الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( ويجوز الصيد بالجوارح المعلمة كالكلب والفهد والبازي والصقر لقوله تعالى { أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم } وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هي الكلاب المعلمة والبازي وكل طائر يعلم الصيد والمعلم هو الذي إذ أرسله على الصيد طلبه وإذا أشلاه استشلى فإذا أخذ الصيد أمسكه وخلى بينه وبينه فإذا تكرر منه ذلك كان معلما وحل له ما قتله )

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) هذا الأثر عن ابن عباس رواه البيهقي عنه بإسناد ضعيف . لأنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ولم يدرك ابن عباس وإنما روى التفسير عن مجاهد عن ابن عباس ، وقد ضعفه أيضا الأكثرون . قال الشافعي والأصحاب : يجوز الاصطياد بجوارح السباع المعلمة ، كالكلب والفهد والنمر وغيرها ، وبجوارح الطير كالنسر والبازي والعقاب والباشق والشاهين وسائر الصقور وسواء في الكلاب الأسود وغيره ، ولا خلاف في شيء من هذا عندنا إلا وجها لأبي بكر الفارسي من أصحابنا أن صيد الكلب الأسود حرام ، حكاه الروياني والرافعي وغيرهما ، وهو ضعيف . بل باطل ( وأما ) قول الغزالي في الوسيط فريسة الفهد والنمر حرام فغلط مردود ، وليس وجها في المذهب ، بل لها حكم الكلب في الاصطياد بلا خلاف ، نص عليه الشافعي في مختصر المزني وجميع الأصحاب في جميع الطرق ، وكلهم صرحوا بالفهد والنمر وأنها كالكلب ، وهذا نص الشافعي [ ص: 107 ] رحمه الله - في المختصر قال : كل معلم من كلب وفهد ونمر . وهكذا عبارة جميعهم . ( وأما ) استبعاد الغزالي تعلمها فلا يقبل ، لأن الاصطياد بالفهود المعلمة كثير مشهور مشاهد ، والنمر إذا أخذ صغيرا تيسر تعليمه فحصل أنه خلاف في جوازه ، وأن الكلب والنمر في هذا سواء ، قال الرافعي : ذكر إمام الحرمين أن الفهد يبعد عنه التعليم لأنفته وعدم انقياده ، فإن تصور تعلمه على ندور فهو كالكلب . قال الرافعي : وهذا الذي قاله الإمام لا يخالف ما قاله الشافعي والأصحاب ، قال : وفي كلام الغزالي ما يوهم خلاف هذا قال : وهو مجهول على ما ذكره الإمام ، قال : ولا خلاف فيه والله أعلم .

                                      قال أصحابنا : والمراد بجواز الاصطياد بهذه الجوارح أن ما أخذته وجرحته وأدركه صاحبها ميتا أو في حركة المذبوح ، أو لم يتمكن من ذبحه ، حل أكله ، ويقوم إرسال الصائد وجرح الجارح في أي موضع كان مقام الذبح في غير الصيد ، قالوا : وأما الاصطياد بمعنى إثبات الملك فلا يختص بها ، بل يحصل بأي طريق تيسر ، سواء كان بكلب معلم أو غير كلب ، ولكن لا يحل ما قتله غير المعلم ، وإنما يحل إذا ذكى ، وفيه حياة مستقرة ، قال أصحابنا : ويشترط لحل ما قتله الجارح كونه معلما ، وشرط تعليمه أربعة أمور : ( أحدها ) أن ينزجر بزجر صاحبه ، هكذا أطلقه المصنف والجمهور ، وهو المذهب . وقال إمام الحرمين : يعتبر ذلك في ابتداء الإرسال ( وأما ) إذا انطلق واشتد عدوه ففي اشتراطه ( أصحهما ) يشترط كما قاله الجمهور ( الشرط الثاني ) أن يسترسل بإرساله ، ومعناه أنه إذا أغري بالصيد هاج .

                                      ( الثالث ) أن يمسك الصيد فيحبسه على صاحبه ولا يخليه .

                                      ( الرابع ) أن لا يأكل منه ، هذا هو [ ص: 108 ] المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور ، وهو المعروف من نصوص الشافعي ، وفيه قول شاذ إنه لا يضر الأكل حكاه الرافعي وليس بشيء . وذكر إمام الحرمين أن ظاهر المذهب أنه يشترط أن ينطلق أيضا بانطلاق صاحبه ، وأنه لو انطلق بنفسه لم يكن معلما ، ورآه الإمام مشكلا من حيث إن الكلب على أي صفة كان ، إذا رأى صيدا بالقرب منه وهو على كلب الجوع يبعد انكفافه . هذا حكم الكلب وما في معناه من جوارح السباع ( وأما ) جوارح الطير فيشترط فيها أن تهيج عند الإغراء أيضا ، ويشترط ترك أكلها من الصيد على المذهب وبه قطع المصنف وكثيرون وحكى إمام الحرمين والخراسانيون فيه قولين ( قال ) الإمام : ولا نطمع في انزجارها بعد الطيران ( قال ) ويبعد أيضا اشتراط انكفافها في أول الأمر ، والله أعلم .

                                      ( فرع ) قال المصنف والأصحاب : هذه الأمور المشترطة في التعلم يشترط تكررها ، ليغلب على الظن تأدب الجارحة ، ومصيرها معلمة . والرجوع في عدد ذلك إلى أهل الخبرة بالجوارح ، هذا هو المذهب ، قال الرافعي : وهو مقتضى كلام الجمهور ، وفيه وجه أنه يشترط تكرر ثلاث مرات ، ووجه ثالث أنه يكفي مرتان ، والصحيح الأول .

                                      ( فرع ) في مذاهب العلماء . ذكرنا أن مذهبنا جواز الاصطياد بجميع الجوارح المعلمة من السباع والطير ، كالكلب الأسود وغيره ، والفهد والنمر ، والبازي والعقاب والصقور كلها ، قال العبدري : وبهذا قال أكثر الفقهاء ( قال ) وعن ابن عمر ومجاهد أنهما كرها صيد البازي وغيره من الطيور ، وقال الحسن البصري والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق : يجوز بذلك كله إلا الكلب الأسود البهيم ، قال ابن المنذر : قال أحمد : ما أعلم أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما ، قال ابن المنذر : وقال عوام أهل العلم من أهل المدينة [ ص: 109 ] وأهل الكوفة بإباحة صيد الكلب الأسود كغيره ، وممن روى عنهم البيهقي جواز كل صيد الطيور كالصقور : سلمان الفارسي وابن عباس وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ، حكاه أبو الزناد عن فقهاء المدينة الذين ينتهي إلى قولهم ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس وطاوس وعطاء ويحيى بن أبي كثير والحسن البصري ومالك وأبي حنيفة وأبي ثور ومحمد . واحتج لابن عمر ومجاهد بقوله تعالى { وما علمتم من الجوارح مكلبين } فخصه بالكلاب .

                                      واحتج أصحابنا للحسن وموافقيه بحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم { أمر بقتل الكلاب ، ثم نهى عن قتلها وقال : عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان } رواه مسلم في صحيحه . واحتج أصحابنا بقوله تعالى : { وما علمتم من الجوارح مكلبين } قالوا : والجوارح تطلق على السباع والطيور . والجارحة الكاسب ، فكل كاسب منها جارحة ، قال الجوهري في الصحاح : الجوارح من السباع والطير ذوات الصيد ، وبهذه الحروف قال ابن فارس في المجمل وجماهير أهل اللغة ، قال الواحدي في البسيط : الجوارح هي الكواسب من الطير والسباع ذوات الصيد ، واحدها جارحة ، والكلب الضاري جارحة ، سميت جوارح لأنها كواسب أنفسها ، من جرح واجترح إذا اكتسب ، قال ابن عباس : يريد الطير الصائدة ، والكلاب والفهود وسباع الطير ، كالشواهين والبواشق والعقبان ، فما اصطادت هذه فهو حلال . قال الواحدي : قال الليث : سئل مجاهد عن الصقر والبازي والفهد وما يصطاد من السباع فقال : هذه كلها جوارح ، قال الواحدي : وهذا قول جميع المفسرين إلا ما روي عن ابن عمر والضحاك أنهما قالا : الجوارح الكلاب دون غيرها . قالا : وما صاد غير الكلاب ولم يدرك ذكاته لم يحل ، ومثله عن السدي ، قال الواحدي : وهذا قول غير معمول [ ص: 110 ] به قال : وقوله تعالى ( مكلبين ) للكلب : الذي يعلم الكلاب الصيد ، قال الواحدي قال أهل المعاني : وليس فيه دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة ، لأنه بمنزلة قولك : مؤدبين . هذا آخر نقل الواحدي ، فهذا الذي ذكرناه من الاحتجاج بالآية الكريمة هو المعتمد في الاستدلال مع القياس على الكلب . ( وأما ) الحديث الذي احتج به جماعة من أصحابنا ، وهو حديث مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك ، قلت : وإن قتل ؟ قال : إذا قتله ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك } فرواه أبو داود والبيهقي وغيرهما ولكنه ضعيف فإن مجالدا ضعيف باتفاقهم قال البيهقي : ذكر البازي في هذه الرواية لم يأت به الحفاظ عن الشعبي ، وإنما أتى به مجالد والله أعلم .

                                      وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية الكريمة فقد ذكرنا معناها وفي ضمنه الجواب عن احتجاجهم ( وأما ) الجواب عن حديث الأمر بقتل الكلب الأسود فهو أنه لا يلزم من قتله تحريم صيده ، مع أن القتل منسوخ كما سنوضحه في باب ما يجوز بيعه إن شاء الله تعالى ، قال ابن المنذر : وقد قال الله تعالى : { وما علمتم من الجوارح مكلبين } { وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي : إذا أرسلت كلبك فأخذه وقتله فكل } قال : فالقول بظاهر الكتاب والسنة واجب ، ولا يجوز أن يستثنى منهما إلا بكتاب أو سنة . والله أعلم .

                                      ( فرع ) في مذاهبهم في ضبط تعليم الجارحة . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يشترط في مصيره معلما أربعة شروط ، وأنه [ ص: 111 ] يشترط تكرره بحيث يقول أهل الخبرة : إنه صار معلما وأوضحنا ذلك ، ولم يعتبر أصحابنا عدد المرات في ذلك ، بل اعتبروا العرف كما ذكرنا قال العبدري : وقال مالك : المعلم الذي يفقه عن مرسله فيأتمر إذا أمره ، وينزجر إذا زجره ، ولا يشترط ترك الأكل فيه ، سواء الكلب وغيره . وقال أبو حنيفة يعتبر تكرر ذلك مرتين ، وفي رواية عنه لا تقدير في التعليم ، بل إذا وقع في نفس صاحبه مصيره معلما حل صيده ، وقال أحمد : حده أن يصطاد ولا يأكل ، قال : وليس له حد كتعلم الصناعات ، وبهذا قال داود ، وقال أبو يوسف ومحمد : وهو أن يصطاد ثلاث مرات ، لا يأكل . وحكى ابن المنذر عن ربيعة أنه قال : إذا دعا الكلب فأجاب وزجره فأطاع فمعلم ( وأما ) الطيور فما أجاب منها إذا دعي فمعلم ، ومثله عن أبي ثور إلا أنه قال : ما لم يأكل ، وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء حصول التعلم بمرة .

                                      ( فرع ) في مذاهبهم في اصطياد المسلم بكلب أو طائر علمه مجوسي . مذهبنا أنه حلال ، ويحل ما قتله قال العبدري : وبه قال الفقهاء كافة ، قال ابن المنذر : وبه قال سعيد بن المسيب والحكم والزهري ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور ، وهو أصح الروايتين عن عطاء قال : وممن كرهه جابر بن عبد الله والحسن البصري وعطاء ومجاهد والنخعي والثوري وإسحاق بن راهويه ، وكره الحسن الاصطياد بكلب اليهودي والنصراني ، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : كلب اليهودي والنصراني أهون .

                                      ( فرع ) قال ابن المنذر : روينا عن ابن عباس قال : إذا قتل الكلب الصيد فأكل منه فاضربه حتى يمسك عليك . ( فرع ) المعروف في اللغة أن قولهم أشلى الكلب ، أي استدعاه ، وأما إرساله فيقال فيه : أغراه . واستعمال المصنف له هنا وفي التنبيه على وفق هذا المشهور في اللغة . وقال الشافعي في المختصر : كل معلم من كلب [ ص: 112 ] أو فهد أو نمر فكان إذا أشلي استشلى وإذا أخذ حبس ولم يأكل فهو معلم . هذا لفظه . قال أصحابنا : اعترض أبو بكر بن داود الظاهري على قول الشافعي : إذا أشلاه استشلى فقال : يقال : أشلاه إذا دعاه ، وأغراه إذا أرسله ، ولهذا قال الشاعر :

                                      أشليت عيري ومسحت قعبي

                                      وأجاب أصحابنا عن هذا الاعتراض بأجوبة : ( أحدها ) أن الشافعي من أهل اللغة ، ومن فصحاء العرب الذين يحتج بلغتهم كالفرزدق وغيره ، لأنه عربي النسب والدار والعصر . قال الأصمعي : قرأت ديوان [ الهذليين ] على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس الشافعي قالوا : فيكون أشلى من الأضداد يطلق على الاستدعاء وعلى الإغراء ، ومما يؤيد هذا الجواب ويوضحه أكمل إيضاح أن أبا الحسين أحمد بن فارس المجمع على توثيقه وأمانته في اللغة قال في كتاب المجمل : يقال : أشليت الكلب إذا دعوته ، وأشليته أغريته ، قال : قال الأعجم :

                                      أتينا أبا عمرو فأشلى كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل

                                      ( الجواب الثاني ) أن الإشلاء - وإن كان هو الاستدعاء - فاستعماله هنا صحيح ، وكأنه يستدعيه ليرسله ، فعبر بالإشلاء عن الإرسال ، لأنه يئول إليه وهو من باب تسمية الشيء بما يصير إليه ومنه { إني أراني أعصر خمرا } ( والثالث ) جواب الأزهري أن معنى أشلى دعا ، أي أجاب كأنه يدعوه للصيد فيجيبه ويقصد الصيد ، والله سبحانه أعلم .




                                      الخدمات العلمية