الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 424 ] الجزء السادس

من كتاب الاعتبار في الناسخ والمنسوخ في الحديث تأليف الشيخ الأجل الإمام العالم الأوحد زين الدين ناصر السنة أبي بكر محمد بن أبي عثمان موسى بن عثمان الحازمي رحمه الله

رواية الشيخ الإمام سديد الدين أبي إسحاق إبراهيم عمر بن علي بن سماقا الأشعري الشافعي أراه الله آماله وأصلح أحواله

[ ص: 425 ] كتاب النكاح والعشرة والطلاق والعدة والرضاع

باب نكاح المتعة

- حديث ابن مسعود في الرخصة .

- تحريم نكاح المتعة تحريم تأبيد لا تأقيت .

- إثبات أن نكاح المتعة حرام في الإسلام بالأحاديث الصحيحة .

كتاب العشرة : باب النهي عن ضرب النساء ، ثم الإذن فيه بالمعروف .

كتاب الطلاق : ذكر ما كان من المراجعة بعد الطلاق الثلاث ، ونسخ ذلك

كتاب العدة : ذكر عدة المتوفى عنها زوجها في غير أصلها ، والاختلاف في ذلك .

- إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروج المعتدة نهارا ، ودليل ذلك

كتاب الرضاع :

- مدة الرضاع .

- ذكر أحاديث تدل على صحة دعوى القائلين بالنسخ .

- حديث : لا يحرم من الرضاعة المصة ولا المصتان .

[ ص: 426 ] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلواته على محمد وآله وسلامه

كتاب النكاح

نكاح المتعة

أخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر ، أخبرني مكي بن منصور ، أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي ، أخبرنا محمد بن يعقوب ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سفيان ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، قال ، سمعت ابن مسعود يقول : كنا نغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس معنا نساء ، فأردنا أن نختصي ، فنهانا عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء .

هذا طريق حسن صحيح ، وهذا الحكم كان مباحا مشروعا في صدر الإسلام ، وإنما أباحه النبي - صلى الله عليه وسلم - للسبب الذي ذكره ابن مسعود ، وإنما كان [ ص: 427 ] ذلك يكون في أسفارهم ، ولم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أباحه لهم وهم في بيوتهم ، ولهذا نهاهم عنه غير مرة ، ثم أباحه لهم في أوقات مختلفة ، حتى حرمه عليهم في آخر أيامه - صلى الله عليه وسلم - وذلك في حجة الوداع ، وكان تحريم تأبيد لا تأقيت ، فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة ، إلا شيئا ذهب إليه بعض الشيعة .

ويروى أيضا عن ابن جريج جوازه .

وسنذكر أحاديث تدل على صحة ما ادعيناه .

أخبرني محمد بن عمر بن أبي عيسى الحافظ ، أخبرنا الحسن بن أحمد ، [ ص: 428 ] أخبرنا أحمد بن عبد الله ، أخبرنا محمد بن بكر في كتابه ، أخبرنا داود ، حدثنا مسدد ، حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، عن إسماعيل بن أمية ، عن الزهري قال : كنا عند عمر بن عبد العزيز ، فتذاكرنا متعة النساء ، فقال له رجل - يقال له : الربيع بن سبرة - : أشهد على أبي أنه حدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها في حجة الوداع .

قرأت على محمد بن ذاكر بن محمد بن أحمد المستملي ، أخبرك الحسن بن أحمد ، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد الكاتب ، أخبرنا علي بن عمر ، حدثنا أبو بكر بن أبي داود ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا ابن بكير ، حدثنا عبد الله بن لهيعة ، عن موسى بن أيوب ، عن إياس بن عامر ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المتعة ، قال : وإنما كانت لمن لم يجد ، فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت .

هذا حديث غريب من هذا الوجه ، وقد صح الحديث عن علي في هذا الباب من غير وجه ، ورواه عنه الكوفيون من طرق ، وهو أشهر من أن ينكر ، وأكثر من أن يحصر .

أخبرني محمد بن إبراهيم بن علي الخطيب ، أخبرنا يحيى بن عبد الوهاب بن محمد ، أخبرنا محمد بن أحمد الكاتب ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، أخبرنا أبو يعلى ، حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا سفيان عن حسن وعبد الله ابني محمد بن علي ، عن أبيهما ، عن علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر ، وعن لحوم الحمر الأهلية .

[ ص: 429 ] وهذا الحديث لا ينافي حديث الربيع بن سبرة ، عن أبيه ؛ حيث ذكر أن النهي كان في حجة الوداع ؛ لما ذكرنا بأن ذلك كان عدة مرار ، غير أن النهي الأخير كان في حجة الوداع .

ويدل على صحة ما ذكرنا أيضا ما أخبرنا به أبو الفضل الأديب ، أخبرنا سعد بن علي العجلي ، أخبرنا القاضي أبو الطيب ، أخبرنا علي بن عمر ، حدثنا عبد الله بن أبي داود ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا أبو عميس ، عن إياس بن سلمة ، عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ، ثم نهى عنها .

قرأت على محمد بن عمر الحافظ ، أخبرك أبو علي ، أخبرنا أبو نعيم ، أخبرنا أبو أحمد العبدي ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، أخبرنا إسحاق الحنظلي ، أخبرنا روح بن عبادة ، حدثنا موسى بن عبيدة ، سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن ابن عباس قال : كانت في أول الإسلام متعة النساء ، فكان الرجل يقدم بسلعته البلد ليس له من يحفظ عليه ضيعته ، ويضم إليه متاعه ، فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يقضي حاجته ، وقد كانت تقرأ : " فما استمتعتم به منهن - إلى أجل مسمى - فآتوهن أجورهن " الآية ، حتى نزلت : ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ) إلى قوله : ( محصنين غير مسافحين ) فتركت المتعة ، وكان الإحصان إذا شاء طلق ، [ ص: 430 ] وإذا شاء أمسك ، ويتوارثان ، وليس لهما من الأمر شيء .

هذا إسناد صحيح ، لولا موسى بن عبيدة ، وهو الربذي كان يسكن الربذة .

ذكر أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن القزويني قال : حدثنا أبو بكر محمد بن الفضل الطبري ، حدثنا هناد بن السري ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن عباد بن كثير ، حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل ، سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري ، يقول : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة تبوك ، حتى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام جئن نسوة ، فذكرنا تمتعنا وهن يجلن في رحالنا ، أو قال : يطفن في رحالنا ، فجاءنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنظر إليهن ، فقال : من هؤلاء النسوة ؟ فقلنا : يا رسول الله ، نسوة تمتعنا منهن . فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى احمرت وجنتاه ، وتمعر لونه ، واشتد غضبه ، فقام فينا فحمد الله وأثنى عليه ، ثم نهى عن المتعة ، فتوادعنا يومئذ الرجال والنساء ، ولم نعد ، ولا نعود لها أبدا ، فبها سميت يومئذ ثنية الوداع .

وأخبرني أبو الفضل الأديب ، أخبرنا سعد بن علي ، أخبرنا طاهر بن عبد الله هو الطبري ، أخبرنا علي بن عمر بن أحمد ، حدثنا عبد الله بن سليمان ، حدثنا سليمان بن داود الصيرفي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن الحسن بن محمد وعبد الله بن محمد ، عن أبيهما أن عليا [ ص: 431 ] قال لابن عباس : أما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لحوم الحمر الأهلية وعن المتعة .

وأما ما يحكى عن ابن عباس ؛ فإنه كان يتأول في إباحته للمضطرين بطول الغربة وقلة اليسار والجدة ، ثم توقف عنه ، وأمسك عن الفتوى به ، ويوشك أن يكون سبب رجوعه عنه قول علي - رضي الله عنه - وإنكاره عليه ، وقد ذكرنا رواية محمد بن كعب القرظي عنه ، ونذكر رواية أخرى تدل عليه :

قرئ على أبي المحاسن محمد بن عبد الخالق وأنا أسمع ، أخبرك أبو المحاسن الروياني في كتابه ، أخبرنا أحمد بن محمد البلخي ، أخبرنا أحمد بن محمد أبو سليمان الخطابي ، حدثنا ابن السماك ، حدثنا الحسن بن سلام السواق ، حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا عبد السلام ، عن الحجاج ، عن أبي خالد ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، قال : قلت لابن العباس : هل تدري ما صنعت وبما أفتيت ، قد سارت بفتياك الركبان ، وقالت فيه الشعراء ؟ قال : وما قلت ؟ قلت : قالوا :

قد قلت للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى يصدر الناس فقال ابن عباس : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله ما بهذا أفتيت ، ولا أردت ولا أحللت إلا مثل ما أحل الله الميتة والدم ولحم الخنزير ، ولا تحل إلا للمضطر ، وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير .

[ ص: 432 ] قال الخطابي : فهذا يبين لك أنه سلك فيه مذهب القياس ، وشبهه بالمضطر إلى الطعام الذي به قوام الأنفس وبعدمه يكون التلف ، وإنما هذا من باب غلبة الشهوة ومصابرتها ممكنة ، وقد تحسم مادتها بالصوم والعلاج ، فليس أحدهما في حكم الضرورة كالآخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث