الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

الصنف الثاني : القدرية النفاة ، الذين يثبتون نوعا من الحكمة والتعليل ولكن لا يقوم بالرب ، ولا يرجع إليه ، بل يرجع إلى مجرد مصلحة المخلوق ومنفعته .

فعندهم : أن العبادات شرعت أثمانا لما يناله العباد من الثواب والنعيم ، وأنها بمنزلة استيفاء أجرة الأجير .

قالوا : ولهذا يجعلها الله تعالى عوضا كقوله ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون وقوله ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون وقوله هل تجزون إلا ما كنتم تعملون وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها وقوله تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [ ص: 114 ] .

قالوا : وقد سماه الله سبحانه جزاء وأجرا وثوابا ، لأنه يثوب إلى العامل من عمله ، أي يرجع إليه منه .

قالوا : ولولا ارتباطه بالعمل لم يكن لتسميته جزاء ولا أجرا ولا ثوابا معنى .

قالوا : ويدل عليه الوزن ، فلولا تعلق الثواب والعقاب بالأعمال واقتضاؤها لها ، وكونها كالأثمان لها لم يكن للوزن معنى ، وقد قال تعالى والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون .

وهاتان الطائفتان متقابلتان أشد التقابل ، وبينهما أعظم التباين .

فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتة
، وجوزت أن يعذب الله من أفنى عمره في طاعته ، وينعم من أفنى عمره في معصيته ، وكلاهما بالنسبة إليه سواء ، وجوزت أن يرفع صاحب العمل القليل على من هو أعظم منه عملا ، وأكثر وأفضل درجات ، والكل عندهم راجع إلى محض المشيئة ، من غير تعليل ولا سبب ، ولا حكمة تقتضي تخصيص هذا بالثواب ، وهذا بالعقاب .

والقدرية أوجبت على الله رعاية الأصلح ، وجعلت ذلك كله بمحض الأعمال وثمنا لها ، وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمله فيه تنغيص باحتمال منة الصدقة عليه بلا ثمن .

فقاتلهم الله ، ما أجهلهم بالله وأغرهم به ! جعلوا تفضله وإحسانه إلى عبده بمنزلة صدقة العبد على العبد ، حتى قالوا : إن إعطاءه ما يعطيه أجرة على عمله أحب إلى العبد وأطيب له من أن يعطيه فضلا منه بلا عمل .

فقابلتهم الجبرية أشد المقابلة ، ولم يجعلوا للأعمال تأثيرا في الجزاء البتة .

والطائفتان جائرتان ، منحرفتان عن الصراط المستقيم ، الذي فطر الله عليه عباده ، [ ص: 115 ] وجاءت به الرسل ، ونزلت به الكتب ، وهو أن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب والعقاب ، مقتضية لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها ، وأن الأعمال الصالحة من توفيق الله وفضله ومنه ، وصدقته على عبده ، إن أعانه عليها ووفقه لها ، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها ، وحببها إليه ، وزينها في قلبه وكره إليه أضدادها ، ومع هذا فليست ثمنا لجزائه وثوابه ، ولا هي على قدره ، بل غايتها إذا بذل العبد فيها نصحه وجهده ، وأوقعها على أكمل الوجوه أن تقع شكرا له على بعض نعمه عليه ، فلو طالبه بحقه لبقي عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقم بشكرها ، فلذلك لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا نفى النبي صلى الله عليه وسلم دخول الجنة بالعمل ، كما قال لن يدخل أحدا منكم الجنة عمله وفي لفظ : لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ، وفي لفظ : لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل وأثبت سبحانه دخول الجنة بالعمل ، كما في قوله ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ولا تنافي بينهما ، إذ توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد ، فالمنفي استحقاقها بمجرد الأعمال ، وكون الأعمال ثمنا وعوضا لها ، ردا على القدرية المجوسية ، التي زعمت أن التفضل بالثواب ابتداء متضمن لتكرير المنة .

وهذه الطائفة من أجهل الخلق بالله ، وأغلظهم عنه حجابا ، وحق لهم أن يكونوا مجوس هذه الأمة ، ويكفي في جهلهم بالله أنهم لم يعلموا أن أهل سماواته وأرضه في منته ، وأن من تمام الفرح والسرور ، والغبطة واللذة اغتباطهم بمنة سيدهم ومولاهم الحق ، وأنهم إنما طاب لهم عيشهم بهذه المنة ، وأعظمهم منه منزلة ، وأقربهم إليه أعرفهم بهذه المنة ، وأعظمهم إقرارا بها ، وذكرا لها ، وشكرا عليها ، ومحبة له لأجلها ، فهل يتقلب أحد قط إلا في منته ؟ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين .

[ ص: 116 ] واحتمال منة المخلوق إنما كانت نقصا لأنه نظيره ، فإذا من عليه استعلى عليه ، ورأى الممنون عليه نفسه دونه ، هذا مع أنه ليس في كل مخلوق ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم المنة على أمته ، وكان أصحابه يقولون : " الله ورسوله أمن " ولا نقص في منة الوالد على ولده ، ولا عار عليه في احتمالها ، وكذلك السيد على عبده ، فكيف برب العالمين الذي إنما يتقلب الخلائق في بحر منته عليهم ، ومحض صدقته عليهم ، بلا عوض منهم البتة ؟ وإن كانت أعمالهم أسبابا لما ينالونه من كرمه وجوده ، فهو المنان عليهم ، بأن وفقهم لتلك الأسباب وهداهم لها ، وأعانهم عليها ، وكملها لهم ، وقبلها منهم على ما فيها ؟ وهذا هو المعنى الذي أثبت به دخول الجنة في قوله بما كنتم تعملون .

فهذه باء السببية ، ردا على القدرية والجبرية الذين يقولون : لا ارتباط بين الأعمال والجزاء ، ولا هي أسباب له ، وإنما غايتها أن تكون أمارات .

قالوا : وليست أيضا مطردة ، لتخلف الجزاء عنها في الخير والشر ، فلم يبق إلا محض الأمر الكوني والمشيئة .

فالنصوص مبطلة لقول هؤلاء ، كما هي مبطلة لقول أولئك ، وأدلة المعقول والفطرة أيضا تبطل قول الفريقين ، وتبين لمن له قلب ولب مقدار قول أهل السنة ، وهم الفرقة الوسط ، المثبتون لعموم مشيئة الله وقدرته ، وخلقه العباد وأعمالهم ، ولحكمته التامة المتضمنة ربط الأسباب بمسبباتها ، وانعقادها بها شرعا وقدرا ، وترتيبها عليها عاجلا وآجلا .

وكل واحدة من الطائفتين المنحرفتين تركت نوعا من الحق ، وارتكبت لأجله نوعا من الباطل ، بل أنواعا ، وهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث