الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


31 - ( فصل )

في مذاهب أهل المدينة في الدعاوى وهو من أسد المذاهب وأصحها ، وهي عندهم ثلاث مراتب : المرتبة الأولى : دعوى يشهد لها العرف بأنها مشبهة ، أي تشبه أن تكون حقا .

المرتبة الثانية : ما يشهد العرف بأنها غير مشبهة ، إلا أنه لم يقض بكذبها .

المرتبة الثالثة : دعوى يقضي العرف بكذبها .

فأما المرتبة الأولى : فمثل أن يدعي سلعة معينة بيد رجل ، أو يدعي غريب وديعة عند غيره ، أو يدعي مسافر : أنه أودع أحد رفقته ، وكالمدعي على صانع منتصب للعمل : أنه دفع إليه متاعا يصنعه ، والمدعي على بعض أهل الأسواق المنتصبين للبيع والشراء : أنه باع منه أو اشترى ، وكالرجل يذكر في مرض موته : أن له دينا قبل رجل ، ويوصي أن يتقاضى منه فينكره وما أشبه هذه المسائل . فهذه الدعوى تسمع من مدعيها ، وله أن يقيم البينة على مطابقتها ، أو يستحلف المدعى عليه ، ولا يحتاج في استحلافه إلى إثبات خلطة .

وأما المرتبة الثانية : فمثل أن يدعي على رجل دينا في ذمته ، ليس داخلا في الصور المتقدمة ، أو يدعي على رجل معروف بكثرة المال : أنه اقترض منه مالا ينفقه على عياله ، أو يدعي على رجل ، لا معرفة بينه وبينه ألبتة : أنه أقرضه أو باعه شيئا بثمن في ذمته إلى أجل ونحو ذلك . فهذه الدعوى تسمع ، ولمدعيها أن يقيم البينة على مطابقتها .

قالوا : ولا يملك استحلال المدعى عليه على نفيها إلا بإثبات خلطة بينه وبينه قال ابن القاسم : والخلطة أن يسالفه ، أو يبايعه أو يشتري منه مرارا .

وقال سحنون : لا تكون الخلطة إلا بالبيع والشراء بين المتداعيين . قالوا : ينظر إلى دعوى المدعي .

فإن كانت تشبه أن يدعى بمثلها على المدعى عليه : أحلف له ، وإن كانت مما لا تشبه ، وينفيها العرف : لم يحلف إلا أن يبين المدعى عليه خلطة .

قالوا : فإن لم تكن خلطة ، وكان المدعى عليه متهما ، فقال سحنون : يستحلف المتهم ، وإن لم تكن خلطة ، وقال غيره : لا يستحلف . [ ص: 79 ] وتثبت الخلطة عندهم بإقرار المدعى عليه بها وبالشاهدين ، والشاهد واليمين ، والرجل الواحد ، والمرأة الواحدة .

قالوا : وأما المرتبة الثالثة فمثالها : أن يكون رجل حائزا لدار ، متصرفا فيها السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة ، وينسبها إلى نفسه ، ويضيفها إلى ملكه ، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة ، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها ، ولا يذكر أنه له فيها حقا ، ولا مانع يمنعه من مطالبته كخوف من سلطان ، أو ما أشبه ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق ، ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة ، ولا شركة في ميراث ، أو ما شبه ذلك مما تتسامح فيه القرابات والصهر بينهم ، بل كان عريا من جميع ذلك . ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه ، ويزعم أنها له ، ويريد أن يقيم بذلك بينة .

فدعواه غير مسموعة أصلا ، فضلا عن بينته وتبقى الدار بيد حائزها ، لأن كل دعوى يكذبها العرف وتنفيها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة .

قال الله تعالى : { وأمر بالعرف } ، وقد أوجبت الشريعة الرجوع إليه عند الاختلاف في الدعاوى ، كالنقد والحمولة والسير ، وفي الأبنية ومعاقد القمط ، ووضع الجذوع على الحائط وغير ذلك .

قالوا : ومثل ذلك : أن تأتي المرأة بعد سنين متطاولة تدعي على الزوج أنه لم يكسها في شتاء ولا صيف ، ولا أنفق عليها شيئا .

فهذه الدعوى لا تسمع لتكذيب العرف والعادة لها ، ولا سيما إذا كانت فقيرة والزوج موسر .

ومن ذلك : قول القاضي عبد الوهاب في رده على المزني : مذهب مالك : أن المدعى عليه لا يحلف للمدعي بمجرد دعواه ، دون أن ينضم إليها علم بمخالطة بينهما أو معاملة .

قال شيخنا أبو بكر : أو تكون الدعوى تليق بالمدعى عليه ، لا يتناكرها الناس ، ولا ينفيها عرف . قال : وهذا مروي عن علي بن أبي طالب ، وعمر بن عبد العزيز ، وعن فقهاء المدينة السبعة . قال : والدليل على صحته : أنه قد ثبت وتقرر أن الإقدام على اليمين يصعب ، ويثقل على كثير من الناس ، سيما على أهل الدين وذوي المروءات والأقدار ، وهذا أمر معتاد بين الناس على ممر الأعصار ، لا يمكن جحده .

وكذلك روي عن جماعة من الصحابة : أنهم افتدوا أيمانهم ، منهم : عثمان ، وابن مسعود وغيرهما ، وإنما فعلوا ذلك لمروءتهم ، ولئلا تسبق الظلمة إليهم إذا حلفوا ، فمن يعادي الحالف ، ويحب الطعن [ ص: 80 ] عليه ، يجد طريقا إلى ذلك ، لعظم شأن اليمين وعظم خطرها ، ولهذا جعلت بالمدينة عند المنبر ، وأن يكون ما يحلف عليه عنده مما له حرمة ، كربع دينار فصاعدا ، فلو مكن كل مدع أن يحلف المدعى عليه بمجرد دعواه لكان ذلك ذريعة إلى امتهان أهل المروءات وذوي الأقدار والأخطار والديانات لمن يريد التشفي منهم ، لأنه لا يجد أقرب ولا أخف كلفة من أن يقدم الواحد منهم من يعاديه من أهل الدين والفضل إلى مجلس الحاكم ليدعي عليه ما يعلم أنه لا ينهض به ، أو لا يعترف ، ليتشفى منه بتبذله وإحلافه ، وأن يراه الناس بصورة من أقدم على اليمين عند الحاكم ، ومن يريد أن يأخذ من أحد من هؤلاء شيئا على طريق الظلم والعدوان وجد إليه سبيلا ، لعله يفتدي يمينه منه ، لئلا ينقص قدره في أعين الناس ، وكلا الأمرين موجود في الناس اليوم .

قال : وقد شاهدنا من ذلك كثيرا ، وحضرناه ، وأصابنا بعضه ، فكان ما ذهب إليه مالك ومن تقدمه من الصحابة والتابعين : حراسة لمروآت الناس ، وحفظا لها من الضرر اللاحق بهم ، والأذى المتطرق إليهم .

فإذا قويت دعوى المدعي بمخالطة أو معاملة ضعفت التهمة ، وقوي في النفس أن مقصوده غير ذلك ، فأحلف له ، ولهذا لم يعتبر ذلك الغريب ، لأن الغربة لا تكاد تلحق المروءة فيها ما يلحقها في الوطن .

فإن قيل : فيجب ألا يحضره مجلس الحاكم أيضا ، لأن في ذلك امتهانا له وابتذالا . قيل له : حضوره مجلس الحاكم ، لا عار فيه ، ولا نقص يلحق من حضوره ، لأن الناس يحضرونه ابتداء في حوائج لهم ومهمات ، وإنما العار الإقدام على اليمين ، لما ذكرناه .

وأيضا ، فإنه يمكن المدعي من إحضاره ، لعله يقيم عليه البينة ، ولا يقطعه عن حقه .

فإن قيل : فاليمين الصادقة لا عار فيها ، وقد حلف عمر بن الخطاب وغيره من السلف .

وقال لعثمان بن عفان ، لما بلغه أنه افتدى يمينه " ما منعك أن تحلف إذا كنت صادقا ؟ " .

قيل : مكابرة العادات لا معنى لها ، وأقرب ما يبطل به قولهم : ما ذكرناه من افتداء كثير من الصحابة والسلف أيمانهم ، وليس ذلك إلا لصرف الظلمة عنهم ، وألا تتطرق إليهم تهمة ، وما روي عن عمر : إنما هو لتقوية نفس عثمان ، وأنه إذا حلف صادقا فهو مصيب في الشرع ، ليضعف بذلك نفوس من يريد الإعنات ، ويطمع في أموال الناس بادعاء المحال ، ليفتدوا أيمانهم منهم بأموالهم . [ ص: 81 ]

وأيضا : فإن أرادوا أن اليمين الصادقة لا عار فيها عند الله تعالى : فصحيح ، ولكن ليس كل ما لم يكن عارا عند الله لم يكن عارا في العادة ، ونحن نعلم أن المباح لا عار فيه عند الله ، هذا إذا علم كون اليمين صادقا ، وكلامنا في يمين مطلقة لا يعلم باطنها .

قال : ودليل آخر ، وهو أن الأخذ بالعرف واجب ، لقوله تعالى : { وأمر بالعرف } .

ومعلوم أن من كانت دعواه ينفيها العرف ، فإن الظن قد سبق إليه في دعواه بالبطلان ، كبقال يدعي على خليفة أو أمير ما لا يليق بمثله شراؤه ، أو تطرق تلك الدعوى عليه .

قلت : ومما يشهد لذلك ويقويه : قول عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه الإمام أحمد وغيره - وهو ثابت عنه - : " إن الله نظر في قلوب العباد ، فرأى قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد ، فاختاره لرسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعده ، فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته ، فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح " .

ولا ريب أن المؤمنين - بل وغيرهم - يرون من القبيح : أن تسمع دعوى البقال على الخليفة أو الأمير : أنه باعه بمائة دينار ولم يوفه إياها ، أو أنه اقترض منه ألف دينار أو نحوها ، أو أنه تزوج ابنته الشوهاء ، ودخل بها ، ولم يعطها مهرها .

أو تدعي امرأة مكثت مع الزوج ستين سنة أو نحوها : أنه لم ينفق عليها يوما واحدا ، ولا كساها خيطا ، وهو يشاهد داخلا وخارجا إليها بأنواع الطعام والفواكه فتسمع دعواها ويحلف لها ، ويحبس على ذلك كله .

أو تسمع دعوى الذاعر الهارب وبيده عمامة لها ذؤابة ، وعلى رأسه عمامة ، وخلفه عالم مكشوف الرأس ، فيدعي الذاعر أن العمامة له ، فتسمع دعواه ، ويحكم له بها بحكم اليد .

أو يدعي رجل معروف بالفجور وأذى الناس على رجل مشهور بالديانة والصلاح : أنه نقب بيته وسرق متاعه ، فتسمع دعواه ويستحلف له ، فإن نكل قضي عليه .

أو يدعي رجل معروف بالشحاذة وسؤال الناس : أنه أقرض تاجرا من أكبر التجار مائة ألف دينار ، أو أنه غصبها منه ، أو أن ثياب التاجر التي هي عليه ملك الشحاذ شلحه إياها ، أو غصبها منه ، ونحو ذلك من الدعاوى التي شهد الناس بفطرهم وعقولهم : أنها من أعظم الباطل ، فهذه لا تسمع ، ولا يحلف فيها المدعى عليه ، ويعزر المدعي تعزير أمثاله .

وهذا الذي تقتضيه الشريعة التي مبناها على الصدق والعدل ، كما قال تعالى : { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ، لا مبدل لكلماته } فالشريعة المنزلة من عند الله لا تصدق كاذبا ، ولا تنصر ظالما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث