الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما يحل أكله من الطير

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - وأما الطائر فإنه يحل منه النعامة لقوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات } وقضت الصحابة رضي الله عنهم فيها ببدنة ، فدل على أنه صيد مأكول ، ويحل الديك والدجاج والحمام والدراج والقبج والقطا والبط [ ص: 19 ] والكراكي والعصفور والقنابر لقوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات } وهذه كلها مستطابة ، وروى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال : { رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل لحم الدجاج } وروى { سفينة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حبارى } ويحل أكل الجراد لما روى عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال : { غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات يأكل الجراد ونأكله } ويحرم أكل الهدهد والخطاف { لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتلهما } وما يؤكل لا ينهى عن قتله ، ويحرم ما يصطاد ويتقوى بالمخلب كالصقر والبازي ، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وأكل كل ذي مخلب من الطير ) ويحرم أكل الحدأة والغراب الأبقع لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خمس يقتلن في الحل والحرم : الحية والفأرة والغراب الأبقع والحدأة والكلب العقور ) وما أمر بقتله لا يحل أكله قالت عائشة رضي الله عنها : ( إني لأعجب ممن يأكل الغراب ، وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله ) ويحرم الغراب الأسود الكبير لأنه مستخبث يأكل الجيف فهو كالأبقع وفي الغداف وغراب الزرع وجهان ( أحدهما ) لا يحل للخبر ( والثاني ) يحل لأنه مستطاب يلقط الحب فهو كالحمام والدجاج ، وتحرم حشرات الطير كالنحل والزنبور والذباب لقوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } وهذه من الخبائث .

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي موسى رواه البخاري ومسلم وحديث سفينة رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف ، وقال الترمذي : هو غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه وحديث عبد الله بن أبي أوفى رواه البخاري ومسلم ولفظه { غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد } .

( وأما ) حديث النهي عن قتل الهدهد فرواه عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ( أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن قتل أربع من الدواب : النملة والنحلة والهدهد والصرد } رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري [ ص: 20 ] ومسلم ذكره في آخر كتابه ، ورواه ابن ماجه في كتاب الصيد بإسناده على شرط البخاري . ( وأما ) النهي عن قتل الخطاف فهو ضعيف ومرسل ، رواه البيهقي بإسناده عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية ، وهو من تابعي التابعين أو من التابعين عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه نهى عن قتل الخطاطيف وقال : لا تقتلوا العوذ إنها تعوذ بكم من غيركم } قال البيهقي : هذا منقطع قال : وروى حمزة النصيبي فيه حديثا مسندا إلا أنه كان يرمى بالوضع .

وصح عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفا عليه أنه قال : { لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال : يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم } قال البيهقي : إسناد صحيح ( وأما ) حديث ابن عباس فرواه البخاري ومسلم وسبق بيان طرقه وشرحه في الفصل الذي قبل هذا .

( وأما ) حديث عائشة : { خمس يقتلن في الحل والحرم إلى آخره } فصحيح رواه البخاري ومسلم وسبق قريبا .

( وأما ) حديث عائشة : { إني لأعجب ممن يأكل الغراب } إلى آخره ) فرواه البيهقي بإسناد صحيح إلا أن فيه عبد الله بن أبي أويس وقد ضعفه الأكثرون ووثقه بعضهم وروى له مسلم في صحيحه . ( أما ألفاظ الفصل ) فقوله : ( وأما الطائر ) هكذا هو في النسخ ، والأجود أن يقول : وأما الطير ، لأن الطير جمع ، والطائر مفرد ، وقد سبق بيانه أول الباب . والنعامة بفتح النون قال الجوهري : يذكر ويؤنث والنعام اسم جنس كحمامة وحمام .

( وأما ) الديك ، فهو ذكر الدجاج جمعه ديوك وديكة ، والدجاجة [ ص: 21 ] بفتح الدال وكسرها لغتان والفتح أفصح باتفاقهم ، الواحد دجاجة يقع على الذكر والأنثى ، وجمع المصنف بين الديك والدجاج هو من باب ذكر العام بعد الخاص ، وهو جائز ، ومنه قوله تعالى : { رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات } وقوله تعالى : { إن صلاتي ونسكي } .

( وأما ) القبج فبفتح القاف وإسكان الباء الموحدة وبالجيم وهو الحجل المعروف . قال الجوهري : هو فارسي معرب ، لأن القاف والجيم لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب ، قال : والقبجة تقع على الذكر والأنثى حتى تقول يعقوب ، فيختص بالذكر لأن الهاء إنما دخلته على أنه الواحد من الجنس ، وكذلك النعامة حتى تقول ظليم ، والنحلة حتى تقول يعسوب ، والدراجة حتى تقول : حيقطان ، والبومة حتى تقول : صدى أو فياد ، والحبارى حتى تقول : خرب ومثله كثير . هذا آخر كلام الجوهري .

( وأما ) القنابر فبقاف مفتوحة ثم نون ثم ألف ثم باء موحدة ثم راء جمع قبرة بضم القاف وتشديد الباء الموحدة قال الجوهري : وقد جاء في الشعر قنبرة كما تقوله العامة ، وهو ضرب من الطير ( وأما ) الهدهد فبضم الهاءين وجمعه هداهد ويقال للمفرد هداهد أيضا ( وأما ) البازي ففيه ثلاث لغات ، المشهور الفصيحة البازي بتخفيف الياء والثانية باز والثالثة بازي بتشديد الياء حكاها ابن مكي وهي غريبة أنكرها الأكثرون قال أبو زيد الأنصاري : يقال للبزاة [ ص: 22 ] والشواهين وغيرهما مما تصيد صقور ، واحدها صقر ، والأنثى صقرة ، وقد ينكر على المصنف كونه جعل الصقر قسيما للبازي ، مع أنه يتناوله وغيره كما ذكره أبو زيد ، ويجاب عنه بأنه من باب ذكر الخاص بعد العام كقوله تعالى : { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال } { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } الآية .

( وأما ) الحدأة فبحاء مكسورة ثم دال مفتوحة ثم همزة على وزن عنبة والجماعة حدأ كعنب ( وأما ) الفأرة فبالهمز ويجوز تركه ( وأما ) الغداف فبغين معجمة مضمومة ثم دال مهملة مخففة وآخره فاء جمع غدفان ، قال ابن فارس : هو الغراب الضخم ، قال والجوهري هو غراب القيظ وقال العبدري وغيره من أصحابنا هو غراب صغير أسود ، لونه لون الرماد ، والله أعلم .

( أما الأحكام ) ففيها مسائل : ( إحداها ) اتفق أصحابنا على أنه يحل أكل النعامة والدجاج والكركي والحبارى والحجل والبط والقطا والعصافير والقنابر والدراج والحمام ، قال أصحابنا : وكل ذات طوق من الطير فهي داخلة في الحمام ، وهي حلال ، فيدخل فيه القمري والدبس واليمام والفواخت ويحل الورشان وكل ما على شكل العصفور وفي حده فهو حلال ، فيدخل في ذلك الصعوة والزرزور والنغر بضم النون وفتح الغين المعجمة والبلبل ويحل العندليب والحمرة على المذهب الصحيح ، وفيهما وجه ضعيف أنهما حرام ، وفي الببغاء والطاووس ( وجهان ) قال البغوي وغيره : ( أصحهما التحريم ) . [ ص: 23 ] وأما ) الشقراق فقطع البغوي بحله والصيمري بتحريمه ، قال أبو عاصم العبادي : يحرم ملاعب ظله وهو طائر يسبح في الجو مرارا ، كأنه ينصب على طائر قال أبو عاصم والبوم حرام كالرخم قال : والضوع بضم الضاد المعجمة وفتح الواو بالعين المهملة حرام على أصح القولين ، قال الرافعي : هذا يقتضي أن الضوع غير البوم ، قال : لكن في صحاح الجوهري أن الضوع طائر من طير الليل من جنس الهام ، وقال المفضل : هو ذكر البوم قال الرافعي : فعلى هذا إن كان في الضوع قول لزم إجراؤه في البوم لأن الذكر والأنثى من جنس واحد لا يفترقان .

( قلت ) : الأشهر أن الضوع من جنس الهام فلا يلزم اشتراكهما في الحكم قال أبو عاصم النهاش حرام كالسباع التي تنهش ، قال : واللقاط حلال إلا ما استثناه النص يعني ذا المخلب ، وقال البوشنجي : اللقاط حلال بلا استثناء ، قال أبو عاصم : وما تقوت بالطاهرات فحلال إلا ما استثناه النص ، وما تقوت بالنجس فحرام .

( فرع ) قال الشافعي والمصنف والأصحاب : يحرم أكل كل ذي مخلب من الطير يتقوى به ويصطاد كالصقر والنسر والبازي والعقاب وغيرها للحديث السابق .

( المسألة الثانية ) قال الشافعي والأصحاب : ما نهي عن قتله حرم أكله لأنه لو حل أكله لم ينه عن قتله كما لو لم ينه عن قتل المأكول ، فمن ذلك النمل والنحل فهما حرام ، وكذلك الخطاف والصرد والهدهد والثلاثة حرام على المذهب ، وفيها وجه ضعيف أنها مباحة وحكاه البندنيجي في كتاب الحج قولا ، وجزم به في الصرد والهدهد . والخفاش حرام قطعا قال الرافعي : وقد يجيء فيه الخلاف ، واللفاف حرام على أصح الوجهين .

( الثالثة ) قال أصحابنا : ما أمر بقتله من الحيوان فأكله حرام " { لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الفواسق الخمس في الحرم والإحرام } فلو حل أكله [ ص: 24 ] لما أمر بقتله مع قول الله تعالى : { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } فمن ذلك الحية والفأرة والحدأة وكل سبع ضار ، ويدخل في هذا الأسد والذئب وغيرهما مما سبق ، قال أصحابنا : وقد يكون للشيء سببان أو أسباب تقتضي تحريمه وتحرم البغاثة بفتح الباء الموحدة وتخفيف الغين المعجمة وبالثاء المثلثة في آخرها والرخمة كما تحرم الحدأة ، ( وأما ) الغراب فهو أنواع ( فمنها ) الغراب الأبقع ، وهو حرام بلا خلاف للأحاديث الصحيحة ( ومنها ) الأسود الكبير ، وفيه طريقان ( أصحهما ) وبه قطع المصنف وجماعة التحريم ( والثاني ) فيه وجهان ( أصحهما ) التحريم ( والثالث ) الحل ( وأما ) غراب الزرع وهو أسود صغير ، يقال له : الزاغ ، وقد يكون محمر المنقار والرجلين ، ففيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) أنه حلال والأصح أن الغداف حرام ، قال الرافعي : ومن الغربان غراب صغير أسود أو رمادي اللون ، وقد يقال الغداف الصغير وهو حرام على أصح الوجهين ، وكذلك العقعق ، والله تعالى أعلم .

( الرابعة ) يحرم حشرات الطير كالنحل والزنابير والذباب والبعوض وشبهها لما ذكره المصنف ( الخامسة ) يحل أكل الجراد بلا خلاف للحديث السابق ، وسواء مات بنفسه أو بقتل مسلم أو مجوسي ، وسواء قطع رأسه أم لا ولو قطع بعض جرادة وباقيها حي فوجهان ( أصحهما ) يحل المقطوع لأن المقطوع كالميت وميتته حلال ( والثاني ) حرام وإنما يباح منه الجملة لحرمتها ، والله أعلم .

[ ص: 25 ] فرع ) قد ذكرنا أن الجراد حلال سواء مات باصطياد مسلم أو مجوسي أو مات حتف أنفه ، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد ، ومحمد بن عبد الحكم والأبهري المالكيان وجماهير العلماء من السلف والخلف ( قال ) العبدري : وقال مالك : لا يحل إلا إذا مات بسبب ، بأن يقطع منه شيء أو يصلق أو يقلى حيا أو يشوى وإن لم يقطف رأسه ، قال : فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يؤكل ، وعن أحمد رواية ضعيفة كمذهب مالك واحتج مالك بقوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } واحتج أصحابنا بحديث ابن أبي أوفى السابق : { غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد } رواه البخاري ومسلم ، وروى الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أحلت لنا ميتتان ودمان ، أما الميتتان فالحوت والجراد ، والدمان الكبد والطحال } قال البيهقي : ورواه سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر قال : { أحلت لنا ميتتان } الحديث " قال البيهقي : هذا هو الصحيح ( قلت ) معناه أن الصحيح أن القائل : { أحلت لنا ميتتان } هو ابن عمر ، لأن الرواية الأولى ضعيفة جدا لاتفاق الحفاظ على تضعيف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، قال أحمد بن حنبل : روى حديثا منكرا { أحلت لنا ميتتان } الحديث يعني أحمد الرواية الأولى ( وأما ) الثانية فصحيحة كما ذكره البيهقي ، وهذه الثانية هي أيضا مرفوعة ، لأن قول الصحابي أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو أحل لنا كذا أو حرم علينا كذا ، كله مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمنزلة قوله ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وهذه قاعدة معروفة ، وسبق بيانها مرات والله تعالى أعلم . [ ص: 26 ] وهذا الحديث عام ، والآية الكريمة التي احتج بها مالك مخصوصة بما ذكرناه والله أعلم . وأما حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال : أكثر جنود الله ، لا آكله ولا أحرمه } فرواه أبو داود وغيره هكذا بإسناد صحيح ، قال أبو داود : ورواه المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، قال البيهقي : وكذا رواه محمد بن عبد الله الأنصاري عن سليمان التيمي . قلت : ولا يضر كونه روي مرسلا ومتصلا ، لأن الذي وصله ثقة وزيادة الثقة مقبولة ، قال البيهقي وأصحابنا : إن صح هذا الحديث كان دليلا على إباحة الجراد أيضا ، لأنه إذا لم يحرمه فقد أحله ، وإنما لم يأكله تقذرا كما قال في الضب ، والله أعلم .

( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا تحريم كل ذي ناب من السباع مما يعدو على الحيوان كالأسد والذئب والنمر والفهد والدب ، وكذا ما له مخلب من الطير كالبازي والشاهين والعقاب ونحوها وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود قال مالك : يكره ولا يحرم ، دليلنا الأحاديث السابقة . فإن احتجوا بقوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه } الآية فقد سبق جوابها في مسألة تحريم السباع .

( فرع ) قد ذكرنا مذهبنا في غراب الزرع والغداف ، وقال بإباحتهما مالك وأبو حنيفة وأحمد - رحمهم الله تعالى -

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث