الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن نذر أن يعتكف شهرا نظرت فإن كان شهرا بعينه لزمه اعتكافه ليلا ونهارا سواء كان الشهر تاما أم ناقصا ، لأن الشهر عبارة عما بين النهارين تم أو نقص . وإن نذر اعتكاف نهار الشهر لزمه النهار دون الليل ، لأنه خص النهار فلا يلزمه الليل ، فإن فاته الشهر ، ولم يعتكف فيه لزمه قضاؤه ، ويجوز أن يقضيه متتابعا ومتفرقا ، لأن التتابع في أدائه بحكم الوقت ، فإذا فات سقط كالتتابع في يوم شهر رمضان ، وإن نذر أن يعتكف متتابعا لزمه قضاؤه متتابعا ، لأن التتابع ههنا وجب لحكم النذر ، فلم يسقط بفوات الوقت . قال في الأم : إذا نذر اعتكاف شهر وكان قد مضى الشهر لم يلزمه ، لأن الاعتكاف في شهر ماض محال ، فإن نذر اعتكاف شهر غير معين فاعتكف شهرا بالأهلة أجزأه تم الشهر أو نقص ; لأن اسم الشهر يقع عليه ، وإن اعتكف شهرا بالعدد لزمه ثلاثون يوما ; لأن الشهر بالعدد ثلاثون يوما ، ثم ينظر فيه ، فإن شرط التتابع لزمه التتابع ; لقوله صلى الله عليه وسلم : { من نذر نذرا سماه فعليه الوفاء به } وإن شرط أن يكون متفرقا جاز متفرقا ومتتابعا ; لأن المتتابع أفضل من المتفرق . فجاز أن يسقط أدنى الفرضين بأفضلهما ، كما لو نذر أن يعتكف في غير المسجد الحرام ، فله أن يعتكف في المسجد الحرام ، وإن أطلق النذر جاز متفرقا ومتتابعا ، كما لو نذر صوم شهر ) .

[ ص: 517 ]

التالي السابق


[ ص: 517 ] الشرح ) هذا حديث رواه ابن ماجه والترمذي .

( أما الأحكام ) فقال الأصحاب : إذا نذر اعتكاف شهر بعينه وأطلق لزمه اعتكافه ليلا ونهارا تاما كان الشهر أو ناقصا ، ويجزئه الناقص بلا خلاف ، فإن قال : أيام الشهر ، فلا يلزمه الليالي ، أو يقول : الليالي ، فلا تلزمه الأيام ، فلو لم يلفظ بالتقييد بالأيام دون الليالي أو عكسه ، ولكن نواه بقلبه فوجهان ( أصحهما ) عند المتولي والبغوي والرافعي وغيرهم لا أثر لنيته ; لأن النذر لا يصح إلا باللفظ .

( والثاني ) يكون كاللفظ ; لأن النية تمييز الكلام المجمل ، كما لو نذر عشرة أيام أو ثلاثين يوما وأراد الأيام خاصة ، فإنه لا يلزمه إلا الأيام خاصة بلا خلاف ، قال البغوي : وهذا الوجه هو قول القفال ، قال المتولي : ولو نذر اعتكافا مطلقا بلسانه ونوى بقلبه عشرة أيام فهل تلزمه العشرة أم يكفيه ما يقع عليه الاسم ؟ فيه هذان الوجهان ، قال أصحابنا : وإن فاته الاعتكاف في الشهر الذي عينه لزمه قضاؤه ويجوز متفرقا ومتتابعا لما ذكره المصنف ، وحكى أصحابنا عن أحمد أنه قال : يلزمه التتابع في القضاء .

أما إذا نذر اعتكاف شهر بعينه أو عشرة أيام بعينها وشرط التتابع بأن قال : نذرت اعتكاف هذا الشهر متتابعا أو هذه الأيام العشرة متتابعة ففاته ذلك المعين فيلزمه قضاؤه وهل يجب القضاء في هذه الصورة متتابعا ؟ فيه وجهان ( أصحهما ) وبه قطع المصنف والأكثرون يجب لتصريحه به ( والثاني ) حكاه الفوراني والمتولي والبغوي وآخرون من الخراسانيين لا يجب ، بل يجوز متفرقا ; لأن التتابع يقع فيه ضرورة فلا أثر لتصريحه . [ ص: 518 ] أما إذا نذر اعتكاف شهر مضى بأن قال : أعتكف شهر رمضان سنة سبعين وستمائة وهو في سنة إحدى وسبعين فلا يلزمه بلا خلاف ; لفساد نذره ، نص عليه الشافعي في الأم وتابعه الأصحاب ، أما إذا نوى اعتكاف شهر غير معين فإنه يكفيه شهر الهلال تم أو نقص ، لأن الشهر اسم لما بين الهلالين وإنما ، يحصل له هذا إذا دخل فيه قبل غروب الشمس ليلة الهلال ، فإن دخل بعد الغروب فقد صار شهره عدديا ، فيلزمه استكمال ثلاثين يوما بلياليها ، ثم إن كان شرط التتابع لزمه بلا خلاف لما ذكره المصنف . وإن شرط التفريق جاز متفرقا ، وهل يجوز متتابعا ؟ فيه طريقان ( أصحهما ) القطع بجوازه . وبه قطع المصنف والأكثرون . لأنه أفضل ( والثاني ) فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره من الخراسانيين ( أصحهما ) هذا ( والثاني ) لا يجزئه ، لأنه خلاف ما سماه ، وإن لم يشترط التتابع ولا التفريق فيجوز متفرقا ومتتابعا على المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور ، لكن يستحب التتابع وخرج ابن سريج قولا أنه يلزمه التتابع حكاه عنه إمام الحرمين والمتولي وغيرهما وهذا شاذ ضعيف والله أعلم ، ولو نذر اعتكاف العشر الأواخر من شهر بعينه ففاته وخرج الشهر ناقصا لم يلزمه إلا قضاء تسعة أيام بلياليها ، لأن العشر الذي التزمه إنما كان تسعة بلياليها ، صرح به المتولي وغيره وهو ظاهر . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث