الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأفضل أن يعتكف في العشر الأخيرة من شهر رمضان

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويجوز الاعتكاف في جميع الأوقات ، والأفضل أن يعتكف في العشر الأخيرة من شهر رمضان لحديث أبي بن كعب وعائشة رضي الله عنهما ، ويجوز أن يعتكف ما شاء من ساعة ويوم وشهر ، كما يجوز أن يتصدق بما شاء من قليل أو كثير ، وإن نذر اعتكافا مطلقا أجزأه ما يقع عليه الاسم . قال الشافعي رحمه الله تعالى : وأحب أن يعتكف يوما ، وإنما استحب ذلك ليخرج من الخلاف ، فإن أبا حنيفة لا يجيز أقل من يوم ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي وعائشة سبق بيانه في أول الباب ، وأبو حنيفة اسمه : النعمان بن ثابت ، ولد سنة ثمانين من الهجرة ، وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة ، وفيها ولد الشافعي ، قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى : يصح الاعتكاف في جميع الأوقات من الليل والنهار ، وأوقات كراهة الصلاة ، وفي يوم العيدين والتشريق كما سبق دليله وبيانه ، وأفضله ما كان يصوم ، وأفضله شهر رمضان ، وأفضله العشر الأواخر منه قال الشافعي والأصحاب : والأفضل أن لا ينقص اعتكافه عن يوم ، لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتكاف دون يوم . وليخرج من خلاف أبي حنيفة وغيره ممن يشترط الاعتكاف يوما فأكثر . وأما أقل الاعتكاف ففيه أربعة أوجه : ( أحدها ) وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه يشترط لبث في المسجد ، وأنه يجوز الكثير منه والقليل حتى ساعة أو لحظة . قال إمام الحرمين وغيره : وعلى هذا لا يكفي ما في الطمأنينة في الركوع والسجود [ ص: 514 ] ونحوهما بل لا بد من زيادة عليه بما يسمى عكوفا وإقامة ، ( والوجه الثاني ) حكاه إمام الحرمين وآخرون أنه يكفي مجرد الحضور والمرور من غير لبث أصلا ، كما يكفي مجرد الحضور والمرور بعرفات في الوقوف . وبه قطع البندنيجي . قال إمام الحرمين : وعلى هذا الوجه يحصل الاعتكاف بالمرور حتى ولو دخل من باب وخرج من باب ونوى فقد حصل الاعتكاف ، وعلى هذا لو نذر اعتكافا مطلقا خرج عن نذره بمجرد المرور .

( والوجه الثالث ) حكاه الصيدلاني وإمام الحرمين وآخرون أنه لا يصح إلا يوم أو ما يدنو من يوم ( والرابع ) حكاه المتولي وغيره أنه يشترط أكثر من نصف النهار أو نصف الليل ، لأن مقتضى العادة أن تخالف العبادة وعادة الناس القعود في المساجد الساعة والساعات لانتظار الصلاة ، أو سماع الخطبة أو العلم أو لغير ذلك . ولا يسمى ذلك اعتكافا فشرط زيادة عليه لتتميز العبادة عن العادة ، قال المتولي : وهذا الخلاف في اشتراط أكثر النهار يشبه الخلاف في صوم التطوع ، فإنه يصح بنية قبل الزوال ، وفي صحته بنية بعده قولان مشهوران ( فإذا قلنا ) بالمذهب وهو الوجه الأول : إنه يصح الاعتكاف بشرط لبث وإن قل فلا فرق بين كثيره وقليله في الصحة ، وإنما شرط لبث يزيد على طمأنينة الصلاة كما سبق ، وكلما كثر كان أفضل ولا حد لأكثره بل يصح اعتكاف عمر الإنسان جميعه ويصح نذر اعتكاف العمر وسنفرده بمسألة مستقلة . ولو نذر اعتكافه ساعة صح نذره ولزمه اعتكاف ساعة ، ولو نذر اعتكافا مطلقا كفاه عن نذره اعتكاف لحظة ، والأفضل أن يعتكف يوما ليخرج من خلاف أبي حنيفة وموافقيه ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ولو كان يدخل ساعة ويخرج ساعة ، وكلما دخل نوى الاعتكاف صح على المذهب ، وحكى الروياني فيه وجها ضعيفا وكأنه اعتكاف إلى الوجه الثاني والثالث . قال المتولي وغيره : ولو نوى اعتكاف مدة معلومة استحب له الوفاء بها بكمالها ، فإن خرج قبل إكمالها جاز ، لأن التطوع لا يلزم بالشروع ، وإن أطلق النية ولم يقدر شيئا دام اعتكافه ما دام في المسجد . [ ص: 515 ] فرع في مذاهب العلماء في أقل الاعتكاف . قد ذكرنا أن الصحيح المشهور من مذهبنا أنه يصح كثيره وقليله ولو لحظة ، وهو مذهب داود والمشهور عن أحمد ورواية عن أبي حنيفة . وقال مالك وأبو حنيفة في المشهور عنه : أقله يوم بكماله بناء على أصلهما في اشتراط الصوم . دليلنا أن الاعتكاف في اللغة يقع على القليل والكثير ولم يحده الشرع بشيء يخصه فبقي على أصله . وأما الصوم فقد سبق الكلام فيه . وبينا أنه لم يثبت في اشتراط الصوم شيء صريح . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث