أو بصاعين فالحكم كما لو كانتا من جنس واحد . ومقتضى ذلك أنه إن خرجتا متساويتين صح ، وإن خرجتا على خلاف ما يقتضيه التوزيع فعلى القولين المتقدمين في الجنس الواحد وفيه نظر ، البطلان هناك مأخذه التفاضل في الجنس الواحد ، ولعل مراده ما قاله صاحب التهذيب بالقولين ، وأنه ناقل الجملة كما تقدم عن صاحب التهذيب ، فيما إذا قال : بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم كل صاع بدرهم ، فإن فيه قولين ( أصحهما ) عند صاحب التهذيب البطلان لأنه باع جملة الصبرة بالعشرة بشرط مقابلة كل صاع منهما بدرهم ، والجمع بين هذين الأمرين عند الزيادة والنقصان محال وهذا حاصل هاهنا ولا يظهر فرق في ذلك بين أن يكون الدين معينا أو في الذمة ، ولا بين أن يكون نقدا أو غيره ، وهذه العلة التي جعلها صاحب التهذيب علة للبطلان هي بعينها علة المصنف والقاضي أبي الطيب في الفسخ .

والذي ينبغي التفصيل بين أن يقع ذكر الكل في معرض الشرط ، أو في معرض تفصيل الثمن ، فإن خرج مخرج تفصيل الثمن كقوله : بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة كل صاع منها بصاع منها ، فهذا تفصيل الثمن والصفقة تتعدد به ، فيكون الكلام متضمنا لعقدين متضادين ( أحدهما ) مقابلة المجموع بالمجموع ( والثاني ) المقابلة التفصيلية ، فيتجه هنا البطلان كما قاله صاحب التهذيب . وإن خرج مخرج الشرط مثل أن يقول : بعتك هذه الصبرة ، على أن كلا منهما عشرة آصع مثلا ، فيتجه هنا ما قاله المصنف والقاضي أبو الطيب لأنه ليس هنا إلا صفقة تضمنت شرطا وقد أخلف فيثبت الخيار كما تقدم وفيه نبه النووي على ذلك مستدركا على الرافعي فنقل ما قاله المصنف والقاضي عن أكثر أصحابنا ، وأما كونه يفسخ بينهما عند التمانع فنظيره إذا اشترى ثمرة ولم يأخذها حتى حدثت ثمرة أخرى واختلطت ولم تتميز على أحد القولين إذا تشاحا يفسخ الحاكم البيع بينهما .



[ ص: 216 ] فرع ) ذكره القاضي حسين مع المسائل المتقدمة وأطلقه ويتعين ذكره هنا وحمله على الجنس بما يخالفه إذا قال : بعت منك هذه الصبرة بهذه الصبرة على عشرة أقفزة ، فخرجت عشرة أقفزة جاز العقد ، وإن خرجت أحد عشر هل يجوز العقد أو لا ؟ فيه قولان بناء على الإشارة والعبارة ( إن قلنا ) لا يصح فلا كلام ( وإن قلنا ) يصح في العشرة فالقدر الزائد لمن يكون ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) أنه للمشتري لأنا غلبنا الإشارة ( والثاني ) أنه للبائع ، لأن المشتري قد سلم له المبيع المسمى في العقد ( إن قلنا ) إن الزيادة للمشتري فهل يثبت للبائع الخيار في فسخ البيع أو لا ؟ ( الصحيح ) لا ، لوجود التفريط من جهته في ترك المكايلة وفيه وجه آخر أن له الخيار وإن قلنا : الزيادة للبائع فهل للمشتري الخيار ؟ فيه وجهان ظاهران ( أحدهما ) نعم ، لأنه لم يسلم له جميع الصبرة ( والثاني ) لا ، لأنه سلم له ما صرح به في العقد وهو عشرة أقفزة ، فأما إذا خرجت تسعة ، ففي صحة العقد قولان ( إن قلنا ) يصح ثبت للمشتري الخيار في فسخ العقد دون البائع ، فإن فسخ فلا كلام ، وإن أجاز فبكم يجيز ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) بحصته من الثمن ( والثاني ) بجميع الثمن - هذا كلام القاضي حسين والله أعلم ( فرع ) مفهوم كلام الشافعي رضي الله عنه المتقدم ، وقوله : إنما يكون الخيار فيما نقص فيما لا ربا فيه ، يقتضي أنه إذا باع صبرة بغير جنسها سواء كان طعاما أو دراهم أو غير ذلك مكايلة ، فخرجت إحداها ناقصة أنه يصح ، ويثبت الخيار ، وذلك مخالف لما صححه صاحب التهذيب من البطلان إذا قال : بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم فخرجت ناقصة أو زائدة ، والله تعالى أعلم .



( فرع ) لو باع إناء فضة بدينار ، على أن وزنه مائة فتفرقا ، وكان وزنه تسعين ، قال الروياني في البحر : فللمشتري الخيار ، قال : وإن كان زائدا فلا خيار له وهل للبائع الخيار ؟ إذا قال : عندي أن الوزن مائة فإن كذبه المشتري وكان عالما به فلا خيار ، وإن صدقه يحتمل وجهين ، وإن باعه وأخبر أن وزنه مائة لا على طريق الشرط فزاد أو نقص فلا خيار .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث