الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                          فإن جاوز أكثر الحيض ، فهي مستحاضة ، فإن كان دمها متميزا بعضه ثخين أسود منتن ، وبعضه رقيق أحمر ، فحيضها زمن الدم الأسود ، وما عداه استحاضة ، وإن لم يكن متميزا ، قعدت من كل شهر غالب الحيض . وعنه : أقله ، وعنه : أكثر ، وعنه : عادة نسائها ، كأمها وأختها وعمتها وخالتها ، وذكر أبو الخطاب في المبتدأة أول ما ترى الدم الروايات الأربع ،

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          ( فإن جاوز ) الدم ( أكثر الحيض فهي مستحاضة ) لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنما ذلك عرق ، وليس بالحيضة متفق عليه . ولأن الدم كله لا يصلح أن يكون حيضا . والاستحاضة : سيلان الدم في غير وقته من العرق العاذل - بالذال المعجمة - وقيل : المهملة حكاهما ابن سيده ، والعاذر لغة فيه : من أدنى الرحم دون قعره ، إذ المرأة لها فرجان ، داخل بمنزلة الدبر ، منه الحيض ، وخارج كالأليتين ، منه الاستحاضة ، وظاهره أنها لا تحتاج إلى تكرار ، صححه في " الشرح " لظاهر حديث حمنة ، والمنصوص أنه لا يثبت حكمها قبل تكرارها ثلاثا أو مرتين على الخلاف ، ثم هي لا تخلو من حالين : إما أن يكون متميزا أو غيره ، فقال : ( فإن كان دمها متميزا بعضه ثخين أسود منتن ، وبعضه رقيق أحمر ، فحيضها زمن الدم الأسود ) ما لم يزد على أكثر الحيض ، ولم ينقص عن أقله ، قال ابن تميم : ولا ينقص غيره عن أقل الطهر ، لما روت عائشة قالت : [ ص: 275 ] جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت : يا رسول الله إني أستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؛ فقال : إنما ذلك عرق ، وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ، وصلي متفق عليه . وفي لفظ النسائي : إذا كان الحيض ، فإنه أسود يعرف ، فأمسكي عن الصلاة ، وإذا كان الآخر فتوضئي ، وصلي ، فإنما هو دم عرق ولأنه خارج من الفرج يوجب الغسل فرجع إلى صفته عند الاشتباه كالمني ، والمذي ، وظاهره : أنها إذا عرفت التمييز جلست من غير تكرار ، وهو ظاهر كلام أحمد ، والخرقي ، واختاره ابن عقيل ، لأن معناه أن يتميز أحد الدمين عن الآخر في الصفة ، وهذا يوجد بأول مرة ، والتمييز يحصل بأحد أمور ثلاثة ، واعتبر أبو المعالي اللون فقط ، فالأسود أقوى ، ثم الأحمر ، ثم الأشقر ، وكريه الرائحة أقوى ، والثخين أقوى من الرقيق ، فإن تعارضت الصفات ، فذكر بعض الشافعية أنه يرجح بالكثرة ، فإن استوت ، رجح بالسبق .

                                                                                                                          ( وما عداه استحاضة ) فيصير حكمها حكم الطاهرات ، لما ذكرناه ، فتغتسل عند انقطاع الأول وتصوم ، وتتوضأ لكل صلاة كما يأتي .



                                                                                                                          تنبيه : تقدم أن دلالة التمييز لا تحتاج إلى تكرار ، وقال القاضي ، وأبو الحسن الآمدي : تجلس المميزة من التمييز ما تكرر ، فعلى هذا إذا رأت في كل شهر خمسة أحمر ، ثم خمسة أسود ، ثم أحمر ، واتصل ، جلست زمان الأسود ، وهل تجلسه في الشهر الثاني أو الثالث أو الرابع ؛ يخرج على الخلاف ، ولا يعتبر أن لا تزيد مدة الدمين على شهر في وجه ، فلو رأت عشرة أسود ، [ ص: 276 ] ثم ثلاثين أحمر ، فحيضها زمن الأسود ، وفي آخر : متى زادت مدتهما على شهر ، بطلت دلالة التمييز ، ولا يلتفت إلى الأسود ، فإن نقص التمييز عن الأكثر ، فطهرها بعده إلى الأكثر مشكوك فيه ، تفعل فيه كالمعتاد ، ولا قضاء عليها .

                                                                                                                          وهل يباح وطؤها ؛ فيه روايتان . قال ابن تميم : والصحيح أنه طهر ، بيقين فإن رأت ستة عشر يوما أحمر ، ثم باقي الشهر أسود ، فحيضها زمن الأسود في الأصح ، والثاني : تجلس من الأحمر يوما وليلة ، ثم تجلس الأسود ، ومتى بطلت دلالة التمييز ، فهل تجلس ما تجلسه منه أو من أول الدم ؛ فيه وجهان ، وعنه : لا تسقط دلالة التمييز ، وإن عبر الأكثر . قال ابن تميم : فعلى هذا ينبغي أن لا تجلس زيادة على الأكثر ، وتأولها القاضي .

                                                                                                                          ( فإن لم يكن متميزا قعدت من كل شهر غالب الحيض ) في ظاهر المذهب ، واختاره الخرقي ، وابن أبي موسى ، والقاضي ، وجزم به في " الوجيز " لما روي أن حمنة بنت جحش قالت : يا رسول الله إني أستحاض حيضة شديدة كبيرة ، قد منعتني الصوم والصلاة ، فقال : تحيضي في علم الله ستا أو سبعا ، ثم اغتسلي رواه أحمد ، وغيره ، وعملا بالغالب ، ولأنها ترد إلى غالب الحيض وقتا ، فكذا قدرا فعلى هذا تجتهد في الست والسبع ، وقيل : تخير ، وتفارق المبتدأة في جلوسها الأول من حيث أنها أول ما ترى الدم ترجو انكشاف أمرها عن قرب ، ولم يتبين لها دم فاسد ، وإذا علم استحاضتها فقد اختلط الحيض بالفاسد يقينا ، وليس قرينة ، فلذلك ردت إلى الغالب عملا بالظاهر ( وعنه : أقله ) اختارها أبو بكر ، وابن عقيل [ ص: 277 ] في " التذكرة " ، لأنه اليقين ، وكحالة الابتداء ( وعنه : أكثره ) اختاره في " المغني " لأنه زمان الحيض ، فإذا رأت الدم فيه جلسته كالمعتادة ( وعنه : عادة نسائها كأمها ، وأختها ، وعمتها ، وخالتها ) لأن الغالب شبهها بهن ، وقياسا على المهر ، وتقدم القربى ، فالقربى ، فإن اختلفت عادتهن جلست الأقل ، وقيل : الأكثر ، وقيل : تتحرى ، فإن عدم الأقارب اعتبر الغالب . زاد ابن حمدان : من نساء بلدها ( وذكر أبو الخطاب ) في " هدايته " وتبعه في " الكافي " ( في المبتدأة أول ما ترى الدم الروايات الأربع ) الأولى : أنها تجلس الأقل ، لأنه اليقين ، والثانية : تجلس ستا أو سبعا ، لأنه الغالب ، والثالثة : تجلس عادة نسائها ، لأن الظاهر شبهها بهن ، والرابعة : تجلس ما تراه من الدم ، ما لم يجاوز أكثره قياسا على أقله ، ولما فرغ من الكلام على المستحاضة المبتدأة ، شرع في أقسام المستحاضة المعتادة ، ولها أربعة أحوال فأشار بقوله :




                                                                                                                          الخدمات العلمية