الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن نذر أن يعتكف يوما ، لزمه أن يدخل فيه قبل طلوع الفجر ، ويخرج منه بعد غروب الشمس ; ليستوفي الفرض بيقين وهل يجوز أن يفرقه في ساعات أيام ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) يجوز كما يجوز أن يعتكف شهرا من شهور ( والثاني ) لا يجوز ; لأن اليوم عبارة عما بين طلوع الفجر وغروب الشمس ) .

التالي السابق


( الشرح ) قال أصحابنا : إذا نذر اعتكاف يوم لم يلزمه معه ليله بلا خلاف بل يلزمه أن يدخل فيه قبل طلوع الفجر ، ويخرج منه بعد غروب الشمس لأن حقيقة اليوم ما بين الفجر وغروب الشمس ، [ ص: 519 ] هكذا قاله الخليل بن أحمد وغيره من أئمة اللغة وغيرهم ، وإذا كان كذلك وجب الدخول قبل الفجر والمكث إلى ما بعد غروب الشمس ليسقط الفرض كما يجب على الصائم إمساك جزء بعد الغروب لاستكمال اليوم ، وهل يجوز أن يفرق اليوم في ساعات من أيام ؟ بأن يعتكف من كل يوم ساعة أو ساعتين أو ساعات حتى يستكمل اليوم ؟ فيه هذان الوجهان المذكوران في الكتاب بدليلهما ( أصحهما ) وبه قال أكثر أصحابنا : لا يجوز . وحكى الدارمي وجها ثالثا عن القيصري من أصحابنا أنه لو نوى اليوم متتابعا لم يجزئه وإن أطلق أجزأه تفريق ساعاته . قال أصحابنا : ولو دخل في الاعتكاف في أثناء النهار ، وخرج بعد غروب الشمس ثم عاد قبل الفجر ، ومكث إلى مثل ذلك الوقت ، ففي إجزائه هذان الوجهان ، فلو لم يخرج بالليل فطريقان .

( أحدهما ) وبه قطع الأكثرون ، وهو ظاهر نص الشافعي أو هو نصه أنه يجزئه ، سواء جوزنا التفريق في ساعات من أيام ، أم لا ، لحصول التواصل .

( والثاني ) أنه على الوجهين في تفريق الساعات كما لو خرج في الليل ، وبهذا الطريق قال أبو إسحاق المروزي ، وحكاه عنه أصحابنا العراقيون وإمام الحرمين والمتولي وغيرهما من الخراسانيين ، لأنه لم يأت بيوم متواصل الساعات واعتكافه تلك الليلة غير داخل في نذره ، ولا أثر له فكأنه خرج في الليل ثم عاد ، فسواء مكث في المسجد أو خرج ثم عاد ، فبمجرد حصول الليل حصل التفريق .

قال إمام الحرمين : وهذا الذي قاله أبو إسحاق منقاس متجه ، وإن كان معظم الأصحاب على خلافه ، قال : وعرض على أبي إسحاق نص الشافعي على تجويز ذلك مع مصيره إلى أن تفريق ساعات اليوم لا يجزئ فقال : نصه محمول على ما إذا قال : لله علي أن أعتكف يوما من وقتي هذا ، فإذا قال ذلك فلا وجه إلا الصبر إلى مثله من الغد ، هذا كلام الإمام ، ولو قال : لله علي أن أعتكف يوما من هذا الوقت فقد اتفق أصحابنا في الطرق كلها على أنه يلزمه دخول المعتكف [ ص: 520 ] من ذلك الوقت إلى مثله من الغد ، ولا يجوز الخروج بالليل ، بل يجب مكثه لتحقق التواصل ، قال الشافعي : وهذا فيه نظر ; لأن الملتزم يوم وليست الليلة منه فلا يمنع التتابع ، قال : والقياس أن يجعل فائدة التقييد في هذه الصورة القطع بجواز التفريق لا غير . ثم حكى إمام الحرمين عن الأصحاب تفريعا على جواز تفريق الساعات أنه يكفيه ساعات أقصر الأيام ; لأنه لو اعتكف أقصر الأيام جاز ، ثم قال : إن فرق على ساعات أقصر الأيام في سنين فالأمر كذلك ، وإن اعتكف في أيام متباينة في الطول والقصر فينبغي أن ينسب اعتكافه في كل يوم بالجزئية إن كان ثلثا ، فقد خرج عن ثلث ما عليه وعلى هذا القياس ، نظرا إلى اليوم الذي يقع فيه الاعتكاف ، ولهذا لو اعتكف من يوم طويل بقدر ساعات أقصر الأيام لم يكفه قال الرافعي : وهو استدراك حسن ، وقد أجاب عنه بما لا يشفي ، والله أعلم .

قال المتولي وغيره : لو نذر اعتكاف ليلة فهو في معنى اعتكاف اليوم على ما سبق ، فيدخل المسجد قبل غروب الشمس ، ويمكث حتى يطلع الفجر ، فلو أراد تفريقا من ساعات ليالي ففيه الخلاف السابق في تفريق ساعات اليوم من أيام ، وكذا لو دخل نصف الليل وبقي إلى نصف الليلة الأخرى ففيه الطريقان السابقان ( أشهرهما ) القطع بالإجزاء ، وقال أبو إسحاق : فيه الوجهان ، والله أعلم .

( فرع ) قال المتولي : لو نذر اعتكاف يوم فاعتكف بدله ليلة - فإن لم يكن عين الزمان - لم يجزئه - لأنه قادر على الوفاء بنذره على الصفة الملتزمة فهو كمن نذر أن يصلي ركعتين بالنهار ، فصلاهما بالليل ، وإن كان عين الزمان في نذره ففات فاعتكف بدل اليوم ليلة أجزأه ، كما لو فاته صلاة نهار ، إما مكتوبة أو منذورة فقضاها في الليل ، فإنه يجوز وسببه أن الليل صالح للاعتكاف كالنهار وقد فات الوقت فوجب قضاء القدر الفائت ، فأما الوقت فيسقط حكمه بالفوات . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث