الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

غريب ألفاظ الأحاديث

غريب ألفاظ الأحاديث


759 . والنضر أو معمر خلف أول من صنف الغريب فيما نقلوا      760 . ثم تلا أبو عبيد واقتفى
القتبي ثم حمد صنفا      761 . فاعن به ولا تخض بالظن
ولا تقلد غير أهل الفن      762 . وخير ما فسرته بالوارد
كالدخ بالدخان لابن صائد      763 . كذاك عند الترمذي ، والحاكم
فسره الجماع وهو واهم

التالي السابق


غريب الحديث ، هو ما يقع فيه من الألفاظ الغامضة البعيدة عن الفهم . وقد صنف فيه جماعة من الأئمة ، واختلفوا في أول من صنف فيه . فقال الحاكم في علوم الحديث : "أول من صنف الغريب في الإسلام النضر بن شميل . ثم صنف فيه أبو [ ص: 85 ] عبيد القاسم بن سلام كتابه الكبير" قال ابن الصلاح : "ومنهم من خالفه فقال : أول من صنف فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى" . وقال الحافظ محب الدين الطبري في كتاب تقريب المرام : وقد قيل : إن أول من جمع في هذا الفن شيئا ، وألفه أبو عبيدة معمر بن المثنى ، ثم النضر بن شميل ، ثم عبد الملك بن قريب الأصمعي ، وكان في عصر أبي عبيدة ، وتأخر ، وكذلك قطرب ، وغيره من أئمة الفقه ، واللغة ، جمعوا أحاديث تكلموا على لغتها ، ومعناها ، في أوراق ذوات عدد ، ولم يكن أحد منهم ينفرد عن غيره بكثير حديث لم يذكره الآخر . واستمرت الحال إلى زمن أبي عبيد القاسم بن سلام ، وذلك بعد المائتين ، فجمع كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار . انتهى . ثم بعد ذلك صنف أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري القتبي كتابه المشهور فزاد على أبي عبيد مواضع وتتبعه في مواضع . ثم صنف بعده أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي كتابه في ذلك ، فزاد على القتبي ، ونبه على أغاليط له .

وصنف فيه جماعة منهم : قاسم بن ثابت بن حزم السرقسطي ، وعبد الغافر الفارسي كتابا سماه : مجمع الغرائب ، وصنف الزمخشري كتابه الفائق ، وبعده أبو الفرج ابن الجوزي . وكان جمع بين الغريبين : غريبي القرآن والحديث أبو عبيد أحمد [ ص: 86 ] بن محمد الهروي ، صاحب أبي منصور الأزهري ، وذيل عليه الحافظ أبو موسى المديني ذيلا حسنا . ثم جمع بينهما مقتصرا على غريب الحديث فقط أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري ، وزاد عليهما زيادات كثيرة ، وذلك في كتابه النهاية . وبلغني أن الإمام صفي الدين محمود بن محمد بن حامد الأرموي ، ذيل عليه ذيلا لم أره ، وبلغني أنه كتبه حواش على أصل النهاية فقط ، وإن الناس أفردوه . وقد كنت كتبت على نسخة - كانت عندي من النهاية - حواشي كثيرة ، وأرجو أن أجمعها ، وأذيل عليه بذيل كبير ، إن شاء الله تعالى .

وقولي : (فاعن به) أي بعلم الغريب ، أي : اجعله من عنايتك ، واحفظه ، واشتغل به . فإن قيل : إنما تستعمل هذه اللفظة مبينة لما لم يسم فاعله ، يقال : عنيت بالأمر عناية ، كما جزم به صاحبا الصحاح والمحكم ، وعلى هذا فلا يؤمر منه بصيغة على صيغة افعل . قال الجوهري وإذا أمرت منه قلت : لتعن بحاجتي قلت فيه لغتان : عني ، وعني . وممن حكاهما صاحب الغريبين ، والمطرزي : وفي الحديث : أنه قال لرجل : لقد عني الله بك . قال ابن الأعرابي : أي : حفظ دينك . قال الهروي : يقال عنيت بأمرك ، فأنا معني بك ، وعنيت بأمرك أيضا ، فأنا عان .

ولا ينبغي لمن تكلم في غريب الحديث أن يخوض فيه رجما بالظن ، فقد روينا عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن حرف منه ، فقال : سلوا أصحاب الغريب ، فإني أكره أن [ ص: 87 ] أتكلم في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالظن . وسئل الأصمعي عن حديث : "الجار أحق بسقبه" ، فقال : أنا لا أفسر حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن العرب تزعم أن السقب : اللزيق .

ولا ينبغي أن يقلد من الكتب المصنفة في الغريب ، إلا ما كان مصنفوها أئمة جلة في هذا الشأن . فمن لم يكن من أهله ، تصرف فيه فأخطأ . وقد كان بعض العجم يقرأ علي من مدة سنين في المصابيح للبغوي ، فقرأ حديث : "إذا سافرتم في الخصب ، فأعطوا الإبل حقها ، وإذا سافرتم في الجدب ، فبادروا بها نقيها" ، فقرأها نقبها - بفتح النون وبالباء الموحدة بعد القاف - فقلت له : إنما هي نقيها - بالكسر والياء آخر الحروف - فقال : هكذا ضبطه بعض الشراح في طرة الكتاب . فأخذت منه الكتاب ، وإذا على الحاشية كما ذكر . وقال النقب : الطريق الضيق بين جبلين . فقلت : هذا خطأ وتصحيف فاحش ، وإنما هو النقي ، أي : المخ الذي في العظم . ومنه قوله في حديث أم زرع : "لا سمين فينتقى" ، وفي حديث [ ص: 88 ] الأضحية : "والعجفاء التي لا تنقي" . فليحذر طالب العلم ضبط ذلك من الحواشي ، إلا إذا كانت بخط من يعرف خطه من الأئمة .

وأحسن ما يفسر به الغريب ما جاء مفسرا به في بعض طرق الحديث ، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح المتفق عليه لابن صائد : "قد خبأت لك خبيئا فما هو ؟ قال : الدخ" . فالدخ هنا : هو الدخان ، وهو لغة فيه . حكاها ابن دريد ، وابن السيد ، والجوهري ، وغيرهم . وحكى ابن السيد فيه أيضا : فتح الدال . وقد روى أبو داود والترمذي من رواية الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر في هذا الحديث ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : "إني قد خبأت لك خبيئة" -وقال الترمذي : "خبيئا" - وخبأ له يوم تأتي السماء بدخان مبين قال الترمذي : هذا حديث صحيح ، [ ص: 89 ] والحديث متفق عليه دون ذكر الآية . وذكر أبو موسى المديني : أن السر في كونه خبأ له الدخان ، أن عيسى - صلى الله عليه وسلم - يقتله بجبل الدخان فهذا هو الصواب في تفسير الدخ هنا . وقد فسره غير واحد على غير ذلك فأخطأ ، ومنهم الحاكم في علوم الحديث ، قال : سألت الأدباء عن تفسير الدخ ، قال : يدخها ، ويزخها ، بمعنى واحد ، الدخ والزخ ، قال : والمعنى الذي أشار إليه ابن صياد - خذله الله - فيه مفهوم ، ثم أنشد لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - :


طوبى لمن كانت له مزخه يزخها ثم ينام الفخه



فالمزخة - بالفتح - : هي المرأة . قاله الجوهري . ومعنى يزخها : يجامعها . والفخة : أن ينام فينفخ في نومه . هذا الذي فسر الحاكم به الحديث من كونه [ ص: 90 ] الجماع ، تخليط فاحش ، كما قال ابن الصلاح ، ثم إني لم أر في كلام أهل اللغة أن الدخ -بالدال- : هو الجماع . وإنما ذكروه بالزاي فقط . وممن فسره على غير الصواب أيضا أبو سليمان الخطابي فرجح أن الدخ : نبت موجود بين النخيل ، وقال : لا معنى للدخان هاهنا ، إذ ليس مما يخبأ ، إلا أن يريد بـ : خبأت أضمرت وما قاله الخطابي أيضا غير مرضي . وقولي : ( والحاكم ) ، هو ابتداء كلام مرفوع ، (وفسره) : في موضع الخبر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث