الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب الثاء مع الواو

( ثوب ) ( هـ ) فيه : إذا ثوب بالصلاة فائتوها وعليكم السكينة التثويب هاهنا : إقامة الصلاة . والأصل في التثويب : أن يجيء الرجل مستصرخا فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر ، فسمي الدعاء تثويبا لذلك . وكل داع مثوب . وقيل إنما سمي تثويبا من ثاب يثوب إذا رجع ، [ ص: 227 ] فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة ، وأن المؤذن إذا قال حي على الصلاة فقد دعاهم إليها ، وإذا قال بعدها الصلاة خير من النوم فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها .

( هـ ) ومنه حديث بلال : " قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أثوب في شيء من الصلاة إلا في صلاة الفجر " وهو قوله : الصلاة خير من النوم ، مرتين .

( هـ ) ومنه حديث أم سلمة رضي الله عنها : " قالت لعائشة : إن عمود الدين لا يثاب بالنساء إن مال " أي لا يعاد إلى استوائه ، من ثاب يثوب إذا رجع .

* ومنه حديث عائشة رضي الله عنها : " فجعل الناس يثوبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم " أي يرجعون .

( هـ ) وفي حديث عمر رضي الله عنه : " لا أعرفن أحدا انتقص من سبل الناس إلى مثاباته شيئا " المثابات : جمع مثابة وهي المنزل ; لأن أهله يثوبون إليه : أي يرجعون . * ومنه قوله تعالى : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس أي مرجعا ومجتمعا . وأراد عمر : لا أعرفن أحدا اقتطع شيئا من طرق المسلمين وأدخله داره .

* ومنه حديث عائشة رضي الله عنها ، وقولها في الأحنف : " ألي كان يستجم مثابة سفهه ؟ " .

* وحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه : " قيل له في مرضه الذي مات فيه : كيف تجدك ؟ قال : أجدني أذوب ولا أثوب " أي أضعف ولا أرجع إلى الصحة .

* وفي حديث ابن التيهان : أثيبوا أخاكم أي جازوه على صنيعه . يقال : أثابه يثيبه إثابة ، والاسم الثواب ، ويكون في الخير والشر ، إلا أنه بالخير أخص وأكثر استعمالا .

( ه س ) وفي حديث الخدري : لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ، ثم ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها قال الخطابي : أما أبو سعيد فقد استعمل الحديث على ظاهره ، وقد روي في تحسين الكفن أحاديث ، قال وقد تأوله بعض العلماء على المعنى ، وأراد به الحالة التي يموت عليها من الخير والشر ، وعمله الذي يختم له به . يقال فلان طاهر الثياب : إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب . وجاء في تفسير قوله تعالى : وثيابك فطهر [ ص: 228 ] أي عملك فأصلح . ويقال فلان دنس الثياب إذا كان خبيث الفعل والمذهب . وهذا كالحديث الآخر يبعث العبد على ما مات عليه قال الهروي : وليس قول من ذهب به إلى الأكفان بشيء ، لأن الإنسان إنما يكفن بعد الموت .

( س ) وفيه : من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة أي يشمله بالذل كما يشمل الثوب البدن ، بأن يصغره في العيون ويحقره في القلوب .

( س ) وفيه : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور المشكل من هذا الحديث تثنية الثوب ، قال الأزهري : معناه أن الرجل يجعل لقميصه كمين ، أحدهما فوق الآخر ليري أن عليه قميصين ، وهما واحد . وهذا إنما يكون فيه أحد الثوبين زورا لا الثوبان . وقيل : معناه أن العرب أكثر ما كانت تلبس عند الجدة والقدرة إزارا ورداء ، ولهذا حين سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد قال : أوكلكم يجد ثوبين ؟ وفسره عمر رضي الله عنه بإزار ورداء ، وإزار وقميص وغير ذلك . وروي عن إسحاق بن راهويه قال : سألت أبا الغمر الأعرابي - وهو ابن ابنة ذي الرمة - عن تفسير ذلك فقال : كانت العرب إذا اجتمعوا في المحافل كانت لهم جماعة يلبس أحدهم ثوبين حسنين ، فإن احتاجوا إلى شهادة شهد لهم بزور ، فيمضون شهادته بثوبيه . يقولون : ما أحسن ثيابه ؟ وما أحسن هيئته ؟ فيجيزون شهادته لذلك ، والأحسن فيه أن يقال : المتشبع بما لم يعط : هو أن يقول أعطيت كذا ، لشيء لم يعطه ، فأما أنه يتصف بصفات ليست فيه ، يريد أن الله منحه إياها ، أو يريد أن بعض الناس وصله بشيء خصه به ، فيكون بهذا القول قد جمع بين كذبين : أحدهما اتصافه بما ليس فيه وأخذه ما لم يأخذه ، والآخر الكذب على المعطي وهو الله تعالى أو الناس . وأراد بثوبي الزور هذين الحالين اللذين ارتكبهما واتصف بهما . وقد سبق أن الثوب يطلق على الصفة المحمودة والمذمومة ، وحينئذ يصح التشبيه في التثنية ، لأنه شبه اثنين باثنين . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث