الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وإن وجد النصاب في دفعات نظرت ، فإن لم ينقطع العمل ولا النيل - ضم بعضه إلى بعض في إتمام النصاب ، وإن قطع العمل لعذر [ ص: 40 ] كالاستراحة ] أو إصلاح الأداة ، ضم ما يجده بعد زوال العذر إلى ما وجده قبله ، وإن ترك العمل فيه لغير عذر لم يضم ما وجده بعد الترك إلى ما وجده قبله ، وإن اتصل العمل وانقطع النيل ثم عاد ففيه قولان . قال في القديم : لا يضم الثاني إلى الأول ; لأنه إذا لم يضم ما وجده بعد قطع العمل إلى ما وجده قبله ، فلئلا يضم ما وجده بعد قطع النيل [ بغير اختياره ] وهو المقصود أولى . وقال في الجديد : يضم ; لأن انقطاع النيل بغير اختياره ، وانقطاع العمل باختياره ) .

التالي السابق


( الشرح ) قال أصحابنا : ليس من شرط نصاب المعدن أن يوجد دفعة واحدة ، بل ما ناله دفعات يضم بعضه إلى بعض ، واتصال العمل إن تتابع العمل والنيل . قال الماوردي والبغوي وغيرهما : لا يشترط بقاء المستخرج في ملكه . قال أصحابنا : واتصال العمل هو إدامته في الوقت الذي جرت العادة بالعمل فيه ، واتصال النيل هو أن لا يحقد المعدن ، وحقده لا يخرج منه بالعمل شيئا . وأما إذا تتابع العمل ولم يتواصل النيل ، بل حقد المعدن زمانا ثم عاد النيل ، فإن كان زمن الانقطاع يسيرا - ضم أيضا ووجبت الزكاة إذا بلغ المجموع نصابا ، وإن كان كثيرا كاليومين والثلاثة ( فقولان ) . الصحيح : الجديد الضم ، ( والقديم : ) لا ضم ، وذكر المصنف دليلهما . وأما إذا انقطع العمل وكان النيل ممكنا بحيث لو عمل [ لنال ] ثم عاد إلى العمل ، فإن كان القطع بلا عذر - لم يضم - سواء طال الزمان أم قصر ; لأنه معرض ، وإن قطع لعذر ضم ، سواء طال الزمان أم لا ما دام الترك لعذر ، هذا هو المذهب وبه قطع المصنف والجمهور ، وحكاه الرافعي عن الجمهور . وحكى فيه وجها آخر أنه لا ضم . قال : [ ص: 41 ] وفي حد الطول أوجه .

( أصحها ) : الرجوع إلى العرف .

( والثاني ) : ثلاثة أيام .

( والثالث ) : يوم كامل . قال أصحابنا : والأعذار كإصلاح الآلة وهرب العبيد والأجراء ، هذه أعذار بلا خلاف .

قال الرافعي : وكذلك السفر والمرض على المذهب . وقيل : فيهما وجهان .

( أصحهما ) : عذران .

( والثاني ) : لا . قطع الماوردي والقاضي أبو الطيب والجمهور أنهما من الأعذار . قال أصحابنا : ومتى حكمنا بعدم الضم فمعناه أن الأول لا يضم إلى الثاني . وأما الثاني : فيضم إلى الأول بلا خلاف ، كما يضم إلى ما يملكه من غير المعدن .



( فرع ) ولو وجد رجلان من المعدن - دون نصابين وبلغ نصابا - فإن قلنا : بإثبات الخلطة في الذهب والفضة - زكيا زكاة الخلطة إن كانا من أهلها - وإلا فلا زكاة عليهما إلى أن يكون في ملكه من غيره ما يتم به النصاب .



فرع في ضم المملوك من المعدن إلى غيره مما يملكه الواجد وهو مفرق في كلام الأصحاب ، وقد لخصه الرافعي واختصرت كلامه ، ومختصره أنه : إذا نال من المعدن دون نصاب - وهو يملك من جنسه نصابا فصاعدا - فإما أن يناله في آخر جزء من حول ما عنده أو بعد تمام حوله أو قبله ، ففي الحالين الأولين يصير مضموما إلى ما عنده ، وعليه في ذلك النقد زكاته ، وعليه أيضا فيما ناله حقه بلا خلاف ، لكن حق النقد ربع العشر وحق المعدن فيه الأقوال : الصحيح : ربع العشر . وأما إذا ناله قبل تمام الحول فلا شيء عليه فيما عنده حتى يتم حوله ، وفي وجوب حق المعدن فيما وجده وجهان .

( أصحهما ) : الوجوب ، وهو ظاهر نصه في " الأم " وصححه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وآخرون .

( والثاني ) : لا يجب ، فعلى هذا يجب فيما عنده ربع العشر عند تمام حوله وفيما ناله ربع العشر عند تمام حوله .



وأما إذا كان يملكه من جنسه دون نصاب بأن ملك مائة درهم ونال [ ص: 42 ] من المعدن مائة نظر - إن نالها بعد تمام حول ما عنده - ففي وجوب حق المعدن فيما ناله الوجهان ، فعلى الأول : يجب في المعدن حق ويجب فيما كان عنده ربع العشر إذا تم حوله من حين كمل النصاب بالنيل ، وعلى الثاني لا يجب شيء في الجميع حتى يمضي حول من يوم النيل فيجب في الجميع ربع العشر .

وقال أبو علي في " الإفصاح " : فيه وجه : أنه يجب فيما ناله حقه ، وفيما كان عنده ربع العشر في الحال ; لأنه كمل بالنيل وقد مضى عليه حول ، وهذا ضعيف أو باطل ; لأن الذي كان عنده دون نصاب ، فلم يكن في حوله ، ( قلت ) : وهذا الوجه المنسوب إلى أبي علي صاحب " الإفصاح " ، نقله الشيخ أبو حامد والمصنف في فصل الركاز وغيرهما من الأصحاب عن نص الشافعي واختاروه ورجحوه ، ولكن الأصح الذي اختاره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما من المحققين : أنه لا شيء فيما كان عنده حتى يحول حوله من حين كمل نصابا . والله أعلم .

وأما إذا ناله قبل تمام حول المائة فلا يجب في المائة التي كانت عنده شيء بلا خلاف ، ولا يجيء وجه صاحب " الإفصاح " ، وأما المائة المأخوذة من المعدن : فيجيء فيها الوجهان السابقان ، وهذا التفصيل نقله بعض العراقيين ، ونقل معظمه أبو علي السنجي ، ونسبه إمام الحرمين إلى السهو ، وقال : إذا كان ما يملكه دون نصاب فلا ينعقد عليه حول حتى يفرض له وسط وآخر ، أو يحكم بوجوب الزكاة فيه يوم النيل ، ولا شك في بعد القول بوجوب الزكاة فيه للنيل ، ولكن الشيخ أبو علي لم ينفرد بنقله ، ولا اختاره حتى يعترض عليه . وإنما نقله متعجبا منه منكرا له .

( قلت ) : هذا الذي ذكره إمام الحرمين وأبو علي والرافعي من الإفراط في رد الوجه المنقول عن " الإفصاح " ، وجعله غلطا شاذا لا يعرف ، ليس كما قالوه ، بل هو منصوص كما قدمناه عن نقل المصنف [ ص: 43 ] والشيخ أبي حامد وغيرهما ، ولكن الأصح خلافه ، وأما إذا كان الذي عنده مال تجارة ، فيجيء فيه الأحوال الثلاثة وإن كان دون نصاب بلا إشكال ; لأن الحول ينعقد عليه وإن كان دون نصاب ، ولا يعتبر نصابه إلا في آخر الحول على الصحيح كما سبق في بابه . ، فإذا نال من المعدن شيئا في آخر حول التجارة ، ففيه حق المعدن ، وفي مال التجارة زكاة التجارة إن كان نصابا ، وكذا إن كان دونه وبلغ بالمعدن نصابا واكتفينا بالنصاب في آخر الحول ، وإن نال قبل تمام الحول ففي وجوب حق المعدن الوجهان السابقان . وإن نال بعد تمام الحول نظر ، إن كان مال التجارة نصابا في آخر الحول - وجب في النيل حق المعدن ; لانضمامه إلى ما وجبت فيه الزكاة ، وإن لم يبلغ نصابا وناله بعد مضي ستة أشهر من الحول الثاني بني على الخلاف السابق في باب زكاة التجارة : أن عرض التجارة إذا قوم في آخر الحول فنقص عن النصاب ثم زاد بعد ذلك وبلغ نصابا ، هل تجب فيه الزكاة عند بلوغه نصابا ؟ أم ينتظر مضي الحول الثاني بكماله ؟ ( فإن قلنا ) بالأول وجبت زكاة التجارة في مال التجارة ، وحينئذ يجب حق المعدن في النيل بلا خلاف .

( وإن قلنا ) بالثاني وهو انتظار مضي الحول الثاني وهو الأصح ، ففي وجوب حق المعدن الوجهان ، وجميع ما ذكرناه مفرع على المذهب ، وهو : أن الحول لا يعتبر في زكاة المعدن ، وإن اعتبرناه انعقد الحول عليه من حين وجده ، هذا آخر كلام الرافعي رحمه الله ، وقد ذكر المصنف هذه المسائل في فصل الركاز ، وفي كلامه مخالفة للراجح في هذا المذهب ، فليحمل على ما قررناه هنا ، قال أصحابنا : وحكم الركاز في إتمام النصاب حكم المعدن في كل ما ذكرناه وفاقا وخلافا بلا فرق ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث