الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( القسم الثاني ) من المحرم الذي لا يكون كفرا أن يسأل الداعي من الله تعالى المستحيلات العادية إلا أن يكون نبيا فإن عادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام خرق العادة فيجوز لهم ذلك كما سألوا نزول المائدة من السماء وخروج الناقة من الصخرة الصماء أو يكون وليا له مع الله تعالى عادة بذلك فهو جار على عادته فلا يعد ذلك من الفريقين قلة أدب أو لا يكون وليا ويسأل خرق العادة ويكون معنى سؤاله أن يجعله وليا من أهل الولاية حتى يستحق خرق العادة فهذه الأقسام الثلاثة ليست حراما ، وأما المحرم فله أمثلة :

( الأول ) أن يسأل الله تعالى الاستغناء عن التنفس في الهواء [ ص: 269 ] ليأمن الاختناق على نفسه ، وقد دلت العادة على استحالة ذلك .

( الثاني ) أن يسأل الله تعالى العافية من المرض أبد الدهر لينتفع بقواه وحواسه وأعضائه أبد الدهر ، وقد دلت العادة على استحالة ذلك .

( الثالث ) أن يسأل الله تعالى الولد من غير جماع أو الثمار من غير أشجار وغراس ، وقد دلت العادة على استحالة ذلك فطالب ذلك مسيء الأدب على الله تعالى ، وكذلك قول الداعي اللهم لا ترم بنا في شدة فإن عادة الله تعالى جارية قطعا بوقوع بعض الأنفس في الشدائد بل لا تكاد نفس تسلم من شدة في مدة حياتها ، وكذلك قول الداعي خرق الله العادة في بقائك وهو كثير في العرف ، وكذلك قوله أعطنا خير الدنيا والآخرة واصرف عنا شر الدنيا والآخرة لا يجوز لأن من المحال أن يحصل هذا المدعو به لهذا الداعي فلا بد أن يقصد بهذا العموم الخصوص إذ لا بد أن يفوت هذا الداعي رتبة النبوة ومرتبة الملائكة ودرجات الأنبياء في الجنة ، ولا بد أن يدركه بعض الشرور ولو سكرات الموت ووحشة القبر فلا بد أن يقصد بهذا العموم الخصوص وقس على هذه نظائرها [ ص: 270 ] بل يجب على كل عاقل أن يفهم عوائد الله تعالى في تصرفاته في خلقه وربطه المسببات بالأسباب في الدنيا والآخرة مع إمكان صدورها عن قدرته بغير تلك الأسباب أو بغير سبب ألبتة بل رتب الله تعالى مملكته على نظام ووضعها على قانون قضاه وقدره { لا يسأل عما يفعل } .

فإذا سأل الداعي من الله تعالى تغيير مملكته ونقض نظامه وسلوك غير عوائده في ملكه كان مسيئا الأدب عليه عز وجل بل ذلك سوء أدب على أدنى الملوك بل الولاة ، ولذلك عاب العلماء وغلطوا جماعة من العباد حيث توسطوا القفار من غير زاد ولججوا في البحار في زمن الهول في غير الزمن المعتاد طالبين من الله تعالى خرق عوائده لهم في هذه الأحوال فهم يعتقدون أنهم سائرون إلى الله تعالى وهم ذاهبون عنه ظانين أن هذه الحالة هي حقيقة التوكل وأن ما عداها ينافي الاعتماد على الله تعالى وهذا غلط عظيم فقد دخل سيد المتوكلين محمد رسول الله مكة محفوفا بالخيل والرجل والكراع والسلاح في كتيبته الخضراء مظاهرا بين درعين [ ص: 271 ] على رأسه مغفر من حديد ، وقال في أول أمره من يعصمني حتى أبلغ رسالة ربي وكان في آخر عمره عند أكمل أحواله مع ربه يدخر لعياله قوت سنة وهو سيد المتوكلين وتحقيق هذا الباب أن تعلم أن التوكل اعتماد القلب على الله تعالى فيما يطلبه من خير أو يكرهه من ضير لأجل [ ص: 272 ] أنه المستولي بقدرته وإرادته على سائر الكائنات من غير مشارك له في ذلك { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده } ومع ذلك فله عوائد في ملكه رتبها بحكمته فمقتضى شمول قدرته انقطاع القلب عن غيره ومقتضى سلوك أدبه التماس فضله من عوائده .

وقد انقسم الخلق في هذا المقام ثلاثة أقسام : قسم عاملوا الله تعالى بمقتضى شمول قدرته للخير والشر فحصلوا على حقيقة التوكل وأعرضوا عن الأسباب ففاتهم الأدب الواجب الاتباع . وقسم لاحظوا الأسباب واستولت على قلوبهم فحجبتهم عن الله تعالى فهؤلاء فاتهم التوكل والأدب وهذا هو المهيع العام الذي هلك فيه أكثر الخلائق ، وقسم عاملوا الله تعالى بمقتضى شمول قدرته وعوائده في مملكته فهؤلاء جامعون بين التوكل والأدب وهذا مقام الأنبياء وخواص العلماء والأولياء والأصفياء . واعلم أن قليل الأدب خير من كثير من العمل ولذلك هلك إبليس وضاع أكثر عمله بقلة أدبه فنسأل الله السلامة [ ص: 273 ] في الدنيا والآخرة ، وقال الرجل الصالح لابنه يا بني اجعل عملك ملحا وأدبك دقيقا أي ليكن استكثارك من الأدب أكثر من استكثارك من العمل لكثرة جدواه ونفاسة معناه ويدل على تحريم طلب خرق العوائد قوله تعالى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } أي لا تركبوا الأخطار التي دلت العادة على أنها مهلكة وقوله تعالى { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } أي الواقية لكم من الحاجة إلى السؤال والسرقة فإنهم كانوا يسافرون إلى الجهاد والحج بغير زاد فربما وقع بعضهم في إحدى المفسدتين المذكورتين فأمرهم الله تعالى بالتزام العوائد وحرم عليهم تركها فإن المأمور به منهي عن ضده بل أضداده .

وقد قيل لبعضهم إن كنت متوكلا على الله ومعتمدا عليه وواثقا بقضائه وقدره فألق نفسك من هذا الحائط فإنه لا يصيبك إلا ما قدر لك فقال إن الله خلق عباده ليجربهم ويمتحنهم لا ليجربوه ويمتحنوه إشارة إلى سلوك الأدب مع الله تعالى جعلنا الله تعالى من أهل الأدب معه ومع عباده حتى نلقاه بمنه وكرمه

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( القسم الثاني من المحرم الذي لا يكون كفرا أن يسأل الداعي من الله تعالى المستحيلات العادية إلا أن يكون نبيا فإن عادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام خرق العادة فيجوز لهم ذلك كما سألوا نزول المائدة من السماء وخروج الناقة من الصخرة الصماء أو يكون وليا له مع الله تعالى عادة بذلك فهو جار على عادته فلا يعد ذلك من الفريقين قلة أدب أو لا يكون وليا ويسأل خرق العادة ويكون معنى سؤاله أن يجعله وليا من أهل الولاية حتى يستحق خرق العادة فهذه الأقسام الثلاثة ليست حراما ) قلت إجازة دعاء من ليس بولي بخرق العادة إجازة للدعاء بخرق العادة فكل ما أنكره من ذلك فقد أجازه على الوجه الذي ذكره وإذا أجازه على ذلك الوجه فقد أجازه على الجملة فلا يصح له منعه بعد ذلك .

قال ( وأما المحرم فله أمثلة الأول أن يسأل الله تعالى الاستغناء عن التنفس في الهواء [ ص: 269 ] ليأمن الاختناق على نفسه ، وقد دلت العادة على استحالة ذلك ) قلت قد أجاز ذلك على وجه القصد لطلب الولاية وحكمه بأنه إساءة أدب دعوى عرية عن الحجة وتكثيره الأمثلة لا حاجة إليه . قال ( وكذلك قول الداعي اللهم لا ترم بنا في شدة فإن عادة الله جارية قطعا بوقوع بعض الأنفس في الشدائد بل لا تكاد نفس تسلم من شدة في مدة حياتها ، وكذلك قول الداعي خرق الله العادة في بقائك وهو كثير في العرف ، وكذلك قول اللهم أعطنا خير الدنيا والآخرة واصرف عنا شر الدنيا والآخرة لا يجوز ؛ لأن من المحال أن يحصل هذا المدعو به لهذا الداعي ، فلا بد أن يقصد بهذا العموم الخصوص إذ لا بد أن يفوت هذا الداعي رتبة النبوة ومرتبة الملائكة ودرجات الأنبياء في الجنة فلا بد أن يدركه بعض الشرور ولو سكرات الموت ووحشة القبر فلا بد أن يقصد بهذا العموم الخصوص وقس على هذا نظائرها ) قلت ليس كون هذه الأمور واقعة على وجه الخصوص بموجب أن لا تطلب إلا على وجه الخصوص بل يجوز أن تطلب على وجه العموم وغايته أن نقول طلب مثل ذلك طلب للممتنع عادة على معنى أن يقصد الطالب بطلبه أن يصير وليا فتخرق له العادة فقد جوز ما منع .

[ ص: 270 ] قال ( بل يجب على كل عاقل أن يفهم عوائد الله تعالى في تصرفاته في خلقه وربطه المسببات بالأسباب في الدنيا والآخرة مع إمكان صدورها عن قدرته بغير تلك الأسباب أو بغير سبب ألبتة بل رتب الله تعالى مملكته على نظام دبره ووضعها على قانون قضاه وقدره لا يسأل عما يفعل فإذا سأل الداعي من الله تعالى تغيير مملكته ونقض نظامه وسلوك غير عوائده في ملكه كان مسيئا الأدب عليه بل ذلك سوء أدب على أدنى الملوك بل الولاة ) قلت لم يأت على دعواه بحجة ، وما قال إنه سوء أدب من ذلك وهو طلب خرق العادة هو عين ما جوزه للداعي على قصد أن يصير وليا وبالجملة فكل ما منعه من هذه الأدعية لم يأت على منعه بحجة أصلا إلا ما أشار إليه من القياس على الملوك وهو قياس فاسد لا شك في فساده . قال ( ولذلك عاب العلماء وغلطوا جماعة من العباد حيث توسطوا القفار بغير زاد ولججوا في البحار في زمن الهول في غير الزمن المعتاد طالبين من الله تعالى خرق عوائده لهم في هذه الأحوال فهم يعتقدون أنهم سائرون إلى الله تعالى وهم ذاهبين عنه ظانين أن هذه الحالة هي حقيقة التوكل وأن ما عداها ينافي الاعتماد على الرب ، وهذا غلط عظيم فقد دخل سيد المتوكلين محمد صلى الله عليه وسلم مكة محفوفا بالخيل والرجل والكراع والسلاح في كتيبته الخضراء مظاهرا بين درعين [ ص: 271 ] على رأسه مغفر من حديد ، وقال في أول أمره من يعصمني حتى أبلغ رسالة ربي وكان في آخر عمره عند غاية كماله مع ربه مدخرا لعياله قوت سنة وهو سيد المتوكلين ) قلت تغليط من غلط من العلماء جماعة العباد فيما ذكره غلط من أولئك العلماء ؛ لأنه مبني على إساءتهم الظن بأولئك العباد ، وإساءة الظن بعامة المسلمين ممنوعة شرعا فكيف بالعباد منهم والعباد والذين فعلوا ذلك لا يخلو أن يكونوا ممن تعود خرق العادة له ممن لم يتعود ذلك ، فإن كانوا من القسم الأول فلا عيب عليهم .

وإن كانوا من القسم الثاني فلا يخلو أن يكونوا ممن غلب عليهم في ذلك أحوال لا يستطيعون دفعها أو ممن لم يغلب عليهم أحوال كذلك ، فإن كانوا من القسم الأول فلا عيب عليهم لعدم استطاعتهم دفع ذلك ، وإن كانوا من القسم الثاني يكونون مرتكبين لممنوع فيلحقهم العيب فما بال أولئك العلماء حكموا عليهم بأنهم من هذا الأخير دون القسم الأول ، والثاني أليس ذلك إساءة ظن في موطن يمكن فيه تحسينه ولم يسأ بهم الظن فيظن أنهم ظانون أن ذلك حقيقة التوكل بل الظن بهم أنهم يعلمون حقيقة التوكل وأنه كما لا ينافي التسبب لا ينافي أيضا عدم التسبب ، وما ذكره من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا حجة له فيه على أن التوكل لا بد معه من التسبب إذ مساق كلامه يقتضي أن التوكل مع التسبب يصح ومع عدم التسبب يصح ، وما عدل النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوكل إلا لأنه المعلم المقتدى به والاقتداء به ليس مختصا بالخواص والجمهور فلما تطمئن نفوسهم إلا مع التسبب والأحكام الشرعية واردة على الغالب لا على النادر . مع أنه لقائل أن يقول إن التوكل وإن صح مع التسبب وعدمه فالتوكل مع التسبب راجح في حقه للحاجة لتعليم الجمهور كما سبق ، ولأمنه من شائبة مراعاة الأسباب لعصمته صلى الله عليه وسلم ، والتوكل مع عدم التسبب راجح في حق غيره لعدم أمنه من شائبة مراعاة الأسباب لعدم عصمته والله تعالى أعلم .

قال ( وتحقيق هذا الباب أن تعلم أن التوكل اعتماد القلب على الله تعالى فيما يطلبه من خير أو يكرهه من ضير لأجل [ ص: 272 ] أنه المستولي بقدرته وإرادته على سائر الكائنات من غير مشارك له في ذلك { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده } ) قلت ما قاله في ذلك صحيح لا ريب فيه . قال ( ومع ذلك فله عوائد في ملكه رتبها بحكمته فمقتضى شمول قدرته انقطاع القلب عن غيره ومقتضى سلوك أدبه التماس فضله من عوائده ، ثم قال قسم عاملوا الله تعالى بمقتضى شمول قدرته للخير والشر فحصلوا على حقيقة التوكل وأعرضوا عن الأسباب ففاتهم الأدب الواجب الاتباع ) .

قلت قد اعترف هنا بأن حقيقة التوكل المعاملة بمقتضى شمول القدرة والإرادة مع الإعراض عن الأسباب وهو عين ما عاب على العباد حيث قال ظانين أن هذه الحالة هي حقيقة التوكل فقوله هنا مناقض بظاهره لذلك ، وقد تقدم بيان أن التوكيل يصح مع التسبب ومع عدم التسبب وأن الرسل ومن في معناهم من العلماء المقتدى بهم يترجح في حقهم التوكل مع التسبب لضرورة اقتداء الجمهور بهم مع ما تختص به الرسل من العصمة وأن من عداهم ممن ليس مقتضيا للاقتداء به يترجح في حقه التوكل مع عدم التسبب لأنه أبعد من شائبة مراعاة الأسباب والله تعالى أعلم . قال ( واعلم أن قليل الأدب خير من كثير من العمل ولذلك هلك إبليس وضاع أكثر عمله بقلة أدبه فنسأل الله تعالى السلامة [ ص: 273 ] في الدنيا والآخرة . وقال الرجل الصالح لابنه اجعل عملك ملحا وأدبك دقيقا أي ليكن استكثارك من الأدب أكثر من استكثارك من العمل لكثرة جدواه ونفاسة معناه )

قلت مسلم أن قلة الأدب ممنوعة ولكنه يفتقر إلى دليل على أن ما ذكره من الأدعية من جملة قلة الأدب . قال ( ويدل على تحريم طلب خرق العوائد قوله تعالى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } أي لا تركبوا الأخطار التي دلت العادة على أنها مهلكة وقوله تعالى { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } أي الواقية لكم من الحاجة إلى السؤال والسرقة فإنهم كانوا يسافرون إلى الجهاد والحج بغير زاد فربما وقع بعضهم في إحدى المفسدتين المذكورتين فأمرهم الله بالتزام العوائد وحرم عليهم تركها فإن المأمور به منهي عن ضده بل أضداده . وقد قيل لبعضهم إن كنت متوكلا على الله ومعتمدا عليه وواثقا بقضائه وقدره فألق نفسك من هذا الحائط فإنه لا يصيبك إلا ما قدر لك فقال إن الله تعالى خلق عباده ليجربهم ويمتحنهم لا ليجربوه ويمتحنوه إشارة إلى سلوك الأدب مع الله تعالى جعلنا الله تعالى من أهل الأدب مع ومن عباده حتى نلقاه بمنه وكرمه )

وقلت كل ما ذكره محتجا به نقول بموجبه ولا يلزم منه مقصوده فإن كل ما ذكره ليس فيه دليل على منع طلب المستحيل ، وإنما فيه [ ص: 274 ] المنع من ارتكاب العمل على خلاف العادة والعمل على خلاف العادة مغاير لطلب خرقها فلا يلزم من المنع من أحدهما المنع من الآخر .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( والقسم الثاني ) أن يسأل الداعي من الله تعالى المستحيلات العادية وله أمثلة منها كما قال أن يسأل الله تعالى الاستغناء عن التنفس في الهواء ليأمن الاختناق على نفسه وأن يسأل الله العافية من المرض أبد الدهر لينتفع بقواه وحواسه وأعضائه أبد الدهر أو أن يسأل الله تعالى الولد من غير جماع أو الثمار من غير أشجار وغراس ، أو يقول اللهم لا ترم بنا في شدة أو أعطنا خير الدنيا والآخرة واصرف عنا شر الدنيا والآخرة على عمومه إذ لا بد أن يفوته رتبة النبوة ومرتبة الملائكة ودرجات الأنبياء في الجنة ولا بد أن يدركه بعض الشرور ولو سكرات الموت ووحشة القبر ، ومنها كمال قال ابن الشاط أن يسأل الله دوام إصابة كلامه من الحكم الدقيقة والعلوم الشريفة أبد الدهر ليفتخر بذلك على سائر الفضلاء وينتفع به في تصرفاته أكثر من سائر العلماء . قال الأصل وقس على هذه نظائرها بل يجب على كل عاقل أن يفهم عوائد الله تعالى في خلقه وربطه المسببات بالأسباب في الدنيا والآخرة مع إمكان صدورها عن قدرته بغير تلك الأسباب أو بغير سبب ألبتة بل رتب الله تعالى مملكته على نظام دبره ووضعها على قانون قضاه وقدره لا يسأل عما يفعل ، وإذا سأل الداعي من الله تعالى تغيير مملكته ونقض نظامه وسلوك غير عوائده في ملكه كان مسيئا الأدب عليه عز وجل بل ذلك سوء أدب على أدنى الملوك بل الولاة .

قال والله تعالى يجب له من الإجلال فوق ما يجب لخلقه فما نافى إجلال خلفه أولى أن ينافي في جلاله من كل نقص بل قد عاب الله تعالى جميع خلقه بقوله تعالى { وما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه ، وقال عليه الصلاة والسلام { لا أحصي ثناء عليك أنت [ ص: 298 ] كما أثنيت على نفسك } أي ثناؤك المستحق ثناؤك على نفسك أما ثناء الخلق فلا لأنه دون المستحق قال ولذلك عاب العلماء وغلطوا جماعة من العباد حيث توسطوا القفار من غير زاد ولججوا في البحار في زمن الهول أو في غير الزمن المعتاد طالبين من الله تعالى خرق عوائده لهم في هذه الأحوال فهم يعتقدون أنهم سائرون إلى الله وهم ذاهبون عنه ظانين أن هذه الحالة هي حقيقة التوكل وأن ما عداها ينافي الاعتماد على الله تعالى ، وهذا غلط عظيم فقد دخل سيد المتوكلين محمد رسول الله مكة مخفوقا بالخيل والرجل والكراع والسلاح في كتيبته الخضراء مظاهرا بين درعين وعلى رأسه مغفر من حديد ، وقال أول أمره من يعصمني حتى أبلغ رسالة ربي وكان في آخر عمره عند أكمل أحواله مع ربه يدخر لعياله قوت سنة وهو سيد المتوكلين .

وتحقيق هذا الباب أن تعلم أن التوكل اعتماد القلب على الله تعالى فيما يطلبه من خير أو يكرهه من ضير لأجل أنه المستولي بقدرته وإرادته على سائر الكائنات من غير مشارك له في ذلك { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده } ومع ذلك فله عوائد في ملكه رتبها بحكمة ، فمقتضى شمول قدرته انقطاع القلب عن غيره ومقتضى سلوك أدبه التماس فضله من عوائده ، وقد انقسم الخلق في هذا المقام ثلاثة أقسام : قسم عاملوا الله تعالى بمقتضى شمول قدرته للخير والشر فحصلوا على حقيقة التوكل وأعرضوا عن الأسباب ففاتهم الأدب الواجب الاتباع وقسم لاحظوا الأسباب واستولت على قلوبهم فحجبتهم عن الله تعالى فهؤلاء فاتهم التوكل والأدب وهذا هو المهيع العام الذي هلك فيه أكثر الخلائق ، وقسم عاملوا الله تعالى بمقتضى شمول قدرته وعوائده في مملكته فهؤلاء جامعون بين التوكل والأدب وهذا مقام الأنبياء من خواص العلماء والأولياء والأصفياء وما ذلك إلا أن قليل الأدب خير من كثير من العمل ولذلك هلك إبليس وضاع أكثر عمله بقلة أدبه فنسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة .

وقال الرجل الصالح لابنه يا بني اجعل عملك ملحا وأدبك دقيقا ، أي ليكن استكثارك من الأدب أكثر من استكثارك من العمل لكثرة جدواه ونفاسة معناه ويدل على تحريم طلب خرق العوائد قوله تعالى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } أي لا تركبوا الأخطار التي دلت العادة على أنها مهلكة وقوله تعالى { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } أي الواقية لكم من الحاجة إلى السؤال والسرقة فإنهم كانوا يسافرون إلى الجهاد والحج بغير زاد فربما وقع بعضهم في إحدى المفسدتين المذكورتين السؤال والسرقة فأمرهم الله تعالى بالتزام العوائد وحرم عليهم تركها فإن المأمور به منهي عن ضده بل إضداده ، وقد قيل لبعضهم إن كنت متوكلا على الله ومعتمدا عليه وواثقا بقضائه وقدره فألق نفسك من هذا الحائط فإنه لا يصيبك إلا ما قدر لك فقال إن الله تعالى خلق عباده ليجربهم ويمتحنهم لا ليجربوه ويمتحنوه إشارة إلى سلوك الأدب مع الله تعالى جعلنا الله تعالى من أهل الأدب معه ومع عباده حتى نلقاه بمنه وكرمه . نعم يجوز طلب خرق العادة من الله تعالى للأنبياء ؛ لأن عادتهم عليهم الصلاة والسلام خرقها ، وكذلك لمن له عادة مع الله تعالى بخرقها من الأولياء لجريانه على عادته فلا يعد ذلك من الفريقين قلة أدب ، وكذلك لمن لا يكون وليا حيث أراد بسؤاله خرقها أن يجعله وليا من أهل الولاية حتى يستحق خرق العادة . فهذه الأقسام الثلاثة ليست حراما انتهى .

وتعقبه ابن الشاط بأن دعواه أن طلب خرق العوائد من الله تعالى إساءة أدب عرية عن الحجة إلا ما أشار إليه من القياس على الملوك وهو قياس لا شك في فساده والعيب والذم الذي دل عليه قوله تعالى { وما قدروا الله حق قدره } الآية وقوله صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء الحديث لا يلحق البشر إلا إن كان الثناء اللائق بجلاله تعالى مما يدخل تحت اكتسابهم ثم قصروا فيه .

وأما إن كان مما لا يدخل فلا يلحقهم ذم { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } قال وتغليط من غلط من العلماء جماعة العباد فيما ذكره غلط من أولئك العلماء ؛ لأنه مبني على إساءتهم الظن بأولئك العباد وإساءة الظن بعامة المسلمين ممنوعة شرعا فكيف بالعباد منهم ؟ وذلك أن العباد الذين فعلوا ذلك لا يخلو أن يكونوا ممن تعود خرق العادة له فلا عيب عليهم أو ممن لم يتعود ذلك فلا عيب عليهم أيضا إن كانوا ممن غلب عليهم في ذلك أحوال لا يستطيعون دفعها وإلا لحقهم العيب لارتكابهم حينئذ لممنوع فما بال أولئك العلماء حكموا عليهم بأنهم من هذا الأخير دون القسم الأول والثاني أليس ذلك إساءة ظن في [ ص: 299 ] موطن يمكن فيه تحسينه وعدم إساءته فيظن أنهم ظانون أن ذلك حقيقة التوكل بل الظن بهم أنهم يعلمون حقيقة التوكل وأنه كما لا ينافي التسبب كذلك لا ينافي عدم التسبب وما ذكره من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا حجة له فيه على أن التوكل لا بد معه من التسبب إذ مساق كلامه يقتضي أن التوكل يصح مع التسبب ومع عدمه ، وما عدل النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوكل مع التسبب إلا لأنه المعلم المقتدى به والاقتداء به ليس مختصا بالخواص بل يعمهم وغيرهم ، والجمهور قلما تطمئن نفوسهم إلا مع التسبب . ا هـ .

قال الغزالي ولقد سمعت أبا المعالي رحمه الله تعالى يقول إن من جرى مع الله تعالى على عادة الناس جرى الله معه على ما هو عادة الناس في كفاية المؤنة وهذا كلام حسن جدا وفيه فوائد جمة لمن تأملها ا هـ بلفظه قلت يعني أن من جرى مع الله تعالى على أن كفاية المؤنة بالسبب جرى الله معه على الكفاية بالسبب ومن جرى مع الله تعالى على أن كفايتها بدون السبب جرى الله معه على الكفاية بدون السبب . قال ابن الشاط والأحكام الشرعية واردة على الغالب لا على النادر مع أنه لقائل أن يقول إن التوكل ، وإن صح مع التسبب وعدمه فالتوكل مع التسبب راجح في حقه صلى الله عليه وسلم للحاجة لتعليم الجمهور كما سبق ولا منه من شائبة مراعاة الأسباب لعصمته صلى الله عليه وسلم والتوكل مع عدم التسبب راجح في حق غيره لعدم أمنه من شائبة مراعاة الأسباب لعدم عصمته ا هـ ، وقال الغزالي في كتابه منهاج العابدين إن أخذ الزاد في السفر أفضل من تركه لمقتدى به يريد أن يبين أن أخذ الزاد مباح أو ينوي به عون مسلم أو إغاثة ملهوف أو نحو ذلك ، وتركه أفضل من أخذه لمن كان منفردا قوي القلب بالله سبحانه وتعالى لشغله بالزاد عن عبادة الله تعالى قال فالشأن إذا في القلب لا في حمل الزاد وتركه ، فكم من حامل للزاد وقلبه مع الله تعالى دون الزاد يقول الرزق مقسوم مفروغ منه ، والله تعالى إن شاء أقام بنيتي بهذا أو بغيره أو ينوي بحمله أن يعين به مسلما أو نحو ذلك وكم من تارك للزاد وقلبه مع الزاد دون الله تعالى قال فحمل الزاد مباح غير حرام لوقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا من الصحابة والسلف الصالح ، وإنما الحرام تعليق القلب بالزاد وترك التوكل على الله تعالى فافهم ذلك ثم ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال الله تعالى له { وتوكل على الحي الذي لا يموت } أعصاه في ذلك وعلق قلبه بطعام أو شراب أو درهم أو دينار ؟ كلا وحاشا أن يكون ذلك بل كان قلبه مع الله تعالى وتوكله على الله تعالى كما أمره فإنه الذي لم يلتفت إلى الدنيا بأسرها ولم يمد يده إلى مفاتيح خزائن الأرض كلها ، وإنما كان أخذ الزاد منه ومن السلف الصالح بنيات الخير لا لميل قلوبهم عن الله تعالى إلى الزاد والمعتبر القصد على ما أعلمناك فافهم وانتبه ا هـ بتصرف . قال ابن الشاط على أن الأصل عند بيان حقيقة التوكل والأدب اعترف بأن حقيقة التوكل المعاملة بمقتضى شمول القدرة والإرادة مع الإعراض عن الأسباب وهو عين ما عاب على العباد حيث قال ظانين أن هذه الحالة هي حقيقة التوكل فقوله هنا مناقض لظاهره لذلك ، وقوله إن قلة الأدب ممنوعة مسلم ولكنه يفتقر إلى دليل على أن ما ذكره من الأدعية من جملة قلة الأدب وقوله تعالى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } وقوله تعالى { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } ليس فيهما دليل على منع طلب المستحيل ، وإنما دليل على المنع من ارتكاب العمل على خلاف العادة ، والعمل على خلاف العادة مغاير لطلب خرقها إذ لا يلزم من المنع من أحدهما المنع من الآخر ا هـ قلت على أن الإمام الغزالي قال في المنهاج إن في قوله تعالى { وتزودوا } إلخ قولين أحدهما أنه زاد الآخرة ولذلك قال { خير الزاد التقوى } ولم يقل حطام الدنيا وأسبابها ، والثاني أنه كان قوم لا يأخذون زادا في طريق الحج لأنفسهم اتكالا على الناس ويسألون الناس ويشكون ويلحون ويؤذون الناس فأمروا بالزاد أمر تنبيه على أن أخذ الزاد من مالك خير من أخذ مال الناس والاتكال عليهم ، وكذلك نقول ا هـ ، وقال ابن الشاط وعلى أن إجازة الأصل دعاء من ليس بولي بخرق العادة إجازة للدعاء بخرق العادة فكل ما أنكره من ذلك فقد أجازه على الوجه الذي ذكره وإذا أجازه على ذلك الوجه فقد أجاز على الجملة فلا يصح له منعه بعد [ ص: 300 ] ذلك ولا حاجة إلى تكثيره الأمثلة ا هـ ، وقد أطال الغزالي في تحقيق هذا المقام في منهاجه إلى أن قال ولعلك تقول أطنبت في هذا الفصل خلاف شرط الكتاب فأقول لعمر الله إنه لقليل في جنب ما يحتاج إليه في هذا المعنى إذ هو أهم شأنا في العبادة بل عليه مدار أمر الدنيا والعبودية فمن له همة في هذا الشأن فليستمسك بذلك وليراعه حقه وإلا فهو عن المقصود بمعزول والذي يدلك على بصيرة علماء الآخرة العارفين بالله أنهم بنوا أمرهم على التوكل على الله والتفرغ لعبادة الله وقطع العلائق كلها فكم صنفوا من كتاب وكم أوصوا بوصية وقيض الله لهم أعوانا من السادة وأصحابا حتى يتمشى لهم من الخير المحض ما لم يتمش لطائفة من طوائف الأئمة الأزهاد الكرامية فإنهم بنوا مذاهبهم على أصول غير مستقية وما زلنا أعزة ما دمنا على منهاج أئمتنا ا هـ المراد منه .




الخدمات العلمية