الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( ولا يحرم كسب الحجام لما روى أبو العالية أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن كسب الحجام فقال : { احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه أجره } : ولو كان حراما ما أعطاه ) ويكره للحر أن يكتسب بالحجامة وغيرها من الصنائع الدنيئة كالكنس والذبح والدبغ لأنها مكاسب دنيئة فينزه الحر منها ، ولا يكره للعبد لأن العبد أدنى ، فلم يكره له ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم ، واسم أبي العالية رفيع بضم الراء وفتح الفاء قال أصحابنا : كسب الحجام حلال ليس بحرام هذا هو المذهب والمعروف والمنصوص ، وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه شاذ قاله أبو بكر بن خزيمة من أصحابنا أنه حرام على الأحرار ، ويجوز إطعامه للعبيد والإماء والدواب ( والصواب ) الأول ، قال أصحابنا : ولا يكره للعبد أكل كسب الحجام سواء كسبه حر أم عبد ، ويكره أكله للحر ، سواء كسبه حر أم عبد ، ولكراهته معنيان ( أحدهما ) مخالطة النجاسة ( والثاني ) دناءته فعلى الثاني يكره كسب الحلاق ونحوه . وعلى الأول يكره كسب الكناس والزبال والدباغ والقصاب والخاتن ، وهذا الوجه هو الصحيح الذي قطع به المصنف والجمهور . وفي كسب الفاصد وجهان ( أصحهما ) لا يكره وهو قول أبي علي بن أبي هريرة ( والثاني ) يكره كراهة تنزيه وفي الحمامي والحائل وجهان ( أصحهما ) لا يكره الحائل وكره جماعة من أصحابنا كسب الصواغين قال صاحب البيان : وفي كراهة هذه الأشياء للعبيد وجهان ( أصحهما ) لا يكره لأنه دنيء وهذا هو الصحيح الذي قطع به المصنف والجمهور ، والله أعلم .

[ ص: 65 ] فرع ) قال الماوردي أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة ، وأيها أطيب ؟ فيه ثلاثة مذاهب للناس ( أشبهها ) بمذهب الشافعي أن التجارة أطيب ، قال : والأشبه عندي أن الزراعة أطيب ، لأنها أقرب إلى التوكل ، وذكر الشاشي وصاحب البيان وآخرون نحو ما ذكره الماوردي ، وأخذوه عنه ، قلت : في صحيح البخاري عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبي الله داود صلى الله عليه وسلم كان يأكل من عمل يده } فالصواب ما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عمل اليد ، فإن كان زراعا فهو أطيب المكاسب وأفضلها ، لأنه عمل يده ، ولأن فيه توكلا كما ذكره الماوردي وقال : [ لأن ] فيه نفعا عاما للمسلمين والدواب ، ولأنه لا بد في العادة أن يؤكل منه بغير عوض ، فيحصل له أجره . وإن لم يكن ممن يعمل بيده بل يعمل له غلمانه وأجراؤه فاكتسابه بالزراعة أفضل لما ذكرناه ، وقد ثبت عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة ، وما سرق منه له صدقة ، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة } رواه مسلم في صحيحه ، ومعنى يرزؤه ينقصه ، وفي رواية لمسلم أيضا : { فلا يغرس المسلم غرسا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة } وفي رواية لمسلم أيضا : { لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل ، منه إنسان ، ولا دابة ، ولا شيء إلا كانت له صدقة } رواه البخاري ومسلم جميعا من رواية أنس ، والله أعلم .

( فرع ) في جملة من الأحاديث الواردة في كسب الحجام والحجامة عن { عون بن أبي جحيفة قال : اشترى أبي عبدا حجاما فأمر بمحاجمه [ ص: 66 ] فكسرت وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ، ومهر البغي ، وثمن الدم ، ولعن الواشمة والمستوشمة ، وآكل الربا ومؤكله ولعن المصور } ; رواه البخاري .

وعن رافع بن خديج رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { كسب الحجام خبيث ، ومهر البغي خبيث ، وثمن الكلب خبيث } رواه مسلم وفي رواية : { شر الكسب مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام } وعن محيصة رضي الله عنه { أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إجارة الحجام فنهاه عنها ، فلم يزل يسأله حتى قال : أعلفه نواضحك } رواه مالك وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم بأسانيدهم الصحيحة قال الترمذي : هو حديث حسن . وعن أنس رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاعين من طعام وكلم مواليه فخفف عنه من ضريبته ، وقال : خير ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري } رواه البخاري ومسلم .

وعنه { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم ولا يظلم أحدا أجره } رواه مسلم وعن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى ، الحجام أجره واستعط } رواه البخاري ومسلم ، ورويا حديثه السابق في كلام المصنف .

( فرع ) في مذاهب العلماء في كسب الحجام . مذهبنا أنه ليس بحرام لا على العبد ولا على الحر ، لكن يستحب للحر التنزه عنه ، وعن أكله ، وبهذا قال جماهير العلماء : وقال أحمد في رواية ضعيفة عنه وفقهاء المحدثين : يحرم على الأحرار دون العبيد ، واحتجوا بالأحاديث السابقة ، واحتج الجمهور بحديث ابن عباس ، وحملوا الأحاديث الباقية على التنزيه والارتفاع عن دنيء الاكتساب ، والحث على مكارم الأخلاق .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث