الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خروج المعتكف إلى المنارة الخارجة عن رحبة المسجد ليؤذن

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 532 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( وفي الخروج إلى المنارة الخارجة عن رحبة المسجد ليؤذن ثلاثة أوجه ( أحدها ) يجوز ، وإن خرج لم يبطل اعتكافه ; لأنها بنيت للمسجد فصارت كالمنارة التي في رحبة الجامع ( والثاني ) لا يجوز ; لأنها خارجة من المسجد فأشبهت غير المنارة ، وقال أبو إسحاق المروزي : إن كان المؤذن ممن يألف الناس صوته جاز أن يخرج ولا يبطل اعتكافه ; لأن الحاجة تدعوا إليه لإعلام الناس بالوقت ، وإن لم يألفوا صوته لم يخرج فإن خرج بطل اعتكافه لأنه لا حاجة إليه ) .

التالي السابق


( الشرح ) قال الشافعي رحمه الله تعالى في المختصر : ولا بأس إذا كان مؤذنا أن يصعد المنارة وإن كان خارجا ، هذا نصه . قال أصحابنا : للمنارة حالان ( أحدهما ) أن تكون مبنية في المسجد أو في رحبته . أو يكون بابها في المسجد أو رحبته المتصلة به فلا يضر المعتكف صعودها ، سواء صعدها للأذان أو غيره كسطح المسجد . هكذا قال الجمهور أنه لا فرق بين أن تكون المنارة في المسجد أو رحبته أو بابها متصلا بالمسجد أو رحبته . وإن كانت خارجة عن سمت البناء وتربيعه فلا يبطل الاعتكاف بصعودها بلا خلاف ، سواء صعدها المؤذن أو غيره ، هكذا صرح به الأصحاب واتفقوا عليه ، ونقله إمام الحرمين عن الأصحاب فقال : لو كانت المنارة خارجة عن سمت المسجد متصلة به وبابها لاط ، فقد قطع الأصحاب بأن صعودها لا يقطع التتابع ، وإن كانت لا تعد من المسجد ، ولو اعتكف فيها لم يصح ; لأن حريم المسجد لا يثبت له حكم المسجد في صحة الاعتكاف فيه ، وتحريم المكث فيه على الجنب ولكن النص قاطع بما ذكرته ولم أر فيه خلافا مع الاحتمال الظاهر ، لأن الخارج إليها خارج إلى بقعة لا تصلح للاعتكاف ، هذا كلام الإمام . واختصره الرافعي فقال : وأبدى إمام الحرمين احتمالا في الخارجة عن سمته قال : لأنها حينئذ لا تعد من المسجد ، ولا يصح الاعتكاف فيها ، قال الرافعي : وكلام الأصحاب ينازعه فيما استدل به وهذا الذي قاله الرافعي صحيح ، وسيأتي في كلام المحاملي وغيره في فرع بعد هذا التصريح بخلاف ما استدل به إمام الحرمين رحمه الله تعالى ، والله تعالى أعلم .

[ ص: 533 ] الحال الثاني ) أن لا يكون بابها في المسجد ولا رحبته المتصلة به بل تكون منفصلة عنهما ، فلا يجوز للمعتكف الخروج إليها لغير الأذان بلا خلاف ، وفي المؤذن أوجه ( أصحها ) لا يبطل في المؤذن الراتب في المسجد ويبطل في غيره ( والثاني ) يبطل فيهما ( والثالث ) لا يبطل فيهما ، وهذا ظاهر النص كما سبق ، وهو مقتضى إطلاق المصنف في التنبيه ، لكن يتأول كلامه على موافقة الأكثرين في الفرق بين المؤذن الراتب وغيره ، فيقال : مراده إذا كان المؤذن راتبا ، وهكذا يحمل قول المحاملي في المجموع وقول القاضي أبي الطيب في المجرد ، فإنهما قالا : إذا كانت المنارة خارجة عن المسجد والرحبة فالذي عليه عامة أصحابنا أن له صعودها للأذان ، ولا يضره في اعتكافه ، قالا : وهو ظاهر نص الشافعي ، قال : ومن منعه تأول نص الشافعي على ما إذا كانت المنارة في الرحبة ، فالحاصل أن من قال : لا يبطل الاعتكاف بصعود المنارة المنفصلة ، أخذ بظاهر نص الشافعي ومن قال : يبطل ، حمله على المنارة التي في رحبة المسجد . قال المتولي : وهذا القائل يقول : إنما قال الشافعي : وإن كانت خارجا ; لأن الناس في العادة لا يعدون الرحبة من المسجد ، ومن فرق بين المؤذن الراتب وغيره حمل النص على الراتب ، وقد قدمنا أن الفرق بين الراتب وغيره هو الأصح ، وممن صححه البغوي والرافعي .

( واعلم ) أن صورة المسألة في منارة قريبة من المسجد مبنية له ، فأما غيرها فيبطل اعتكافه بالذهاب إليها بلا خلاف ، وسواء الراتب وغيره ، هكذا صرح به جميع الأصحاب منهم الماوردي والسرخسي وآخرون ، وهو المفهوم من كلام المحاملي وابن الصباغ وصاحب العدة وغيرهم . وأما قول الرافعي : فرض الغزالي المسألة ، والخلاف فيما إذا كان باب المنارة خارج المسجد وهي ملصقة بحريمه ، قال : ولم يشترط الجمهور في صورة الخلاف سوى كون بابها خارج المسجد ، قال : وزاد أبو القاسم الكرخي - بالخاء المعجمة - فذكر الخلاف فيما إذا كانت المنارة في رحبة منفصلة عن المسجد ، بينها وبينه طريق . فهذا الذي ذكر الرافعي لا يخالف ما نقلته من اتفاق الأصحاب ; لأن مراده أنهم لم يشرطوا ما شرطه الغزالي ، والله أعلم .

[ ص: 534 ] فرع ) قال القاضي أبو الطيب في المجرد - قال الشافعي في البويطي - ويصح الاعتكاف في المنارة ( قلت ) هذا محمول على منارة في رحبة المسجد أو بابها إليها كما سبق .

( فرع ) قد ذكرنا أن المنارة التي في رحبة المسجد يجوز للمؤذن وغيره صعودها ، ولا يبطل الاعتكاف بذلك ، نص عليه الشافعي ، واتفق الأصحاب عليه . ومن المهم بيان حقيقة هذه الرحبة . قال صاحب الشامل والبيان : المراد بالرحبة ما كان مضافا إلى المسجد محجرا عليه ، قالا : والرحبة من المسجد ، قال صاحب البيان وغيره : وقد نص الشافعي على صحة الاعتكاف في الرحبة . قال القاضي أبو الطيب في المجرد : قال الشافعي : يصح الاعتكاف في رحاب المسجد لأنها من المسجد .

وقال المحاملي في المجموع : للمنارة أربعة أحوال : ( إحداها ) أن تكون مبنية داخل المسجد فيستحب الأذان فيها ; لأنه طاعة .

( الثانية ) أن تكون خارج المسجد إلا أنها في رحبة المسجد فالحكم فيها كما لو كانت في المسجد ، لأن رحبة المسجد من المسجد ، ولو اعتكف فيها صح اعتكافه .

( الثالثة ) أن تكون خارج المسجد وليست في رحبته ، إلا أنها متصلة ببناء المسجد ولها باب إلى المسجد فله أن يؤذن فيها ; لأنها متصلة بالمسجد ومن جملته .

( والرابعة ) أن تكون خارج المسجد غير متصلة به ، ففيها الخلاف السابق هذا كلام المحاملي بحروفه وفيه فوائد ، وعبارة شيخه أبي حامد في التعليق نحو هذا وكلام غيرهما نحوه ، وفيه التصريح بخلاف ما استدل بل إمام الحرمين في المنارة المتصل بابها بالمسجد كما قدمناه عنه قريبا ، ووعدنا بذكر التصريح بنقل خلافه ، والله تعالى أعلم .

فرع اتفق الأصحاب على أن المأموم لو صلى في رحبة المسجد مقتديا بالإمام الذي في المسجد صحت صلاته ، وإن حال بينهما حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة لم يضره ، لأن الرحب من المسجد كما سبق ، ومما يتعلق بهذا هذا الموضع الذي هو باب جامع دمشق وهو باب [ ص: 535 ] الساعات ، فلو صلى المأموم تحت الساعات بصلاة الإمام في الجامع هل تصح صلاته ؟ يصح ; لأن هذا الموضع رحبة المسجد . وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : لا يصح لأنه ليس برحبة وإنما الرحبة صحن الجامع ، وطال النزاع بينهما وصفا فيه ، والصحيح قول ابن عبد السلام ، وهو الموافق لما قدمناه من كلام المحاملي وابن الصباغ وصاحب البيان وغيرهم ، وقد تأملت ما صنفه أبو عمرو واستدلاله ، فلم أر فيه دلالة على المقصود والله تعالى أعلم ( فرع ) لو دخل المؤذن المعتكف إلى حجرة مهيأة للسكنى بجنب المسجد ، وبابها إلى المسجد بطل اعتكافه بلا خلاف ، صرح بالاتفاق عليه إمام الحرمين ، قال : وإنما قلنا ما قلنا في المنارة ; لأنها مبنية لإقامة شعار المسجد ، والله أعلم .

( فرع ) المنارة هنا - بفتح الميم - بلا خلاف ، وكذلك منارة السراج - بفتح الميم - بلا خلاف وجمعهما مناور ومنائر بهمزة بعد الألف ، والأصل مناور بالواو ، لأنها من النور ، قال الجوهري : من قال : مناور بالواو ; لأنه من النور ، ومن قال : منائر بالهمز فقد شبه الأصلي بالزائد ، كما قالوا : مصائب ، وأصله مصاوب ، والمنارة مفعلة من الاستنارة ، وقال صاحب المحكم جمعها مناور على القياس ، ومنائر على غير القياس قال ثعلب : من همز شبه الأصلي بالزائد ، وأما سيبويه فيحمل ما همز من هذا على الغلط .

( فرع ) رحبة المسجد ، قال الجوري : وهي بفتح الحاء وجمعها رحب ورحاب ورحبات كقصبات . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث