الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 189 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( فصل واللحم الأحمر والأبيض جنس واحد ، لأن الجميع لحم ، واللحم والشحم جنسان واللحم والألية جنسان والشحم والألية جنسان واللحم والكبد جنسان والكبد والطحال جنسان ، واللحم والكلية جنسان ، لأنها مختلفة الاسم والخلقة ) .

التالي السابق


( الشرح ) الكلام في هذا الفصل في اللحم الذي تختلف صفته ، وفي أعضاء الحيوان الواحد ( فأما ) اللحم المختلف الصفة فإنه لا أثر لاختلاف الصفة فيه ، قال الشيخ أبو حامد : لا خلاف على القولين أن اللحم الأبيض السمين واللحم الأحمر جنس واحد . يعني إن قلنا إن اللحم جنس واحد فذلك جنس واحد ، سواء كان من حيوان واحد أم من حيوانين .

( وإن قلنا ) إنهما جنسان ، فإذا انقسم لحم الجنس الواحد إلى أبيض وأحمر كان جنسا ، ولا أثر للاختلاف في هذا الوصف ، أما إذا كان الأبيض من جنس والأحمر من جنس آخر فلا شك أنهما جنسان على القول بأن اللحوم أجناس ، لاختلاف أصليهما وصفتيهما ، وقد أطبق الأصحاب على أن اللحم الأحمر والأبيض جنس . وسنذكر خلافا عن الماوردي في أن ما حمله الظهر من جنس الشحم أولا ومقتضى قول من يجعله جنس الشحم أن يقول بأنه مخالف للحم ، وذلك اختلاف في حقيقته هل هو لحم أبيض أو شحم مع الاتفاق على حكم التسمية ؟



( وأما ) أعضاء الحيوان كالكرش والكبد والطحال والقلب والرئة ففيها طريقان ( أشهرهما ) أنا إذا قلنا اللحوم أجناس فهذه أولى لاختلاف أسمائها وصفاتها .

( وإن قلنا ) إنها جنس واحد فوجهان ، لأن من حلف ألا يأكل اللحم لا يحنث بأكل هذه الأشياء على الصحيح . وهذا كالخلاف في أن لحم السمك أجناس أو هو جنس كسائر اللحم . هكذا عبر الرافعي عن هذه الطريقة . وعبر الإمام عنها بأنا إن قلنا : اللحوم جنس واحد فكل ما حنث به الحالف على الامتناع من أكل اللحم فهو من جنس اللحمان وفيما لا حنث بأكله وجهان كالوجهين في اللحم الذي مع لحوم الحيتان ، والكلامان راجعان إلى معنى واحد ،فالرافعي كأنه بنى [ ص: 190 ] كلامه على أن الحالف على اللحم لا يحنث بهذه . وحكى الخلاف مع ذلك ورجع إلى ما قاله . وإن شئت جعلت الخلاف مرتبا فنقول ( إن قلنا ) إنها جنس فإن قلنا يحنث الحالف على اللحم بها فهي جنس ( وإن قلنا ) لا يحنث ففي المجانسة وجهان كالسمك مع اللحم . والطريقة الثانية وكلام المصنف أقرب إلى الطريقة الأولى مع عدم حكاية الخلاف ، فكأنه جزم بالاختلاف على القولين ، أو رجح القول بالاختلاف في هذه على القول بأن اللحوم جنس واحد ، فلو تحقق من المصنف الجزم بذلك كان ذلك طريقة ثالثة في المسألة ، وهو الجزم بأنها أجناس على القولين ، والطريقة الثانية عن القفال .

قال الإمام وهذه الطريقة رديئة لم أرها إلا لشيخنا حكاها عن القفال . قال : فلا أعدها من المذهب فإنا إن جعلنا اللحوم جنسا واحدا فهذه الأشياء مجانسة لها ، وإن جعلناها أجناسا فوجهان لاتحاد الحيوان وصار كلحم الظهر مع شحمه قال الرافعي : وكيفما قرر فظاهر المذهب ما قاله المصنف ، فتذكر الأعضاء كما ذكرها المصنف مفصلة ، وما ذكره معها مما يشبه الأعضاء ، وإن كان لا يسمى عضوا ونتكلم في ذلك على ترتيبه . أما اللحم والشحم فجنسان ، سواء كانا من حيوان واحد أو من حيوانين مختلفي الجنس . وإن قلنا : اللحوم جنس واحد لاختلاف اسميهما فإن لكل منهما اسما يخصه ، ومع اختلاف الاسم الخاص لا أثر لاتحاد الجنس المأخوذ منه أو اختلافه ، وهذا لا خلاف فيه أيضا على ما اقتضاه كلام الشيخ أبي حامد . وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ : إنه نص عليه في رواية حرملة ، قال هو والمحاملي وابن الصباغ : وأراد به الشحم الذي في الجوف فأما الذي على جنب البهيمة فالظاهر أنه لحم أبيض وليس بشحم ، وممن جزم به من الخراسانيين أيضا القاضي حسين . واعلم أن الكلام في شحم الظهر والجنب شيء واحد والأصح أنهما من جنس اللحم لاحتكارها عند الهزال . وقيل من جنس الشحم لقوله تعالى [ ص: 191 ] { حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما } ) وأما شحم البطن فمغاير للحم بلا خلاف وشحم العين جزم به الشافعي - رحمه الله - في أول كلامه في الأيمان بأنه كشحم البطن . ثم حكى فيه وجهين في آخر كلامه . قال صاحب التهذيب : ويجوز بيع شحم البطن بشحم الظهر ولحمه متفاضلا وجزافا ورطبا ويابسا لأنهما جنسان ، وتابعه الرافعي على ذلك ، وجزم في الربا بكونهما جنسين ولك أن تقول : يتعين أنهما جنس واحد ، وهو الخلاف الذي تقدم وسيأتي عن الماوردي . وذكروا وجها في الأيمان عن أبي زيد أن الحالف إن كان عربيا فشحم الظهر شحم في حقه لأنهم يعدونه شحما ، وإن كان عجميا فهو لحم في حقه ، وهذا الوجه لا يظهر جريانه في الربا ، لأن الجنسية في الربا ليست راجعة إلى فهم المتعاقدين والله أعلم .

وكذلك اللحم والألية جنسان على الصحيح من المذهب ، ونقله المحاملي عن الأصحاب وهو الذي أورده الصيمري وصاحب التهذيب . وعلل القاضي حسين الوجه الآخر بأن الألية لحم إلا أنه سمين ، فأشبه لحم الظهر ولحم الجنب ، وهذا ضعيف ، والشحم والألية جنسان جزم به في التهذيب . وقال الجرجاني في الشافي : إنه لا خلاف في ذلك . وقال القاضي حسين : إن الخلاف فيها كاللحم والألية ، ونقل صاحب الذخائر بعدما حكى قول الأصحاب في الألية مع اللحم والشحم احتمال الإمام عن أبي بكر الشاشي أنه حكى طريقين في الألية مع اللحم والشحم ( أحدهما ) أنه على الوجهين المذكورين ( والثاني ) أنها من اللحم قولا واحدا ، والأصح على ما ذكره الرافعي في الأيمان أن الألية ليست بلحم ولا شحم . وقيل لحم ، وقيل شحم .

( أما ) الشحوم وحدها هل هي أجناس أو جنس واحد ؟ فيها قولان كاللحوم . قاله الماوردي . قال : ولكن هل تكون الألية وما حمله الظهر صنفا من الشحم أم لا ؟ فعلى وجهين ( أحدهما ) أنها من جملة الشحم ، وهو قول مالك ( والثاني ) أنها أصناف مختلفة - وهو قول أبي حنيفة - ولتوجيه ذلك موضع من كتاب الأيمان ، واللحم والكبد جنسان على ما قاله الرافعي في الأيمان ، قال [ ص: 192 ] صاحب البيان : فكل واحد من هذه الأجناس يجوز بيعه بالجنس الآخر متفاضلا .

( فرع ) وهو أصل : قال الإمام لما تكلم في هذه الأشياء : القول في هذا يستدعي تقديم أمر إلى أصل في الأيمان ، إذا قال الرجل : والله لا آكل اللحم فالذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أنه لا يحنث بأكل الكبد والكرش والطحال والمعاء والرئة ، فإنها لا تسمى لحما . وحكى الشيخ أبو علي عن أبي زيد المروزي قولين ( أحدهما ) هذا ( والثاني ) يحنث فإنها في معنى اللحم ، وهذا بعيد لم أره لغيره ، ولم يختلف الأصحاب في أن من حلف لا يأكل اللحم لم يحنث بأكلها ، ولست أعني سمين اللحم ، فإنه معدود من اللحم ، اتفق عليه من نقلوه .

( وأما ) القلب ، فقد قطع الصيدلاني وغيره من المراوزة بأنه لحم ، وذكر العراقيون أنه كالكبد والذي قاله محتمل والكلمة عندي في معنى القلب والألية لم يعدها المحققون من اللحم ولا من الشحم ، وهذا فيه احتمال عندي ، فيشبه أن يقال : هو كاللحم السمين يجمع للصائر على موضع مخصوص ، فإذا ثبت ما ذكرناه من حكم الأيمان ، واستقصاؤه يحال على موضعه ، عدنا إلى غرضنا



( فرع ) قال الماوردي : فأما البيض فنوعان بيض طير وبيض سمك فبيض الطير لا يكون صنفا من لحم الطير ، لأن البيض أصل الحيوان فلم يجز أن يكون صنفا من اللحم الذي هو فرع للحيوان ، فعلى هذا إذا قيل اللحمان أصناف فالبيض أولى أن يكون أصنافا ، وإذا قيل : هذا صنف واحد ففي البيض وجهان ( وأما ) بيض السمك فهل يكون نوعا من لحم السمك ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) أنه صنف غيره كما أن بيض الطير صنف غير لحمه ( والثاني ) أنه نوع من لحم السمك ، يؤكل معه حيا وميتا ، وسيأتي الكلام في البيض في آخر الباب عند ذكر المصنف له ، والأصح من الوجهين المذكورين في بيض الطيور أنه أجناس .

( فرع ) صفرة البيض وبياضه جنس واحد ، لا يجوز بيع بعضه ببعض هكذا قال الروياني .



[ ص: 193 ] فرع ) بيع البيض المقلي بالمقلي أو المقلي بغير المقلي ، قال الروياني : فيه وجهان ( أحدهما ) لا يجوز لتغيره عن حال الكمال ، ولدخوله النار ( والثاني ) يجوز لأنه بالمقلي لم يخرج عن حال الإدخار والنار لا تنقص ، منه شيئا ( قلت ) إن كان فرض المسألة في المنزوع القشر فلا يجوز بيع بعضه ببعض ، وإن كان بقشره فلا يسمى مقليا . فلينظر ا هـ .



والكبد والطحال جنسان ، قاله المصنف وصاحب البيان ، والفؤاد صنف آخر قاله الماوردي . وكذلك المخ والدماغ والكرش والمصران ، كل واحد منها صنف أيضا ، وقال القاضي حسين : إن الكرش والمصران كاللحم مع الشحم ، يعني فيكونان جنسين كما قال الماوردي ، وكذلك اللسان صنف آخر ، قاله الروياني ، والقلب والألية ، قال القاضي حسين : قد قيل : فيهما وجهان ، لأنهما يسميان لحما ، وجزم صاحب التهذيب أن القلب والرئة واللحم أجناس مختلفة وهو الأصح في الرافعي في الأيمان ، والمخ مع هذه الأشياء جنس آخر ، قال الإمام والرافعي وغيرهما ، وكذا الجلد جنس آخر قاله الرافعي ، واستدرك عليه في الروضة فقال : المعروف أن الجلد ليس ربويا ، فيجوز بيع جلد بجلود وبغيرها فلا حاجة إلى قوله : إنها جنس آخر .

( قلت ) ويمكن حمل كلام الرافعي على الجلد الذي يؤكل كجلد السميط فإنه مأكول فكيف لا يكون ربويا ؟ وقد صرح صاحب التلخيص بجواز بيع اللحم المسموط في جلده ، وقد قال الماوردي : إنه إذا باع اللحم الذي عليه جلد يؤكل كجلد الحدأ والدجاج بمثله ففيه وجهان كالعظم ، وقال في الرونق المنسوب لأبي حامد الجلود مما اختلف قول الشافعي فيه هل نوع أو أنواع فيصح ما قاله الرافعي ويظهر أنه إذا باع اللحم مع جلده المأكول بلحم كان من قاعدة مد عجوة وصورة المسألة إذا كان اللحم يابسا والله أعلم .

ورأيت في البحر للروياني ما هو أغرب من هذا ، قال إذا باع جلد الغنم بجلد البقر متفاضلا هل يصح ؟ يحتمل قولين بناء على القولين في اللحمان ، وهذا لا يمكن تأويله على ما حملنا عليه كلام الرافعي ، وهو يدل على أنه يعتقد أن الجلد ربوي ، وأنه لو باعه بجلد من جنسه لم يجز التفاضل قولا [ ص: 194 ] واحدا وهو عجيب ، والذي قاله النووي هو الأقرب ، وفي شحم الظهر مع شحم البطن وجهان ، قاله الرافعي وسنام البعير مع شحم ظهره وشحم بطنه جنسان قاله صاحب التهذيب والرافعي ، وكلام الرافعي يحتاج إلى تأمل حتى ينزل على ذلك ، وكلام التهذيب صريح ، ولحم الرأس والأكارع من جنس اللحم قاله الرافعي . وفي الأكارع احتمال عند الإمام ، قال : إن الأئمة قطعوا بذلك ، ثم قال : ولا اعتراض في الاتفاق ، فلعل ذلك من جهة أنه يؤكل أكل اللحم ، وإلا فالظاهر عندي أن القصبة المفردة ليست لحما ، والذي قاله البغوي أن في لحم الرأس والخد واللسان والأذرع طريقين ( أصحهما ) يحنث بأكلهما إذا حلف أن لا يأكل اللحم ( والثانية ) على وجهين فيكون ما قاله في الربا جريا على أحد الطريقين ، قال الإمام : والعظم لا شك أنه ليس بلحم ، الصلب منه والمشاشي والغضروفي ، وقد علل المصنف ذلك كله بأنها مختلفة الاسم والخلقة ، وهي علة شاملة ، غير أنه لم يتقدم في ضابطه إلا اختلاف الاسم ( وأما ) اختلاف الخلقة فلم ينبه عليه فيما تقدم .

( فرع ) قد تقدم أن الشحوم جنس غير اللحم ، وفي الشحوم نفسها قولا كاللحم ، حكاهما الماوردي قال : وهل الألية وما حمله الظهر صنفان من الشحم ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) نعم ، وهو قول مالك ( والثاني ) أنها أصناف مختلفة غير الشحم وهو قول أبي حنيفة



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث