الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 234 ] التدليس


153 . تدليس الإسناد كمن يسقط من حدثه ، ويرتقي بـ (عن) و (أن)      154 . وقال : يوهم اتصالا ، واختلف
في أهله ، فالرد مطلقا ثقف      155 . والأكثرون قبلوا ما صرحا
ثقاتهم بوصله وصححا      156 . وفي الصحيح عدة ( كالأعمش )
و (كهشيم) بعده وفتش

التالي السابق


التدليس على ثلاثة أقسام ، ذكر ابن الصلاح منها قسمين فقط :

القسم الأول : تدليس الإسناد : وهو أن يسقط اسم شيخه الذي سمع منه ، ويرتقي إلى شيخ شيخه ، أو من فوقه ، فيسند ذلك إليه بلفظ لا يقتضي الاتصال ، بل بلفظ موهم ، كقوله : عن فلان ، أو أن فلانا ، أو قال فلان ، موهما بذلك أنه [ ص: 235 ] سمع ممن رواه عنه ، وإنما يكون تدليسا إذا كان المدلس قد عاصر المروي عنه أو لقيه ولم يسمع منه ، أو سمع منه ولم يسمع منه ذلك الحديث الذي دلسه عنه . وقد فهم هذا الشرط من قوله : (يوهم اتصالا) . وإنما يقع الإيهام مع المعاصرة وقد حده أبو الحسن ابن القطان في كتابه " بيان الوهم والإيهام " : بأن يروي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه ، من غير أن يذكر أنه سمعه منه ، قال : والفرق بينه وبين الإرسال : هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه ، وقد سبق ابن القطان إلى حده بذلك الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ، ذكر ذلك في جزء له في معرفة من يترك حديثه ، أو يقبل . أما إذا روى عمن لم يدركه بلفظ موهم فإن ذلك ليس بتدليس على الصحيح المشهور . وحكى ابن عبد البر في التمهيد عن قوم : أنه [ ص: 236 ] تدليس ، فجعلوا التدليس أن يحدث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظ لا يقتضي تصريحا بالسماع ، وإلا لكان كذبا . قال ابن عبد البر : وعلى هذا فما سلم من التدليس أحد لا مالك ولا غيره .

فقوله : في البيت الثاني : ( وقال ) ، معطوف على قوله : ( بـ : عن وأن ) ، أي : بهذه الألفاظ الثلاثة ونحوها ، ومثله أن يسقط أداة الرواية ، ويسمي الشيخ فقط فيقول : فلان ، وهذا يفعله أهل الحديث كثيرا . قال علي بن خشرم : كنا عند ابن عيينة ، فقال : الزهري ، فقيل له : حدثكم الزهري ؟ فسكت . ثم قال : الزهري ، فقيل له : سمعته من الزهري ؟ فقال : لا لم أسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري ، حدثني عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري . وقد مثل ابن الصلاح للقسم الأول بهذا المثال . ثم حكى الخلاف فيمن عرف بهذا ، هل يرد حديثه مطلقا ، أو ما لم يصرح فيه بالاتصال ؟ ! واعلم أن ابن عبد البر قد حكى عن أئمة الحديث أنهم قالوا : يقبل تدليس ابن عيينة ; لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظائرهما . وهذا ما رجحه ابن حبان ، وقال : وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة ، فإنه كان يدلس ، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن ، ولا يكاد يوجد لابن عيينة خبر دلس فيه ، إلا [ ص: 237 ] وقد بين سماعه عن ثقة مثل ثقته ، ثم مثل ذلك بمراسيل كبار الصحابة ، فإنهم لا يرسلون إلا عن صحابي . وقد سبق ابن عبد البر إلى ذلك الحافظان : أبو بكر البزار ، وأبو الفتح الأزدي .

فقال البزار في الجزء المذكور : إن من كان يدلس عن الثقات كان تدليسه عند أهل العلم مقبولا . ثم قال : فمن كانت هذه صفته وجب أن يكون حديثه مقبولا وإن كان مدلسا . وهكذا رأيته في كلام أبي بكر الصيرفي من الشافعية في كتاب الدلائل فقال : كل من ظهر تدليسه عن غير الثقات لم يقبل خبره حتى يقول : حدثني ، أو سمعت . انتهى . وقوله : (واختلف في أهله) أي : في أهل هذا القسم من التدليس ، وهم المعروفون به . فقيل : يرد حديثهم مطلقا ، سواء بينوا السماع ، أو لم يبينوا ، وأن التدليس نفسه جرح ، حكاه ابن الصلاح عن فريق من أهل الحديث [ ص: 238 ] والفقهاء ، وهو المراد بقوله : ( فالرد مطلقا ثقف ) أي : وجد عن بعضهم . والصحيح كما قال ابن الصلاح ، التفصيل . فإن صرح بالاتصال كقوله : سمعت ، وحدثنا ، وأخبرنا ، فهو مقبول محتج به . وإن أتى بلفظ محتمل فحكمه حكم المرسل . وإلى هذا ذهب الأكثرون كما حكيته عنهم . ولم يذكر ابن الصلاح ذلك عن الأكثرين . وهذا من الزيادة عليه التي لم تميز بـ : قلت . وممن حكاه عن جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول شيخنا أبو سعيد العلائي في كتاب " المراسيل " ، وهو قول الشافعي ، وعلي بن المديني ، ويحيى بن معين ، وغيرهم .

[ ص: 239 ] وقد وجدت في كلام بعضهم : أن المدلس إذا لم يصرح بالتحديث ، لم يقبل اتفاقا . وقد حكاه البيهقي في “ المدخل “ عن الشافعي ، وسائر أهل العلم بالحديث . وحكاية الاتفاق هنا غلط أو هو محمول على اتفاق من لا يحتج بالمرسل . أما الذين يحتجون بالمرسل فيحتجون به كما اقتضاه كلام ابن الصلاح على أن بعض من يحتج بالمرسل لا يقبل عنعنة المدلس . فقد حكى الخطيب في “ الكفاية “ : أن جمهور من يحتج بالمرسل يقبل خبر المدلس .

وقوله : ( وفي الصحيح . . . ) إلى آخره ، أي : وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة عدة رواة من المدلسين ، كالأعمش ، وهشيم بن بشير ، وغيرهما .

وقوله : ( وفتش ) أي : وفتش ، في الصحيح تجد جماعة منهم ، كقتادة والسفيانين ، وعبد الرزاق ، والوليد بن مسلم ، وغيرهم . وقال النووي : إن ما في الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة عن المدلسين بـ : عن ، محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى . وقال الحافظ أبو محمد عبد الكريم الحلبي في كتاب " القدح المعلى " : قال أكثر العلماء : إن التي في الصحيحين منزلة بمنزلة السماع .





تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث