الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 25 ] والوزارة على ضربين : وزارة تفويض ووزارة تنفيذ . فأما وزارة التفويض فهو أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضاءها على اجتهاده ، وليس يمتنع جواز هذه الوزارة ، قال الله تعالى حكاية عن نبيه موسى عليه الصلاة والسلام : { واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري } .

فإذا جاز ذلك في النبوة كان في الإمامة أجوز ، ولأن ما وكل إلى الإمام من تدبير الأمة لا يقدر على مباشرة جميعه إلا باستنابة ، ونيابة الوزير المشارك له في التدبير أصح في تنفيذ الأمور من تفرده بها ليستظهر به على نفسه وبها يكون أبعد من الزلل وأمنع من الخلل .

ويعتبر في تقليد هذه الوزارة شروط الإمامة إلا النسب وحده لأنه ممضي الآراء ومنفذ الاجتهاد فاقتضى أن يكون على صفات المجتهدين .

ويحتاج فيها إلى شرط زائد على شروط الإمامة وهو أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمر الحرب والخراج خبرة بهما ومعرفة بتفصيلهما فإنه مباشر لهما تارة ومستنيب فيهما أخرى ، فلا يصل إلى استنابة الكفاة إلا أن يكون منهم ، كما لا يقدر على المباشرة إذا قصر عنهم ، وعلى هذا الشرط مدار الوزارة وبه تنتظم السياسة .

حكي أن المأمون رحمه الله كتب في اختيار وزير : إني التمست لأموري [ ص: 26 ] رجلا جامعا لخصال الخير ذا عفة في خلائقه واستقامة في طرائقه ، قد هذبته الآداب وأحكمته التجارب ، إن الحجا على الأسرار قام بها وإن قلد مهمات الأمور نهض فيها ، يسكته الحلم وينطقه العلم وتكفيه اللحظة وتغنيه اللمحة ، له صولة الأمراء وأناة الحكماء وتواضع العلماء وفهم الفقهاء ، إن أحسن إليه شكر ، وإن ابتلي بالإساءة صبر ، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده ، يسترق قلوب الرجال بخلابة لسانه وحسن بيانه ، وقد جمع بعض الشعراء هذه الأوصاف فأوجزها ووصف بعض وزراء الدولة العباسية بها فقال :

بديهته وفكرته سواء إذا اشتبهت على الناس الأمور     وأحزم ما يكون الدهر يوما
إذا أعيا المشاور والمشير     وصدر فيه للهم اتساع
إذا ضاقت من الهم الصدور

فهذه الأوصاف إذا كملت في الزعيم المدبر - وقل ما تكمل - فالصلاح بنظره عام وما يناط برأيه وتدبيره تام ; وإن اختلت فالصلاح بحسبها يختل والتدبير على قدرها يعتل ولئن لم يكن هذا من الشروط الدينية المحضة فهو من شروط السياسة الممازجة لشروط الدين لما يتعلق بها من مصالح الأمة واستقامة الملة .

فإذا كملت شروط هذه الوزارة فيمن هو أهل لها فصحة التقليد فيها معتبرة بلفظ الخليفة المستوزر لأنها ولاية تفتقر إلى عقد والعقود لا تصح إلا بالقول الصريح ، فإن وقع له بالنظر وأذن له لم يتم التقليد ، حكما ، وإن أمضاه الولاة عرفا حتى يعقد له الوزارة بلفظ يشتمل على شرطين : أحدهما عموم النظر ، والثاني النيابة ، فإن اقتصر على عموم النظر دون النيابة فكان بولاية العهد أخص ; فلم تنعقد به الوزارة ، فإن اقتصر به على النيابة فقد أبهم ما استنابه فيه من عموم وخصوص أو تنفيذ وتفويض فلم تنعقد به الوزارة ، وإذا جمع بينهما انعقدت وتمت ، والجمع بينهما يكون من وجهين : أحدهما وهو بأحكام العقود أخص أن يقول قد قلدتك ما إلي نيابة عني فتنعقد به الوزارة لأنه قد جمع له بين عموم النظر والاستنابة في النظر ، فإن قال له نب عني فيما إلي احتمل أن تنعقد به الوزارة لأنه قد جمع له في هذا اللفظ بين الوجهين : عموم النظر والاستنابة واحتمل أن لا تنعقد به الوزارة [ ص: 27 ] لأنه إذن يحتاج إلى أن يتقدمه عقد والإذن في أحكام العقود لا تصح به العقود ، ولكن لو قال قد استنبتك فيما إلي انعقدت به الوزارة لأنه عدل عن مجرد الإذن إلى ألفاظ العقود .

ولو قال : انظر فيما إلي لم تنعقد به الوزارة لاحتماله أن ينظر في تصفحه أو في تنفيذه أو في القيام به ، والعقد لا ينبرم بلفظ محتمل حتى يصله بما ينفي عنه الاحتمال وليس يراعى فيما يباشره الخلفاء وملوك الأمم من العقود العامة ما يراعى في الخاصة من الشروط المؤكدة لأمرين :

أحدهما أن من عادتهم الاكتفاء بيسير القول عن كثيره فصار ذلك فيهم عرفا مخصوصا ، وربما استثقلوا الكلام فاقتصروا على الإشارة غير أنه ليس يتعلق بها في الشرع حكم لناطق سليم فكذلك خرجت بالشرع من عرفهم .

والثاني أنهم لقلة ما يباشرونه من العقود تجعل شواهد الحال في تأهبهم لها موجبا لحمل لفظهم المجمل على الغرض المقصود دون الاحتمال المجرد ، فهذا وجه .

والوجه الثاني : وهو بعرف المنصب أشبه أن يقول : قد استوزرتك تعويلا على نيابتك فتنعقد به هذه الوزارة لأنه قد جمع بين عموم النظر فيما إليه بقوله استوزرتك ، لأن نظر الوزارة عام وبين النيابة بقوله تعويلا على نيابتك فخرجت عن وزارة التنفيذ إلى وزارة التفويض .

ولو قال قد فوضت إليك وزارتي احتمل أن تنعقد به هذه الوزارة ، لأن ذكر التفويض فيها يخرجها عن وزارة التنفيذ إلى وزارة التفويض ، ويحتمل أن لا تنعقد لأن التفويض من أحكام هذه الوزارة فافتقر إلى عقد يتقدمه ، والأول من الاحتمالين أشبه بالصواب ، فعلى هذا لو قال قد فوضنا إليك الوزارة صح لأن ولاة الأمور يكنون عن أنفسهم بلفظ الجمع ويعظمون عن إضافة الشيء إليهم فيرسلونه فيقوم قوله قد فوضنا إليك مقام قوله فوضت إليك ، وقوله الوزارة مقام قوله وزارتي وهذا أفخم قول عقدت به وزارة التفويض وأوجزه ، ولو كنى غير الملوك عن أنفسهم بالجمع وترك الإضافة لما تعلق به حكم التفرد والإضافة لخروجه عن العرف المعهود ، فأما إذا قال قد قلدتك وزارتي أو قد قلدناك الوزارة لم يصر بهذا القول من وزراء التفويض حتى يبينه بما يستحق به التفويض لأن الله تعالى يقول حكاية عن نبيه موسى صلوات الله عليه : [ ص: 28 ] { واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري } .

فلم يقتصر على مجرد الوزارة حتى قرنها بشد أزره وإشراكه في أمره لأن اسم الوزارة مختلف في اشتقاقه على ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه مأخوذ من الوزر وهو الثقل لأنه يحمل عن الملك أثقاله .

الثاني : أنه مأخوذ من الوزر وهو الملجأ ومنه قوله تعالى { كلا لا وزر } أي لا ملجأ فسمي بذلك ، لأن الملك يلجأ إلى رأيه ومعونته .

والثالث : أنه مأخوذ من الأزر وهو الظهر ، لأن الملك يقوى بوزيره كقوة البدن بالظهر ولأي هذه المعاني كان مشتقا فليس في واحد منها ما يوجب الاستبداد بالأمور .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث