الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وسلس البول وسلس المذي حكمهما حكم المستحاضة فيما ذكرناه ، ومن به ناصور أو جرح يجري منه الدم حكمه حكم المستحاضة في غسل النجاسة عند كل فريضة ; لأنها نجاسة متصلة لعلة فهي كالاستحاضة ) .

التالي السابق


( الشرح ) : سلس البول هنا بكسر اللام ، وهي صفة للرجل الذي به هذا المرض ، وأما سلس بفتح اللام فاسم لنفس الخارج فالسلس بالكسر كالمستحاضة وبالفتح كالاستحاضة ، وأما الناصور كذا وقع هنا بالنون والصاد وهو صحيح وفيه ثلاث لغات إحداها هذه والثانية ناسور بالسين والثالثة باسور بالباء والسين ، وقد سبق إيضاحه في باب الاستطابة .

قال أصحابنا : حكم سلس البول ، وسلس المذي حكم المستحاضة في [ ص: 560 ] وجوب غسل النجاسة وحشو رأس الذكر والشد بخرقة والوضوء لكل فريضة والمبادرة بالفريضة بعد الوضوء ، وحكم الانقطاع وغير ذلك مما سبق وأما صاحب الناصور والجرح السائل فهما كالمستحاضة في وجوب غسل الدم لكل فريضة والشد على محله ، ولا يجب الوضوء في مسألة الجرح ، ولا في مسألة الناسور إلا أن يكون في داخل مقعدته بحيث ينقض الوضوء .

ثم هذا الذي ذكرناه إنما هو في السلس الذي هو عادة ومرض ، أما من خرج منه مذي بسبب حادث كنظر إلى امرأة وقبلتها فله حكم سائر الأحداث فيجب غسله ، والوضوء منه عند خروجه للفرض والنفل ; لأنه لا حرج فيه ، أم من استطلق سبيله فدام خروج البول والغائط والريح منه ، فحكمه حكم المستحاضة في كل ما ذكرناه ، اتفق عليه أصحابنا . أما من دام خروج المني منه فقال صاحب الحاوي والبحر عليه الاغتسال لكل فريضة قالا : قال الشافعي : وقل من يدوم به خروج المني ; لأن معه تلف النفس أما ذات دم الفساد وهي التي استمر بها دم غير متصل بالحيض في وقت لا يصلح للحيض كدم تراه من لها دون تسع سنين أو رأته حامل ، وقلنا : ليس هو بحيض أو رأته غيرهما في وقت لا يصلح للحيض بأن رأته قبل مضي خمسة عشر للطهر ففيها وجهان حكاهما صاحب الحاوي والبحر : ( أحدهما ) : أنها كالمستحاضة في جميع الأحكام السابقة .

قال : وهذا قول أبي إسحاق المروزي ; لأن دم الفساد ليس بأندر من المذي وقد جعلناه كالاستحاضة .

( والثاني ) : وهو قول ابن سريج : أنه حدث كسائر الأحداث فإذا خرج هذا الدم بعد صلاتها فريضة لم تصح النافلة بعدها ; لأن دم الفساد لا يدوم بخلاف الاستحاضة ، وإذا دام خرج عن كونه فاسدا وصار حيضا واستحاضة ، هذا كلام صاحب الحاوي والبحر ، والمشهور أنها كالمستحاضة والله أعلم .



( فرع ) قال أصحابنا : إذا تطهرت المستحاضة طهارتي الحدث والنجس على الوجه المشروط وصلت فلا إعادة عليها ، وكذا كل من ألحقناه بها من سلس البول والمذي ومن به حدث دائم وجرح سائل ونحوهم لا إعادة عليهم ، وقد سبقت هذه المسألة في آخر باب التيمم مع نظائرها .



( فرع ) قال البغوي : لو كان سلس البول بحيث لو صلى قائما [ ص: 561 ] سال بوله ولو صلى قاعدا استمسك فكيف يصلي ؟ فيه وجهان : ( أصحهما ) : قاعدا حفظا للطهارة ولا إعادة عليه على الوجهين ، وهذان الوجهان في فتاوى القاضي حسين ، قال القفال : يصلي قائما ، وقال القاضي حسين : يصلي قاعدا .



( فرع ) يجوز وطء المستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر ولا كراهة في ذلك وإن كان الدم جاريا ، هذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء ، وقد سبقت المسألة بدلائلها في أول الباب ولها قراءة القرآن ، وإذا توضأت استباحت مس المصحف وحمله وسجود التلاوة والشكر ، وعليها الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات التي على الطاهر ، ولا خلاف في شيء من هذا عندنا .

قال أصحابنا : وجامع القول في المستحاضة : أنه لا يثبت لها شيء من أحكام الحيض بلا خلاف ، ونقل ابن جرير الإجماع على أنها تقرأ القرآن وأن عليها جميع الفرائض التي على الطاهر ، وروى إبراهيم النخعي أنها لا تمس مصحفا ، ودليلنا القياس على الصلاة والقراءة والله أعلم .



( فرع ) في مسائل تتعلق بباب الحيض : ( إحداها ) : لا تكره مؤاكلة الحائض ومعاشرتها وقبلتها والاستمتاع بها فوق السرة وتحت الركبة ، ولا تمتنع من فعل شيء من الصنائع ولا من الطبخ والعجن والخبز وإدخال يدها في المائعات ، ولا يجتنب الزوج مضاجعتها إذا سترت ما بين السرة والركبة ، وسؤرها وعرقها طاهران ، وهذا كله متفق عليه ، وقد نقل ابن جرير إجماع المسلمين على هذا ودلائله في الأحاديث الصحيحة ظاهرة مشهورة ، وقد سبقت هذه المسألة في آخر باب ما يوجب الغسل .

وأما قول الله عز وجل : { فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن } فالمراد به اعتزال وطئهن ومنع قربان وطئهن لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : { اصنعوا كل شيء إلا النكاح } وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بمعناه مع الإجماع ، والله أعلم .



( الثانية ) : قال ابن جرير : أجمع العلماء على أن للحائض أن تخضب [ ص: 562 ] يدها بخضاب يبقى أثره في يدها بعد غسله ، وقد سبق إيضاح هذه المسألة مع أشياء كثيرة لها في آخر صفة الوضوء .



( الثالثة ) : الحرة والأمة في الحيض والنفاس سواء بخلاف العدة .



( الرابعة ) : علامة انقطاع الحيض ووجود الطهر أن ينقطع خروج الدم وخروج الصفرة والكدرة ، فإذا انقطع طهرت سواء خرجت بعده رطوبة بيضاء أم لا ، قال صاحب الشامل : الترية رطوبة خفية لا صفرة فيها ولا كدرة ، تكون في القطنة أثرا لا لونا ، قال : وهذا يكون بعد انقطاع الحيض ، وكذا قال البيهقي في السنن : الترية هي الشيء الخفي اليسير .

( قلت ) هي الترية بفتح التاء المثناة فوق وكسر الراء ثم ياء مثناة من تحت مشددة ، وقد سبق في أوائل الباب قول عائشة رضي الله عنها للنساء : " ولا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء " تريد بذلك الطهر وقدمنا معناه ، وقال أصحابنا : وإذا مضى زمن حيضها لزمها أن تغتسل في الحال لأول صلاة تدركها ، ولا يجوز لها بعد ذلك أن تترك صوما ولا صلاة ولا تمنع من الوطء ولا غير ذلك مما يثبت في حق الطاهر ولا تستطهر بشيء أصلا .

وقال مالك رحمه الله : تستطهر بثلاثة أيام ، دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم : { إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي } والله أعلم .



فصل في أشياء أنكرت على الغزالي رحمه الله في باب الحيض من الوسيط منها قوله : أما حكم الحيض فهو المنع من أربعة أمور : ( الأول ) : كل ما يفتقر إلى الطهارة ( الثاني ) : الاعتكاف ، ( الثالث ) : الصوم ، ( الرابع ) : الجماع ، وهذه العبارة يطلقها للحصر ، وليس حكم الحيض منحصرا في هذه الأربعة ، بل له أحكام أخر ، منها بطلان الطهارة وامتناع صحتها ، ووجوب الغسل عند انقطاعه ، إما بالانقطاع وإما بخروجه على الخلاف السابق في باب ما يوجب الغسل ، ومنها حصول الاستبراء والبلوغ به وتحريم الطلاق وسقوط فرض الصلاة ، وعدم انقطاع التتابع في صوم الكفارة والنذر ، ومنع وجوب طواف الوداع ، ومنها تحريم قراءة القرآن ومن ذلك قوله في حديث عائشة رضي الله عنها [ ص: 563 ] في أول الكتاب : { ونال مني ما ينال الرجل من امرأته إلا ما تحت الإزار } هذه الزيادة غير معروفة في كتب الحديث المعتمدة وهي موضع الاستدلال . وفي الصحيحين أحاديث تغني عنه . ومن ذلك قوله في آخر الباب الثاني فرعان : ( الأول ) المبتدأة إذا رأت خمسة سوادا ثم أطبق الدم على لون واحد ، ففي الشهر الثاني نحيضها خمسة ; لأن التمييز أثبت لها عادة .

هذه العبارة توهم خلاف الصواب ، فمراده أنها رأت خمسة سوادا ثم أطبقت الحمرة إلى آخر الشهر ثم رأت الشهر الثاني سوادا مستمرا فترد في الشهر الثاني إلى الخمسة وتثبت العادة في التمييز بمرة على اختياره ، وقد سبقت المسألة موضحة في فصل المميزة .

أما إذا رأت خمسة سوادا ثم أطبقت الحمرة فإن حيضها خمسة السواد ويكون ما بعده من الحمرة طهرا ، وإن استمرت سنة وأكثر كما سبق ، ومن ذلك قوله : لقول حمنة بنت جحش " كنا لا نعتد بالصفرة " والمعروف في صحيح البخاري وغيره أن هذا من كلام أم عطية ، ومن ذلك قوله في المتحيرة : ترد إلى أول الأهلة فإنها مبادئ أحكام الشرع ، هذا مما أنكروه عليه ، فإن أحكام الشرع ليست مختصة بأوائل الأهلة . ومن ذلك قوله : إنها مأمورة بالاحتياط والأخذ بأسوأ الاحتمالات في أمور .

( الثالث ) : الاعتداد بثلاثة أشهر ، هذا ما أنكروه عليه ، فإن الاعتداد بثلاثة أشهر ليس من أسوأ الاحتمالات ، بل الأسوأ صبرها إلى سن اليأس ، وهو وجه حكاه هو في كتاب العدة كما بيناه ، ومن ذلك قوله : لأن الانقطاع في صلاة لا تفسد ما مضى ، كان ينبغي أن يقول : لأن الطرآن ، ويمكن تكلف وجه لما ذكره . ومن ذلك قوله في أول الباب الرابع في الصورة الثالثة ثم بعده إلى آخر التاسع والعشرين يحتمل الحيض ، هكذا وقع في البسيط والوسيط ، وهو غلط ، وصوابه إلى قبيل آخر جزء من الثلاثين .

ومن ذلك قوله إذا قالت أضللت خمسة في شهر فإذا جاء شهر رمضان تصومه كله ثم تقضي خمسة هكذا قال وكذا قاله الفوراني وكأن الغزالي أخذه من كتاب الفوراني على عادته وهو غلط ، وصوابه تقضي ستة لاحتمال الطرآن في وسط النهار بناء [ ص: 564 ] على طريقته ، وطريقة جمهور المتأخرين أنه يفسد على المتحيرة من رمضان ستة عشر يوما .

ومن ذلك قوله في باب التلفيق : لو حاضت عشرا وطهرت خمس سنين فدورها تسعون يوما ; لأنه اكتفى به في عدة الآيسة ، فلو تصور أن يزيد الدور عليه لما اكتفى به ، هذا مما أنكروه عليه ، وكيف يقال : لا تتصور الزيادة عليه ، وهو متصور يدرك بالعقل والنقل ، وإنما اكتفى به ; لأنه الغالب ، ونحن لا نكتفي في المتحيرة بالغالب .

ومن ذلك قوله في المستحاضة الثانية المبتدأة : إذا رأت يوما دما ويوما نقاء وصامت إلى خمسة عشر وجاوز دمها ، وفي مردها قولان ، فإن ردت إلى يوم وليلة فحيضها يوم وليلة ثم لا يلزمها إلا قضاء تسعة أيام ; لأنها صامت سبعة في أيام النقاء ، ولولا ذلك النقاء لما لزمها إلا ستة عشر ، فإذا احتسبنا سبعة منها بقي تسعة هذا مما أنكروا عليه فيه أشياء .

قوله : تسعة في الموضعين ، وصوابه ثمانية ، وقوله : ستة عشر ، وصوابه خمسة عشر ، فإنها صامت سبعة فالذي بقي ثمانية ، فإن الطرآن وسط النهار لا يتصور هنا وقد ذكر المسألة على الصواب صاحب التهذيب وغيره .

ومن ذلك قوله في المستحاضة الرابعة الناسية ، في المتحيرة التي تقطع دمها يوما ويوما أنها على قول السحب إذا أمرناها بالاحتياط حكمها حكم من أطبق الدم عليها وإنما تفارقها في أنا لا نأمرها بتجديد الوضوء في وقت النقاء ، ولا بتجديد الغسل .

هذا مما أنكروه عليه ، فإنه يوهم أن المتحيرة عند إطباق الدم مأمورة بتجديد الوضوء ، فإن هذه تفارقها في ذلك ، وليست المتحيرة مأمورة بتجديد الوضوء وإنما تؤمر بتجديد الغسل ; فكان ينبغي أن يقول : تفارقها في الأمر بتجديد الغسل ، وكذلك لا تؤمر بتجديد الوضوء ومن ذلك قوله في آخر باب النفاس : إذا انقطع دم النفساء فرأت دما ، ثم انقطع خمسة عشر ثم عاد ، فالعائد حيض أو نفاس ؟ فيه وجهان ، فإذا قلنا : نفاس ورأينا ترك التلفيق فالأشهر أن مدة النقاء حيض ، وصوابه نفاس كذا قال هنا وفي البسيط ، وكذا قال شيخه في النهاية : الأشهر أن مدة النقاء حيض وصوابه نفاس . وقد سبق إيضاح هذه المسألة وغيرها مما ذكرناه في مواضعها والله أعلم بالصواب وله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث