الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل القسم الثالث من أحكام هذه الإمارة ما يلزم من أمير الجيش

( فصل ) والقسم الثالث من أحكام هذه الإمارة ما يلزم من أمير الجيش في سياستهم والذي يلزمه فيهم عشرة أشياء : أحدها حراستهم من غرة يظفر بها العدو منهم ، وذلك أن يتتبع المكامن ويحوط سوادهم بحرس يأمنون به على نفوسهم ورجالهم ، ليسكنوا في وقت الدعة ويأمنوا ما وراءهم في وقت ، المحاربة .

والثاني : أن يتخير لهم موضع نزولهم لمحاربة عدوهم ، وذلك أن يكونوا أوطأ الأرض مكانا وأكثر مرعى وماء وأحرسها أكنافا وأطرافا ليكون أعون لهم على المنازلة وأقوى لهم على المرابطة .

والثالث : إعداد ما يحتاج الجيش إليه من زاد وعلوفة تفرق عليهم في وقت الحاجة حتى تسكن نفوسهم إلى مادة يستغنون عن طلبها ، ليكونوا على الحرب أوفر وعلى منازلة العدو أقدر .

والرابع : أن يعرف أخبار عدوه حتى يقف عليها ويتصفح أحواله حتى [ ص: 53 ] يخبرها فيسلم من مكره ويلتمس الغرة في الهجوم عليه .

والخامس : ترتيب الجيش في مصاف الحرب والتعويل في كل جهة على من يراه كفؤا لها ، ويتفقد الصفوف من الخلل فيها ، ويراعي كل جهة يميل العدو عليها بمدد يكون عونا لها .

والسادس : أن يقوي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر ويخيل إليهم من أسباب النصر ليقل العدو في أعينهم فيكون عليه أجرأ وبالجرأة يتسهل الظفر ، قال الله تعالى : { إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر } .

والسابع : أن يعد أهل الصبر والبلاء منهم بثواب الله ولو كانوا من أهل الآخرة وبالجزاء والنفل من الغنيمة إن كانوا من أهل الدنيا ، قال الله تعالى : { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها } .

وثواب الدنيا الغنيمة وثواب الآخرة الجنة ، فجمع الله تعالى في ترغيبه بين أمرين ليكون أرغب الفريقين .

والثامن : أن يشاور ذوي الرأي فيما أعضل ويرجع إلى أهل الحزم فيما أشكل ليأمن الخطأ ويسلم من الزلل فيكون من الظفر أقرب ; قال الله تعالى لنبيه : { وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله } .

واختلف أهل التأويل في أمره لنبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة مع ما أمده به من التوفيق وأعانه من التأييد على أربعة أوجه : أحدها أنه أمره بمشاورتهم في الحرب ليستقر له الرأي الصحيح فيه فيعمل عليه وهذا قول الحسن ، وقال : " ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم " .

والثاني : أنه أمره بمشاورتهم تأليفا لهم وتطييبا لنفوسهم ، وهذا قول قتادة [ ص: 54 ]

والثالث أنه أمره بمشاورتهم لما علم فيها من الفضل وعاد بها من النفع وهذا قول الضحاك .

والرابع : أنه أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون وإن كان عن مشورتهم غنيا وهذا قول سفيان .

والتاسع أن يأخذ جيشه بما أوجبه الله تعالى من حقوقه وأمر به من حدوده حتى لا يكون بينهم تجوز في دين ولا تحيف في حق ، فإن من جاهد عن الدين كان أحق الناس بالتزام أحكامه والفصل بين حلاله وحرامه .

وقد روى حارث بن نبهان عن أبان بن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { انهوا جيوشكم عن الفساد ، فإنه ما فسد جيش قط إلا قذف الله في قلوبهم الرعب وانهوا جيوشكم عن الغلول فإنه ما غل جيش قط إلا سلط الله عليهم الرجلة وانهوا جيوشكم عن الزنا ، فإنه ما زنى جيش قط إلا سلط الله عليهم الموتان } .

وقال أبو الدرداء : أيها الناس اعملوا صالحا قبل الغزوة فإنما تقاتلون بأعمالكم .

والعاشر : أن لا يمكن أحدا من جيشه أن يتشاغل بتجارة أو زراعة لصرفه الاهتمام بها عن مصابرة العدو وصدق الجهاد ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { بعثت مرغمة ومرحمة ولم أبعث تاجرا ولا زارعا ، وإن شر هذه الأمة التجار والزراع إلا من شح على دينه } وغزا نبي من أنبياء الله تعالى فقال : " لا يغزون معي رجل بنى بناء لم يكمله ، ولا رجل تزوج بامرأة ولم يدخل بها ولا رجل زرع زرعا لم يحصده " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث