الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 71 ] ( وعفي عما يعسر ) الاحتراز عنه من النجاسات وهذه قاعدة كلية ولما كان استخراج الجزئيات من الكليات قد يخفى على بعض الأذهان ذكر لها جزئيات للإيضاح فقال ( كحدث ) بولا أو مذيا أو غيرهما ( مستنكح ) بكسر الكاف أي ملازم كثيرا بأن يأتي كل يوم ولو مرة فيعفى عما أصاب منه ويباح دخول المسجد به ما لم يخش تلطخه فيمنع ( و ) ك ( بلل باسور ) بموحدة حصل ( في يد ) فلا يلزم غسلها منه ( إن كثر الرد ) بها بأن يزيد على المرة في كل يوم ويظهر أن يكون ثلاث مرات إذ لا مشقة في غسل اليد إلا بالكثرة ومثل اليد الثوب الذي يرد به أي الخرقة ( أو ) في ( ثوب ) أو بدن وإن لم يكثر الرد بأن يأتي كل يوم مرة فأكثر ( و ) ك ( ثوب مرضعة ) أو جسدها أما أو غيرها إن احتاجت أو لم يوجد غيرها أو لم يقبل الولد سواها [ ص: 72 ] ( تجتهد ) في درء البول أو الغائط بأن تنحيه عنها حال بوله أو تجعل له خرقا تمنع وصوله لها ، فإذا أصابها شيء بعد التحفظ عفي عنه لا إن لم تتحفظ ومثلها الكناف والجزار ( وندب لها ) أي للمرضع وكذا من ألحق بها ( ثوب للصلاة ) لا لذي سلس ودمل ونحوهما لاتصال عذرهم نعم يندب لهم إعداد خرقة لدرء ذلك ( و ) ك ( دون ) مساحة ( درهم ) بغلي وهي الدائرة التي تكون في ذراع البغل ( من ) عين أو أثر دم ( مطلقا ) منه أو من غيره ولو دم حيض أو خنزير في ثوب أو بدن أو مكان ومفهومه أن ما كان قدر الدرهم لا يعفى عنه وهو ضعيف والمعتمد العفو [ ص: 73 ] لا ما فوق الدرهم ولو أثرا

التالي السابق


( قوله : وعفي عما يعسر ) أي عما يشق الانفكاك منه والتباعد عنه ( قوله : : كحدث إلخ ) المراد بالحدث الجنس فيشمل سائرها ولم يقل كأحداث مستنكحة لئلا يتوهم أن العفو مقصور على حصول جمع من الأحداث ( قوله : أو غيرهما ) أي كغائط ومني وفي الذخيرة فرع إذا عفي عن الأحداث في حق صاحبها عفي عنها في حق غيره لسقوط اعتبارها شرعا وقيل لا يعفى عنها في حق غيره ; لأن سبب العفو الضرورة ولم توجد في حق الغير وثمرة الخلاف تظهر في جواز صلاة صاحبها إماما بغيره وعدم الجواز فعلى الأول تجوز وتكره على الثاني ، وإنما لم يقل بالبطلان على الثاني ; لأن صاحب السلس صلاته صحيحة للعفو عن النجاسة في حقه وصحت صلاة من ائتم به ; لأن صلاته مرتبطة بصلاته وصلاته صحيحة فالمرتبطة بها كذلك ( قوله : أي ملازم كثيرا ) تفسير باللازم ; لأن المستنكح معناه القاهر للشخص ومعلوم أنه لا يكون قاهرا للشخص إلا إذا لازمه كثيرا ( قوله : فيعفى عما أصاب منه ) أي ولا يجب غسله ولا يسن وقوله فيعفى عما أصاب منه أي الثوب أو البدن .

وأما المكان فقال ح لم يذكروه والظاهر أن يقال : إن أصابه في غير الصلاة فظاهر أنه لا عفو ; لأنه يمكن أن يتحول منه إلى مكان طاهر وإن أصابه وهو في صلاته فهو من جملة ما هو ملابس له ويعسر الاحتراز منه ا هـ بن وقوله فيعفى عما أصاب منه أي وأما كونه ينقض الوضوء أو لا فشيء آخر له محل يخصه يأتي في نواقض الوضوء وحاصله أنه إن لازم كل الزمن أو جله أو نصفه فلا ينقض وإن لازم أقل الزمن نقض مع العفو عما أصاب منه وإنما عفي عما أصاب من الحدث اللازم مطلقا وفصل في نقضه الوضوء ; لأن ما هنا من باب الأخباث وذاك من باب الأحداث والأخباث أسهل من الأحداث .

( قوله : : باسور ) جمعه بواسير والمراد الباسور النابت في داخل مخرج الغائط بحيث يخرج منه وعليه بلولة ونجاسة فيرده بيده أو غيرها كخرقة إلى محله فتتلوث يده من البلولة التي عليه أو من النجاسة الخارجة معه فيعفى عما أصاب اليد أو الخرقة من ذلك الخارج إن كثر الرد فلا مفهوم للبلل في كلام المصنف ولا لليد ( قوله : : إن كثر الرد ) أي سواء اضطر لرده أم لا ; لأن الغالب اضطراره لرده كما في ح وفي عبق الظاهر أن خروج الصرم كالباسور فيعفى عما أصاب اليد من النجاسة الخارجة معه إن كثر الرد قياسا للصرم على الباسور بل قرر شيخنا أن مثل الباسور أثر الدمل ونحوه ( قوله : أن يكون ) أي ذلك الزائد على المرة ( قوله : ومثل اليد ) أي في اعتبار كثرة الرد في العفو عما أصابها الخرقة المتخذة للرد بها كالمنديل فلا يعفى عما أصابها إذا رد بها إلا إذا كثر الرد ( قوله : : أو في ثوب ) أي أو حصل بلل الباسور في ثوب أو بدن ، فإنه يعفى عنه ( قوله : وإن لم يكثر الرد ) أي بالثوب أو البدن وذلك لمشقة غسلهما بخلاف غسل اليد ، فإنه لا مشقة فيه إلا بالكثرة ( قوله : : وكثوب مرضعة أو جسدها ) أي لا مكانها فلا يعفى عما أصابه إن أمكنها التحول عنه ( قوله : إن احتاجت ) أي غير الأم للرضاع لفقرها وهذا قيد للعفو عن ثوب المرضعة إذا كانت غير أم فلا يعفى عما .

[ ص: 72 ] أصابها عند عدمه ; لأن سبب العفو الضرورة خلافا للمشذالي انظر شب ( قوله : تجتهد ) الجملة صفة لمرضعة لا حال ; لأن مرضعة نكرة بلا مسوغ ومضاف إليه ولم يوجد شرط مجيئها منه ( قوله : بأن تنحيه ) أي الولد وقوله تمنع وصوله أي البول أو الغائط وأفرد الضمير ; لأن العطف بأو ( قوله : فإذا أصابها شيء ) أي من بوله أو غائطه ( قوله : عفي عنه ) غاية الأمر أنه يندب لها غسله إن تفاحش ولا يجب عليها غسل ما أصابها من بوله أو عذرته ، ولو رأته كما يفهم من التوضيح وابن عبد السلام وابن هارون وصاحب الجواهر وابن ناجي خلافا لقول ابن فرحون ما رأته لا بد من غسلها له ولا يجب عليها النضح عند الشك في الإصابة والحاصل أنه لولا العفو لوجب عليها النضح عند الشك والغسل عند التحقق فالعفو أسقط هذين الحكمين ، نعم يندب لها الغسل إن تفاحش انظر بن ( قوله : ومثلها الكناف ) أي الذي ينزح الكنف والجزار الذي يذبح الحيوان فيعفى عما أصابهما بعد التحفظ لا إن لم يتحفظا فلا عفو ويجب عليهما الغسل عند تحقق الإصابة أو ظنها والنضح عند الشك ( قوله : : وكذا من ألحق بها ) أي من الكناف والجزار ( قوله : لاتصال عذرهم ) أي لعدم ضبطه فلا يمكنهم التحفظ من خروج النجاسة حتى في الصلاة فلا فائدة في إعدادهم الثوب بخلاف المرضعة ومن ألحق بها وإنما لم يوجبوا للمرضعة إعداد الثوب ; لأن إصابة النجاسة لها أمر يتكرر فأشبه حالها حال المستنكح ولخفة أمر إزالة النجاسة ( قوله : لدرء ذلك ) أي لدفع النازل من ذلك السلس والدمل ( قوله : ودون درهم ) أي ولو كان مخلوطا بمائع حيث كان بالمائع دون درهم .

وأما لو صار دون الدرهم بالمائع أكثر من مساحة الدرهم فلا عفو وأشار الشارح بقوله " مساحة " إلى أن المعتبر المساحة لا الكمية فإذا كان دون مساحة الدرهم فالعفو ولو كان الدم قدر الدرهم أو أكثر في الكمية وذلك كنقطة من الدم ثخينة قال بن واعلم أن هنا قولين أحدهما قول أهل العراق يعفى عن يسير الدم في الصلاة وخارجها فهو مغتفر مطلقا في جميع الحالات ، والثاني للمدونة وهو أن اغتفاره مقصور على الصلاة فلا تقطع لأجله إذا ذكره فيها ولا يعيد .

وأما إذا رآه خارج الصلاة ، فإنه يؤمر بغسله ثم اختلفوا في قولها يؤمر بغسله خارج الصلاة فحملها ابن هارون والمصنف في التوضيح على الاستحباب وحملها عياض وأبو الحسن وابن عبد السلام على الوجوب والظاهر أن المصنف جرى هنا على مذهب العراقيين لقول ابن عبد السلام أنه أظهر ولما في ح عن سند مما يقتضي أنه ظاهر المذهب وقرره عج وح بمذهب المدونة لكن اقتصروا على أن الأمر فيها للاستحباب تبعا للمصنف في التوضيح وابن هارون ( قوله : وهو ضعيف ) اعلم أن المسألة فيها ثلاث طرق الأولى طريقة ابن سابق وهي أن ما دون الدرهم يعفى عنه اتفاقا وما فوقه لا يعفى عنه اتفاقا وفي الدرهم روايتان والمشهور عدم العفو ، والثانية لابن بشير [ ص: 73 ] ما دون الدرهم يعفى عنه على المشهور والدرهم وما فوقه لا يعفى عنه اتفاقا ; لأنه يقول اليسير قدر رأس الخنصر والدرهم كثير ، والثالثة ما رواه ابن زياد وقاله ابن عبد الحكم واقتصر عليه في الإرشاد أن الدرهم من حيز اليسير وهذا هو الراجح وهذا كله من دم غير أثر دمل ، وأما أثره فيعفى عنه مطلقا قل أو كثر إذا لم ينك ، فإن نكى عفي عما قل فقط كما يأتي ( قوله : لا ما فوق الدرهم ولو أثرا ) أي خلافا للباجي القائل : إن الأثر معفو عنه مطلقا ولو فوق درهم فهو قول ضعيف .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث