الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                معلومات الكتاب

                الأشباه والنظائر على مذاهب أبي حنيفة النعمان

                ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                صفحة جزء
                [ ص: 51 ] الفن الأول قول في القواعد الكلية 1 - القاعدة الأولى : لا ثواب إلا بالنية 2 - صرح به المشايخ في مواضع من الفقه أولها في الوضوء ، [ ص: 52 ] سواء قلنا إنها شرط الصحة كما في الصلاة والزكاة والصوم والحج أو لا كما في الوضوء والغسل . 4 -

                وعلى هذا 5 - قرروا حديث { إنما الأعمال بالنيات } أنه من باب المقتضى ، [ ص: 53 ] إذ لا يصح بدون التقدير لكثرة وجود الأعمال بدونها ، فقدروا مضافا أي حكم الأعمال . 7 - وهو نوعان 8 - أخروي ، وهو الثواب واستحقاق العقاب ، ودنيوي ، وهو الصحة والفساد . 9 -

                وقد أريد الأخروي بالإجماع ، [ ص: 54 ] للإجماع على أنه لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية ، فانتفى الآخر أن يكون مرادا ، 11 - إما لأنه مشترك ولا عموم له ، [ ص: 55 ] أو لاندفاع الضرورة به من صحة الكلام به ، فلا حاجة إلى الآخر . 13 -

                والثاني أوجه لأن الأول لا يسلمه الخصم لأنه قائل بعموم المشترك ، [ ص: 56 ] فحينئذ 15 - لا يدل 16 - على اشتراطها في الوسائل للصحة 17 - ولا على المقاصد أيضا

                [ ص: 51 ]

                التالي السابق


                [ ص: 51 ] المراد بالقاعدة الكلية القواعد التي لم تدخل قاعدة منها تحت قاعدة أخرى وإن خرج منها بعض الأفراد .

                قيل القواعد جمع قاعدة وهي لغة الأساس واصطلاحا حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته لتعرف أحكامها منه .

                قاله في شرح التوضيح النحوي ومثله في شرح التنقيح الأصولي وكان حق المصنف بيانها ولاءم الخوض فيها لأن معرفة الشيء فرع تصوره ( انتهى ) .

                أقول فيه نظر من وجهين أما أولا فلأن ما فسر به القاعدة نقلا من شرح التوضيح وشرح التنقيح غير صحيح هنا لأن القاعدة عند الفقهاء غيرها عند النحاة والأصوليين إذ هي عند الفقهاء حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه وأمانا لأن ما ذكره من أن حق المصنف بيانها مما يتم لو كان هذا التأليف موضوعا للمبتدئ الذي يحتاج إلى تصوره في القاعدة وليس الكتاب موضوعا له بل هو موضوع لمن يعرف معنى القاعدة ويحتاج إلى فروعها كفضلاء المدرسين والقضاة والمفتين كما يشير إلى ذلك قول المصنف فيما سبق وأرجو من كرم الفتاح إلى آخره . ( 1 )

                الأولى لا ثواب إلا بالنية : هي بالتشديد ، وقد تخفف . لغة عزم القلب على الشيء ، واصطلاحا قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد فعل . وفيه إن هذا إنما يستقيم في عبادة يترتب عليها ثواب ، والمنهيات المترتب عليها عقاب فالصواب تفسيرها بتوجه القلب نحو إيجاد فعل أو تركه ، موافق لغرض جلب نفع أو دفع ضرر ، حالا أو مآلا ; والمراد من العزم إرادة الفعل . ( 2 )

                صرح به المشايخ في مواضع من الفقه أولها في الوضوء : يعني بغير نبيذ التمر وسؤر الحمار . أما فيهما فالنية شرط للصحة ، كما في البحر للمصنف وكلامه فيه مقيد لإطلاقه هنا . [ ص: 52 ] سواء قلنا إنه : شرط الصحة كما في الصلاة والزكاة والصوم والجمع .

                أو لا كما في الوضوء والغسل : تعميم في قوله : صرحوا به المشايخ . ( 4 )

                وعلى هذا : أي على ما ذكر من أنه لا ثواب إلا بالنية فالجار والمجرور متعلق بالفعل الذي بعده وقدم عليه لإفادة الحصر . ( 5 )

                قرروا حديث { إنما الأعمال بالنيات } أنه من باب المقتضى : أي من قبيل الدلالة فيه باقتضاء النص لا بعبارته والمقتضى بفتح الضاد اللازم المتقدم الذي اقتضى النص تقديره ، لتوقف صدق المنطوق عليه وصحته شرعا أو عقلا ، كما هو مذهب المتقدمين وأما عند المتأخرين ، كشمس الأئمة ، فمن باب المضمر بناء على أن المقتضى عندهم ما يتوقف عليه المنطوق شرعا فقط ; والمتوقف عليه هنا إنما هو صدق المتكلم لا الصحة الشرعية ، فيكون مضمرا لا مقتضى .

                والفرق بينهما أن المقتضى ثابت شرعا والمضمر ثابت لغة .

                وفرق آخر هو أن المقتضى لا عموم له عندنا والمضمر له عموم بالإجماع ، يعني ما عدا صدر الإسلام .

                وثم فروق أخر مذكورة في كتب الأصول .

                لا يقال كان ينبغي أن يعم ذلك المقدر على جهة الإضمار عند المتأخرين ، فلما لم يعم ، دل على أنه من قبيل المقتضى لأنا نقول إن عدم العموم في الحديث ليس لأجل أنه من قبيل المقتضى ، بل لأن المضمر وإن جاز عمومه كما مر ، لكن الأعمال لما أضيفت إلى غير محلها ، وهو النية لتحقق الأعمال بدونها كثيرا ; فاحتيج إلى إضمار محل يحتمل النية .

                وما أضمر هنا هو الحكم فإنه المناسب لما ذكرنا وهو يحتمل الحكم الدنيوي وهو الحكم بالصحة والفساد والأخروي وهو الثواب والعقاب فلما كان محتملا لهما لم يكن إطلاقه دالا على أحدهما على التعيين فكان مشتركا والمشترك لا عموم له عندنا بل حكمه التوقف حتى يقوم الدليل على أنه المراد لكن قام الدليل هنا على أن المراد بالحكم الحكم الأخروي وهو الإجماع على أن لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية وهذا الحديث أخرجه الأئمة الستة وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه والعجب أن مالكا لم يخرجه [ ص: 53 ] في الموطإ .

                واعلم أن كلام المصنف إنما يتأتى على رأي من لم يفرق بين المضمر والمقتضى بل جعل المضمر قسما منه كعامة المتقدمين ومنهم أبو زيد الدبوسي على قوله . ( 6 )

                إذ لا يصح بدون التقدير لكثرة وجود الأعمال بدونها فقدروا مضافا أي حكم الأعمال : يعني أن حقيقة هذا التركيب متروكة ، بدلالة محل الكلام لأن كلمة إنما للحصر وقد دخلت على المعرف فاللام الاستغراق وذلك يقتضي أن لا يوجد عمل بلا نية ولا يمكن حمله على العموم لأن كثيرا من الأعمال توجد بلا نية فصار مجازا عن حكمه ، فالتقدير حكم الأعمال بالنيات من إطلاق اسم السبب على المسبب أو من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه . ( 7 )

                وهو نوعان : أقول في المستصفى وجه آخر وهو أنه يجوز أن يراد بالحكم إما جواز الأعمال أو فضيلتها ولا يجوز أن يكون الأول مرادا لأنه يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد لأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء مطلقا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم علم الأعرابي الوضوء ولم يذكر النية فلو كانت شرطا للجواز والصحة لبينها ، فتعين الثاني . ( 8 )

                أخروي وهو الثواب واستحقاق العقاب ودنيوي وهو الصحة والفساد : قيل أقحم لفظ الاستحقاق ولم يقل والعقاب كما في الثواب لأن العقاب موكول إلى مشيئة الله تعالى .

                على أن استحقاق العقاب يحصل بمجرد المخالفة للنهي .

                وإن لم ينوها على أنه إن فعل بنية المخالفة وقصدها يكفر فإن ارتكب ولم يقصد المخالفة للنهي يكون آثما . ( 9 )

                وقد أريد الأخروي بالإجماع : يعني لما اختلف الحكمان صار الاسم بعد كونه مجازا مشتركا .

                ويكفي في تصحيحه ما هو المتفق عليه وهو الحكم الأخروي .

                ولا [ ص: 54 ] دليل على ما اختلف فيه فلا يصلح تقديره حجة علينا وقد اندفع بهذا التقرير ما أورده في الكشف وشرح المغني وشرح المنار : أن قولهم الحكم مشترك ولا عموم له ممنوع ، بل هذا في المشترك اللفظي أما المشترك المعنوي فله عموم كالشيء ، والحكم منه ، فيتناول الكل باعتبار المعنى الأعم إذ تفسير الحكم : الأثر الثابت بالشيء مع أن الأكمل في تقريره أجاب عنه بأن هذا إنما يستقيم أن لو كان الحكم مقولا عليهما بالتواطؤ وهو ممنوع لأن الجواز والفساد وإن كانا أثرين ثابتين بالأعمال موجبين لهما ، لكن الثواب والعقاب ليسا كذلك على المذهب الصحيح ( انتهى ) .

                يعني لتخلفهما في الأول بعدم القبول بعد الصحة وفي الثاني بالعفو من الله تعالى . بقي أن يقال كون الأخروي مرادا بالإجماع فيه بحث لأن ذلك غير مسلم لأن النزاع بيننا وبين الشافعي ليس إلا في ذلك على أن الإجماع على أن لا ثواب إلا بالنية لا يستلزم الإجماع على أن يراد بالحكم المقدر في الحديث الشريف الحكم الأخروي على أن لا ثواب إلا بالنية لا يستلزم الإجماع على أن يراد بالحكم المقدر في الحديث الشريف الحكم الأخروي الذي هو الثواب . ( 10 )

                للإجماع على أنه لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية فانتفى الآخر أن يكون مرادا : أقول فيه إنه ذكر في خزانة المفتين نقلا عن المتقدمين أن الوضوء غير المنوي مثاب عليه ، وعند المتأخرين غير مثاب عليه ; والصحيح قول المتأخرين ; كما في البحر للمصنف فعلى هذا قوله هنا للإجماع أي إجماع المتأخرين لا الإجماع مطلقا . ( 11 )

                أما لأنه مشترك ولا عموم له : قال في المستصفى : أو لأن ثبوت الحكم بهذا الطريق يكون بطريق الاقتضاء ، إذ هو جعل غير المذكور مذكورا تصحيحا للمذكور ولا عموم له لأنه من صفات النظم ، وهو غير منظوم ، وقد أريد به الثواب إجماعا فينتج الآخر .

                وإذا ثبت بما ذكرنا أنه غير متعرض للجواز بل هو متعرض للثواب ، ثبت أن معنى الحديث إنما ثواب الأعمال بالنيات ( انتهى ) .

                وفي حواشي شرح المجمع الملكي للعلامة قاسم بن قطلوبغا : يمكن أن يقرر الحديث بوجه غير هذا [ ص: 55 ] وهو أن يقال المراد بالأعمال العبادات ، وبه نقول أنه لا عبادة إلا بالنية أما إذا أتى بالوضوء المأمور به بغير نية رفع الحدث أو استباحة الصلاة فالحديث ساكت عنه . ( 12 )

                أو لاندفاع الضرورة به من صحة الكلام به فلا حاجة إلى الآخر : يعني أن الحكم الذي قدر في الحديث بدلالة الاقتضاء لا يخلو : إما أن يكون مشتركا لفظيا فالمشترك اللفظي لا عموم له عندنا ، أو معنويا ، فهو وإن كان له عموم ، لكن الضرورة التي أوجبت تقدير الحكم تندفع بإرادة أحد فرديه وهو الأخروي .

                هذا هو المراد بقرينة قوله : والثاني أوجه لأن الأول لا يسلمه الخصم لأنه قائل بعموم المشترك ; لكن فيه ما قدمناه عن الأكمل من أن الحكم إنما يستقيم أن يكون مشتركا بينهما اشتراكا معنويا أن لو كان مقولا عليهما بالتواطؤ وهو ممنوع . ( 13 )

                والثاني أوجه لأن الأول لا يسلمه الخصم لأنه قائل بعموم المشترك : قيل وإنما جاز الأول وإن كان الثاني أوجه لأن بناء المختلف على المختلف فيه جائز في التحقيق ، بناء على ما أثبت المعنى كما في كتاب الأصول ( انتهى ) .

                قال في المستصفى شرح النافع في آخر باب جنايات الحج : يجوز الاستدلال بالمختلف فيه للإيضاح .

                وقال الفاضل حسن جلبي في حواشيه على التلويح في بحث المطلق : أنه يجوز رد المختلف إلى المختلف في طريق الاحتجاج إذا كان الخصم ملزما ( انتهى ) .

                بيان ذلك فيما إذا اشترك محرمان في قتل صيد ، فعلى كل واحد منهما جزاء كامل عندنا لأنه جنى على إحرامه ; ألا ترى أن الشركة في الإتلاف فوق الدلالة ، والدلالة على الصيد توجب الجزاء ، وعند الشافعي عليهما جزاء واحد .

                وحاصل الخلاف يرجع إلى أصل وهو أن ما يجب عليه من الجزاء بقتل الصيد بدل محض عند الشافعي وليس فيه معنى الكفارة . وعندنا كفارة وبدل .

                وإذا كان بدلا محضا عنده يتحد باتحاد المحل ويتعدد بتعدده ولا اعتبار لتعدد الفاعل ولا لاتحاده .

                فإن قيل كيف يستقيم هذا الاستدلال على الشافعي وعنده لا يجب الجزاء على الدال ؟ قيل يجوز أن يستدل بالمختلف فيه للإيضاح فإن الشركة لما [ ص: 56 ] كان أحق لوجوب الجزاء من الدلالة ، وقد دل الدليل السمعي على وجوب الجزاء في الدلالة ، فيجب في الشركة .

                وهذا لأنه روي عن عمر وعن علي وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم أنهم قالوا : على الدال الجزاء .

                وقال عطاء رحمه الله أجمع الناس على أن الجزاء على الدال .

                فكأنه عد مسألة الدلالة كالمجتمع عليها ولم يعتبر خلاف الشافعي ( انتهى ) . ( 14 )

                فحينئذ : أي حين لم يكن الحكم الدنيوي مرادا لما ذكر من الإجماع على أن لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية . ( 15 )

                لا يدل : قيل : أي اندفاع الضرورة والظاهر أن الضمير في يدل يرجع إلى الحديث . ( 16 )

                على اشتراطها في الوسائل للصحة : أي ولا يدل الحديث على اشتراطها في المقاصد للصحة ، وإنما أخذ من دليل آخر .

                والمراد بالمقاصد ما لا يكون في ضمن شيء كالصلاة والزكاة والحج .

                قال في المستصفى : ومن هنا نشأ إشكال على من استدل بالحديث على اشتراطها في العبادات ، كصاحب الهداية مع ما صرح به في الأصول من أن حديث { إنما الأعمال بالنيات } من قبيل ظني الثبوت والدلالة .

                وهو يفيد السنية والاستحباب دون الوجوب والافتراض ( انتهى ) .

                قيل : كان على المصنف أن يقول ولا في المقاصد ( انتهى ) .

                يعني لأنه لا يقال اشترط على كذا بل في كذا وجعل على بمعنى في كما في قوله تعالى { ودخل المدينة على حين غفلة } خلاف الظاهر في هذا المقام




                الخدمات العلمية