الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب السابع في صلاة الاستسقاء

[ ص: 180 ] الباب السابع

في صلاة الاستسقاء

أجمع العلماء على أن الخروج إلى الاستسقاء ، والبروز عن المصر ، والدعاء إلى الله - تعالى - والتضرع إليه في نزول المطر سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، واختلفوا في الصلاة في الاستسقاء ، فالجمهور على أن ذلك من سنة الخروج إلى الاستسقاء إلا أبا حنيفة فإنه قال : ليس من سنته الصلاة .

وسبب الخلاف : أنه ورد في بعض الآثار أنه استسقى وصلى ، وفي بعضها لم يذكر فيها صلاة .

ومن أشهر ما ورد في أنه صلى ، وبه أخذ الجمهور حديث عباد بن تميم عن عمه : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج بالناس يستسقي ، فصلى بهم ركعتين جهر فيها بالقراءة ، ورفع يديه حذو منكبيه ، وحول رداءه ، واستقبل القبلة واستسقى " خرجه البخاري ومسلم .

وأما الأحاديث التي ذكر فيها الاستسقاء وليس فيها ذكر للصلاة ، فمنها : حديث أنس بن مالك خرجه مسلم أنه قال : " جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله هلكت المواشي ، وتقطعت السبل ، فادع الله ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة " . ومنها حديث عبد الله بن زيد المازني ، وفيه أنه قال : " خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستسقى ، وحول رداءه حين استقبل القبلة " ولم يذكر فيه صلاة ، وزعم القائلون بظاهر هذا الأثر أن ذلك مروي عن عمر بن الخطاب - أعني : أنه خرج إلى المصلى فاستسقى ولم يصل - .

والحجة للجمهور أنه لم يذكر شيئا ، فليس هو بحجة على من ذكره ، والذي يدل عليه اختلاف الآثار في ذلك ليس عندي فيه شيء أكثر من أن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء ، إذ قد ثبت أنه - عليه الصلاة والسلام - قد استسقى على المنبر ، لا أنها ليست من سنته كما ذهب إليه أبو حنيفة . وأجمع القائلون بأن الصلاة من سنته على أن الخطبة أيضا من سنته لورود ذلك في الأثر . قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الاستسقاء وخطب .

واختلفوا هل هي قبل الصلاة أو بعدها ؟ لاختلاف الآثار في ذلك ، فرأى قوم أنها بعد الصلاة قياسا على العيدين ، وبه قال الشافعي ومالك . وقال الليث بن سعد : الخطبة قبل الصلاة . قال ابن المنذر : قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أنه استسقى فخطب قبل الصلاة " وروي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك وبه نأخذ . قال القاضي : وقد خرج ذلك أبو داود من طرق ، ومن ذكر الخطبة فإنما ذكرها في علمي قبل الصلاة .

واتفقوا على أن القراءة فيها جهر ، واختلفوا هل يكبر فيها كما يكبر في العيدين ؟ فذهب مالك إلى أنه يكبر فيها كما يكبر في سائر الصلوات ، وذهب الشافعي إلى أنه يكبر فيها كما يكبر في العيدين .

وسبب الخلاف : اختلافهم في قياسها على صلاة العيدين . وقد احتج الشافعي لمذهبه في ذلك بما روي عن ابن عباس : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى فيها ركعتين كما يصلي في العيدين " .

واتفقوا على أن من سنتها أن يستقبل الإمام القبلة واقفا ويدعو ، ويحول رداءه رافعا يديه على ما جاء في الآثار ، واختلفوا في كيفية ذلك ، ومتى يفعل ذلك ؟

فأما كيفية ذلك : فالجمهور على أنه يجعل ما على يمينه على شماله ، وما على شماله على يمينه . وقال [ ص: 181 ] الشافعي : بل يجعل أعلاه أسفله ، وما على يمينه منه على يساره ، وما على يساره على يمينه .

وسبب الاختلاف : اختلاف الآثار في ذلك ، وذلك أنه جاء في حديث عبد الله بن زيد : " أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المصلى يستسقي ، فاستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين " . وفي بعض رواياته قلت : " أجعل الشمال على اليمين ، واليمين على الشمال ؟ أم أجعل أعلاه أسفله ؟ قال : بل اجعل الشمال على اليمين واليمين على الشمال " . وجاء أيضا في حديث عبد الله هذا أنه قال : " استسقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه خميصة له سوداء ، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها ، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه " .

وأما متى يفعل الإمام ذلك ، فإن مالكا والشافعي قالا : يفعل ذلك عند الفراغ من الخطبة . وقال أبو يوسف : يحول رداءه إذا مضى صدر من الخطبة ، وروي ذلك أيضا عن مالك ، وكلهم يقول : إنه إذا حول الإمام رداءه قائما حول الناس أرديتهم جلوسا ، لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " إنما جعل الإمام ليؤتم به " إلا محمد بن الحسن والليث بن سعد وبعض أصحاب مالك ، فإن الناس عندهم لا يحولون أرديتهم بتحويل الإمام ، لأنه لم ينقل ذلك في صلاته - عليه الصلاة والسلام - بهم .

وجماعة من العلماء على أن الخروج لها وقت الخروج إلى صلاة العيدين إلا أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فإنه قال : إن الخروج إليها عند الزوال . وروى أبو داود عن عائشة : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الاستسقاء حين بدا حاجب الشمس " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث