الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              مسألة : الزيادة على النص نسخ

              الزيادة على النص نسخ عند قوم وليست بنسخ عند قوم

              والمختار عندنا التفصيل فنقول ينظر إلى تعلق الزيادة بالمزيد عليه . والمراتب فيه ثلاثة :

              الأولى : أن يعلم أنه لا يتعلق به كما إذا أوجب الصلاة والصوم ثم أوجب الزكاة والحج لم يتغير حكم المزيد عليه ، إذ بقي وجوبه وإجزاؤه ، والنسخ هو رفع حكم وتبديل ولم يرتفع .

              الرتبة الثانية : وهي في أقصى البعد عن الأولى أن تتصل الزيادة بالمزيد عليه اتصال اتحاد يرفع التعدد والانفصال كما لو زيد في الصبح ركعتان ، فهذا نسخ إذ كان حكم الركعتين الإجزاء والصحة وقد ارتفع .

              نعم الأربعة استؤنف إيجابها ولم تكن واجبة ، وهذا ليس بنسخ إذ المرفوع هو الحكم الأصلي دون الشرعي . فإن قيل : اشتملت الأربعة على الثنتين وزيادة فهما قارتان لم ترفعا وضمت إليهما ركعتان . قلنا : النسخ رفع الحكم لا رفع المحكوم فيه فقد كان من حكم الركعتين الإجزاء والصحة وقد ارتفع ، كيف وقد بينا أنه ليس الأربعة ثلاثا وزيادة بل هي نوع آخر ؟ إذ لو كان لكانت الخمسة أربعة وزيادة . فإذا أتى بالخمسة فينبغي أن تجزئ ولا صائر إليه .

              الرتبة الثالثة : وهي بين المرتبتين زيادة عشرين جلدة على ثمانين جلدة في القذف ، وليس انفصال هذه الزيادة كانفصال الصوم عن الصلاة ولا اتصالها كاتصال الركعات .

              وقد قال أبو حنيفة رحمه الله : هو نسخ ، وليس بصحيح بل هو بالمنفصل أشبه ; لأن الثمانين نفي وجوبها وإجزاؤها عن نفسها ووجبت زيادة عليها مع بقائها فالمائة ثمانون وزيادة ، ولذلك لا ينتفي الإجزاء عن الثمانين بزيادة عليها بخلاف الصلاة . وفائدة هذه المسألة جواز إثبات التغريب بخبر الواحد عندنا ومنعه عندهم ، لأن القرآن لا ينسخ بخبر الواحد . فإن قيل : قد كانت الثمانون حدا كاملا فنسخ اسم الكمال رفع لحكمه لا محالة .

              قلنا هو رفع ، ولكن ليس ذلك حكما مقصودا شرعيا بل المقصود وجوده وإجزاؤه وقد بقي كما كان ، فلو أثبت مثبت كونه حكما مقصودا شرعيا لامتنع نسخه بخبر الواحد ، بل هو كما لو أوجب الشرع الصلاة فقط فمن أتى بها فقد أدى كلية ما أوجبه الله تعالى عليه بكماله ، فإذا أوجب الصوم خرجت الصلاة عن كونها كلية الواجب لكن ليس هذا حكما مقصودا . فإن قيل : هو نسخ لوجوب الاقتصار على الثمانين ، لأن إيجاب الثمانين مانع من الزيادة .

              قلنا ليس [ ص: 95 ] منع الزيادة بطريق المنطوق بل بطريق المفهوم ولا يقولون به ولا نقول به ههنا ثم رفع المفهوم كتخصيص العموم ، فإنه رفع بعض مقتضى اللفظ فيجوز بخبر الواحد . ثم إنما يستقيم هذا لو ثبت أنه ورد حكم المفهوم واستقر ثم ورد التغريب بعده ، وهذا لا سبيل إلى معرفته ، بل لعله ورد بيانا لإسقاط المفهوم متصلا به أو قريبا منه . فإن قيل : التفسيق ورد الشهادة يتعلق بالثمانين ، فإذا زيد عليها زال تعلقه بها .

              قلنا : يتعلق التفسيق ورد الشهادة بالقذف لا بالحد ، ولو سلمنا لكان ذلك حكما تابعا للحد لا مقصودا وكان كحل النكاح بعد انقضاء أربعة أشهر وعشر من عدة الوفاة ، وتصرف الشرع في العدة بردها من حول إلى أربعة أشهر وعشر ليس تصرفا في إباحة النكاح بل في نفس العدة والنكاح تابع . فإن قيل : فلو أمر بالصلاة مطلقا ثم زيد شرط الطهارة فهل هو نسخ ؟ قلنا : نعم ، لأنه كان حكم الأول إجزاء الصلاة بغير طهارة فنسخ إجزاؤها وأمر بصلاة مع طهارة .

              فإن قيل : فيلزمكم المصير إلى إجزاء طواف المحدث ; لأنه تعالى قال : { وليطوفوا بالبيت العتيق } ولم يشرط الطهارة والشافعي رحمه الله منع الإجزاء لقوله صلى الله عليه وسلم : { الطواف بالبيت صلاة } وهو خبر الواحد وأبو حنيفة رحمه الله قضى بأن هذا الخبر يؤثر في إيجاب الطهارة أما في إبطال الطواف وإجزائه وهو معلوم بالكتاب فلا . قلنا لو استقر قصد العموم في الكتاب واقتضى إجزاء الطواف محدثا ومع الطهارة فاشتراط الطهارة رفع ونسخ ولا يجوز بخبر الواحد ، ولكن قوله تعالى : { وليطوفوا بالبيت العتيق } يجوز أن يكون أمرا بأصل الطواف ويكون بيان شروطه موكولا إلى الرسول عليه السلام ، فيكون قوله بيانا وتخصيصا للعموم لا نسخا ، فإنه نقصان من النص لا زيادة على النص ، لأن عموم النص يقتضي إجزاء الطواف بطهارة وغير طهارة فأخرج خبر الواحد أحد القسمين من لفظ القرآن فهو نقصان من النص لا زيادة عليه ، ويحتمل أن يكون رفعا إن استقر العموم قطعا وبيانا إن لم يستقر ، ولا معنى لدعوى استقراره بالتحكم .

              وهذا نظير قوله تعالى : { فتحرير رقبة } ، فإنه يعم المؤمنة وغير المؤمنة ، فيجوز تخصيص العموم إذ قد يراد بالآية ذكر أصل الكفارة ويكون أمرا بأصل الكفارة دون قيودها وشروطها ، فلو استقر العموم وحصل القطع يكون العموم مرادا لكان نسخه ورفعه بالقياس وخبر الواحد ممتنعا . فإن قيل : فما قولكم في تجويز المسح على الخفين هل هو نسخ لغسل الرجلين ؟ قلنا : ليس نسخا لإجزائه ولا لوجوبه لكنه نسخ لتضييق وجوبه وتعينه وجاعل إياه أحد الواجبين ، ويجوز أن يثبت بخبر الواحد .

              فإن قيل : فالكتاب أوجب غسل الرجلين على التضييق . قلنا : قد بقي تضييقه في حق من لم يلبس خفا على الطهارة وأخرج من عمومه من لبس الخف على الطهارة ، وذلك في ثلاثة أيام أو يوم وليلة . فإن قيل : فقوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } الآية ، توجب إيقاف الحكم على شاهدين ، فإذا حكم بشاهد ويمين بخبر الواحد فقد رفع إيقاف الحكم فهو نسخ .

              قلنا : ليس كذلك ، فإن الآية لا تقتضي إلا كون الشاهدين حجة وجواز الحكم بقولهما ، أما امتناع الحكم بحجة أخرى فليس من الآية بل هو كالحكم بالإقرار ، وذكر حجة واحدة لا يمنع وجود حجة أخرى . وقولهم ظاهر [ ص: 96 ] الآية أن لا حجة سواه ، فليس هذا ظاهر منطوقه ولا حجة عندهم بالمفهوم ، ولو كان فرفع المفهوم رفع بعض مقتضى اللفظ وكل ذلك لو سلم استقرار المفهوم وثباته ، وقد ورد خبر الشاهد واليمين بعده وكل ذلك غير مسلم

              التالي السابق


              الخدمات العلمية