الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع وجد الركاز في دار الإسلام أو في دار أهل العهد وعرف مالك أرضه

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 48 ] قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ويجب في الركاز الخمس لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { وفي الركاز الخمس } ; ولأنه اتصل إليه من غير تعب ولا مؤنة ، فاحتمل فيه الخمس ، ولا يجب ذلك إلا على من تجب عليه الزكاة ; لأنه زكاة ، ولا تجب إلا فيما وجد في موات أو مملوك لا يعرف مالكه ، لأن الموات لا مالك له ، وما لا يعرف مالكه بمنزلة ما لا مالك له . فأما إذا وجده في أرض يعرف مالكها ، فإن كان ذلك لحربي فهو غنيمة ، وإن كان لمسلم أو لمعاهد فهو لمالك الأرض ، فإن لم يدعه مالك الأرض ، فهو لمن انتقلت الأرض منه إليه ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي هريرة رواه البخاري ومسلم . والركاز : هو المركوز بمعنى المكتوب . ومعناه في اللغة : المثبوت . ومنه ركز رمحه يركزه - بضم الكاف - إذا غوره وأثبته . وهو في الشرع دفين الجاهلية . ويجب فيه الخمس بلا خلاف عندنا .

قال ابن المنذر : وبه قال جميع العلماء . قال : ولا نعلم أحدا خالف فيه إلا الحسن البصري فقال : إن وجد في أرض الحرب ففيه الخمس ، وإن وجده في أرض العرب ففيه الزكاة . دليلنا : ما ذكره المصنف . قال الشافعي والأصحاب : لا يجب ذلك إلا على من عليه الزكاة ، سواء أكان رجلا أو امرأة ، رشيدا أو سفيها ، أو صبيا أو مجنونا . وحكم وجود العبد ما سبق في المعدن ، ولا يجب على مكاتب وذمي ، وفيهما قول ضعيف ، ووجه : أنه يلزمهما . قال صاحب " البيان " : حكاه أبو ثور عن الشافعي أنه يجب على الذمي ، ونقله ابن المنذر عن الشافعي ، ولم يحك عنه خلافه ، بل زاد ونقل الإجماع على وجوبه على الذمي . وهذا لفظه في الأشراف .

قال : قال كل من أحفظ عنه من أهل العلم : إن على الذمي في الركاز الخمس ، وبه قال مالك ، وأهل المدينة والثوري وأهل العراق من أصحاب الرأي وغيرهم ، والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وغيرهم . قال : وبه أقول . قال : وهذا يدل على أن سبيل الركاز سبيل الفيء لا سبيل الصدقات ، وهذا الذي نقله ابن المنذر عن الشافعي غريب [ ص: 49 ] مردود . وحكى صاحب " الحاوي " والقاضي أبو الطيب وجها : أن الكافر لا يملك ما يأخذه من المعدن والركاز كما لا يملك بالإحياء ، وهذا غلط ، وقد سبق في أول الباب الفرق بينهما عن صاحب " الحاوي " ، وأما السفيه فيملك الركاز كما يملك الصبي والمجنون . وحكى الماوردي عن سفيان الثوري : أن المرأة والعبد والصبي لا يملكون الركاز ، وهذا باطل ; لأن الركاز كسب لواجده ، وهؤلاء من أهل الاكتساب كما يكسبون بالاصطياد والاحتطاب ، وإذا ملكوا بالاكتساب وجبت الزكاة ; لأنهم من أهلها .



وأما الموضع الذي وجد فيه الركاز فقال أصحابنا : له حالان ( أحدهما ) : أن يكون في دار الإسلام ، فإن وجده في موضع لم يعمره مسلم ولا ذو عهد فهو ركاز ، سواء أكان مواتا أو من القلاع العادية التي عمرت في الجاهلية ، وهذا لا خلاف فيه ، وإن وجده في طريق مسلوك فالمذهب الصحيح الذي قطع به العراقيون والقفال : أنه لقطة ، وقيل : ركاز ، وقيل : فيه وجهان ( أصحهما ) : لقطة ( والثاني ) : ركاز . ولو وجده في المسجد فلقطة . هذا هو المذهب وبه قطع البغوي والجمهور . قال الرافعي : ويجيء فيه الوجه الذي في الطريق أنه ركاز ، وما عدا هذا الموضع ( قسمان ) مملوك وموقوف والمملوك نوعان له ولغيره ، فالذي لغيره إذا وجد فيه كنزا لم يملكه الواجد ، بل إن ادعاه مالك الأرض فهو له بلا يمين ، كالأمتعة التي في داره . وهذا الذي ذكرناه من كونه بلا يمين متفق عليه ، ونص عليه في " الأم " ، فإن لم يدعه فهو لمن انتقل إليه منه ملك الأرض ، فإن لم يدعه فلمن قبله ، وهكذا حتى ينتهي إلى الذي أحيا الأرض فيكون له ، سواء ادعاه أم لا ; لأن بالإحياء ملك ما في الأرض ، وبالبيع لم يزل ملكه عنه ، فإنه مدفون منقول لا يعد جزءا من الأرض فلم يدخل في البيع ، فإن كان الذي انتقل منه الملك ميتا فورثته قائمون مقامه . فإن قال [ ص: 50 ] بعضهم : هو لمورثنا وأباه بعضهم ، سلم إلى المدعي نصيبه وسلك بالباقي ما ذكرناه . وذكر الرافعي هذا الكلام ثم قال : هذا كلام الأصحاب تصريحا وإشارة ، قال : ومن المصرحين بأن الركاز يملك بإحياء الأرض القفال ، ورأى إمام الحرمين تخريج ملك الركاز بالإحياء على ما لو دخلت ظبية دارا فأغلق صاحبها الباب لا على قصد ضبطها ، وفيه وجهان ( أصحهما ) : لا يملكها لكن يصير أولى بها ، كذلك المحيي لا يملك الكنز لكن يصير أولى به ، والمذهب ما سبق : أنه يملكه بالإحياء . فعلى هذا إذا زال ملكه عن الأرض وجب طلبه ورد الكنز إليه ; لأنه ملكه عن رقبة الأرض ولم يدخل في البيع . وإن قلنا : لا يملكه ويصير أولى به ، فلا يبعد أن يقال : إذا زال ملكه عن رقبة الأرض بطل اختصاصه ، كما أن في مسألة الظبية إذا قلنا : لا يملكها ، ففتح الباب وأفلتت ملكها من اصطادها .

( قلت ) : وهذا احتمال أبداه إمام الحرمين . وقد نقل الإمام عن الأئمة : أنه يملك الكنز بالإحياء ولا يبطل حقه كالبيع . وهذا هو المذهب المعروف قال الرافعي : فإن قلنا : المحيي لا يملك الكنز بالإحياء ، فإذا دخل في ملكه أخرج الخمس ، ( وإن قلنا ) : يملكه بالإحياء ، فإذا احتوت يده على الكنز الذي كان في يد المشتري للأرض وقد مضت سنون وجب إخراج خمس الذي كان موجودا يوم ملكه وفيما بعده من السنين ، إلى أن صار في يده هل يلزمه زكاة ربع العشر من الأخماس الأربعة الباقية ؟ فيه الخلاف السابق في الضال والمغصوب ، وفي الخمس كذلك إن قلنا : لا تتعلق الزكاة بالعين ، وإن علقناها بها فعلى ما سبق من زكاة المواشي فيما إذا ملك نصابا وتكرر الحول عليه .

( النوع الثاني ) : أن تكون الأرض مملوكة له ، فإن كان أحياها فما وجده ركاز وعليه خمسه والباقي له ، ويجب الخمس في وقت دخوله في [ ص: 51 ] ملكه كما سبق . هذا هو المذهب .

وقال الغزالي : فيه وجهان بناء على احتمال الإمام الذي سبق بيانه . والصحيح ما سبق ، وإن كانت الأرض انتقلت إليه من غيره لم يحل له أخذه . بل يلزمه عرضه على من ملك الأرض منه ، ثم الذي قبله إن لم يدعه ، ثم هكذا ينتهي إلى المحيي كما سبق . ( القسم الثاني ) : إذا كانت الأرض موقوفة فالكنز لمن في يده الأرض كذا ذكره البغوي .

( الحالة الثانية ) : أن يجده في دار الحرب ، فينظر إن وجده في موات ، فإن كانوا لا يذبون عنه فهو كموات دار الإسلام بلا خلاف عندنا . وقال أبو حنيفة : هو غنيمة ولا يخمس بل كله للواجد ، وقال مالك : يكون بين الجيش ، وقال الأوزاعي : يؤخذ خمسه والباقي بين الجيش . دليلنا عموم الحديث : { وفي الركاز الخمس } والقياس على الموجود في دار أهل العهد فقد وافقونا فيها ، وإن كانوا يذبون عن ذبهم عن العمران فالصحيح الذي قطع به جماهير الأصحاب في الطريقتين : أنه ركاز كالذي لا يذبون عنه ; لعموم الحديث .

وقال الشيخ أبو علي السنجي : هو كعمرانهم ، وإن وجد في موضع مملوك لهم نظر - إن أخذ بقهر وقتال - فهو غنيمة ، كأخذ أموالهم ونقودهم من بيوتهم فيكون خمسه لأهل خمس الغنيمة ، وأربعة أخماسه لواجده . وإذا أخذ بغير قتال ولا قهر فهو فيء ومستحقه أهل الفيء .

وكذا ذكره إمام الحرمين . قال الرافعي : هذا محمول على ما إذا دخل دار الحرب بغير أمان . أما إذا دخل بأمان فلا يجوز له أخذ الكنز لا بقتال ولا بغيره . كما [ أنه ] ليس له خيانتهم في أمتعتهم ، فإن لزمه رده . قال : وقد نص على هذا الشيخ أبو علي قال : ثم في كونه فيئا إشكال ; لأن من دخل بغير أمان وأخذ [ ص: 52 ] مالهم بلا قتال ، إما أن يأخذه خفية فيكون سارقا ، وإما جهارا فيكون مختلسا ، وكلاهما ملك خاص للسارق والمختلس . قال : وتأييد هذا الإشكال بأن كثيرا من الأئمة أطلقوا القول بأنه غنيمة ، منهم الصيدلاني وابن الصباغ . قلت : وكذا أطلق المصنف وآخرون : أنه غنيمة . وحيث قلنا : غنيمة - فإن كان الواجد وجده - اختص بأربعة أخماس وخمسه لأهل خمس الغنيمة ، وإن كان في جيش كان مشتركا بين الجيش ، نص عليه الشافعي والأصحاب . قال الشافعي : وهو كالمأخوذ من منازلهم . قال الدارمي : ولو وجد في قبر جاهلي أو في خربة فهو ركاز .



( فرع ) إذا وجد الركاز في دار الإسلام أو في دار أهل العهد وعرف مالك أرضه لم يكن ركازا ولا يملكه الواجد ، بل يجب حفظه حتى يجيء صاحبها فيدفعه إليه . فإن أيس من مجيئه كان لبيت المال كسائر الأموال الضائعة . هكذا نقله الأصحاب . قال صاحب الحاوي : فإن قيل : هلا كان لقطة كما لو وجد ضرب الإسلام ( فالجواب ) : أن ضرب الإسلام وجد في غير ملك فكان لقطة كالثوب الموجود وغيره ، وهذا وجد في ملك فهو لمالك الأرض في ظاهر الحكم .

قال : وما ذكره الشافعي من إطلاق اللفظ فهو على التفصيل الذي ذكرناه .



( فرع ) قال في البيان : قال الشيخ أبو حامد : قال أبو إسحاق المروزي : إذا بنى كافر بناء ، وكنز فيه كنزا وبلغته الدعوة وعاند فلم يسلم ثم هلك وباد أهله فوجد ذلك الكنز ، كان فيئا لا ركازا ; لأن الركاز إنما هو أموال الجاهلية العادية الذين لا يعرف هل بلغتهم دعوة أم لا ؟ [ ص: 53 ] فأما من بلغتهم فمالهم فيء فخمسه لأهل الخمس وأربعة أخماسه للواجد . وحكى القاضي أبو الطيب أيضا هذه المسألة كما سبق . قال : لأنه مال مشرك رجع إلينا بلا قتال ، وإنما يكون الكنز ركازا إذا لم يعلم حاله ، وهل بلغته الدعوة فيحل ماله ؟ أم لا فلا يحل ؟ .



( فرع ) قال صاحب " الحاوي " : لو أقطع الإمام إنسانا أرضا فظهر فيها ركاز ، فهو للمقطع سواء وجده هو أو غيره ; لأنه ملك الأرض بالإقطاع كما يملكها بالشرى وكما لو أحيا أرضا فوجد فيها ركازا ، فإنه للمحيي سواء وجده هو أو غيره ; لأنها ملكه . هذا كلامه . ومراده : أقطعه الأرض تمليكا لرقبتها . وكذا قال الدارمي : إذا أقطعه السلطان أرضا ملكها سواء عمرها أم لا ، فمن وجد فيها ركازا فهو للمقطع ، قال : وقيل : لا يملكه إلا بالإحياء قال : وهو غلط مخالف لنصه .



( فرع ) لو تنازع بائع الدار ومشتريها في ركاز وجد فيها فقال المشتري : هو لي وأنا دفنته ، وقال البائع مثل ذلك ، أو قال : ملكته بالإحياء أو تنازع معير ومستعير ، أو مؤجر ومستأجر هكذا ، فالقول قول المشتري ، والمستعير والمستأجر بأيمانهم ; لأن اليد لهم ، فهو كالنزاع في متاع الدار ، هذا مذهب الشافعي والأصحاب ،

وقال المزني : القول قول المؤجر والمعير ; لأنه مالك الأرض ، قال الأصحاب : هذا غلط ; لأن الدار وما فيها في يد المستأجر والمستعير ، هذا إذا احتمل صدق صاحب اليد ، ولو على بعد ، فأما إذا لم يحتمل لكون مثله لا يحتمل دفنه في مدة يده ، فلا يصدق صاحب اليد بلا خلاف . ولو اتفقا على أنه ركاز لم يدفنه صاحب اليد ، فهو لصاحب الأرض بلا خلاف ، ولو وقع نزاع المستأجر والمؤجر أو المعير والمستعير بعد رجوع الدار إلى يد المالك ، فإن قال المعير أو المؤجر : أنا دفنته بعد عود الدار إلي ، فالقول قوله بيمينه بشرط الإمكان ، ولو قال : دفنته قبل خروج الدار من يدي فوجهان حكاهما إمام الحرمين والغزالي وآخرون ( أحدهما ) : القول قوله أيضا ; لأنه في يده في الحالين ( وأصحهما ) : القول قول المستأجر والمستعير ; لأن المالك اعترف بحصول الكنز [ ص: 54 ] في يده ، فيده تنسخ اليد السابقة ، ولهذا لو تنازعا قبل الرجوع كان القول قوله . قال إمام الحرمين : ولو وجد ركازا في ملك غيره ، وكان ذلك الملك مستطرقا يستوي الناس في استطراقه من غير منع ، فقد ذكر صاحب " التقريب " فيه خلافا ، قال إمام الحرمين : وموضع الخلاف فيه تأمل ، قال : وظاهر كلامه أنه أورده في حكمين ( أحدهما ) : إذا وجد غير مالك تلك الساحة الكنز ، ولم يكن مالك الأرض محييا ابتداء - وجهلنا محييها - فهل يحل للواجد أخذه ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) : لا يحل ; لأنه لم يصادفه في مكان مباح لا اختصاص به لأحد ، وهذا شرط ( والثاني ) : يحل ; لأن الملك وإن كان مختصا ، فالاستطراق شائع والمنع زائل ، وليس مالك الأرض محييا . قال الإمام : والظاهر عندي : أن الواجد لا يملكه ، وإنما الخلاف في حكم التنازع ، فإذا قال كل منهما : أنا وضعته فأيهما يصدق ؟ فيه وجهان ( أصحهما ) : مالك الأرض لليد على الأرض ( والثاني ) : الواجد ; لثبوت يده على الكنز في الحال ، ولو تنازعا قبل إخراج الكنز من الأرض صدق مالك الأرض بيمينه بلا خلاف .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث