الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( فإن باع منه ما فيه نداوة يسيرة بمثله كالتمر الحديث بعضه ببعض جاز بلا خلاف ، لأن ذلك لا يظهر في الكيل ، وإن كان مما يوزن كاللحم لم يجز لأنه يظهر في الوزن ) .

التالي السابق


( الشرح ) مقصود المصنف الكلام على ما يمنع بيع رطبه برطبه أو بيابسه من الأشياء المتقدمة إذا وصل إلى حالة اليبس هل يشترط تناهي اليبس أو يكتفى بما دون ذلك ؟ وما الضابط فيه ؟ وقد فرق في ذلك بين المكيل والموزون . وذلك مأخوذ من كلام الشافعي رضي الله عنه . قال الشافعي في الأم في باب بيع الآجال : ولا خير في التمر بالتمر حتى يكون ينتهي يبسه وإن انتهى يبسه إلا أن بعضه أشد انتفاخا من بعض فلا يضره إذا انتهى يبسه كيلا بكيل . وقال : فبين الشافعي أنه لا بد من انتهاء اليبس ، وقال في باب ما جاء في بيع اللحم : فإن قال قائل : فهل يختلف الوزن والكيل فيما بيع يابسا ؟ قيل : يجتمعان ويختلفان ( فإن قيل ) قد عرفنا حيث يجتمعان فأين يختلفان ؟ ( قيل ) التمر إذا وقع عليه اسم اليبس ، ولم يبلغ أناه يبسه فبيع كيلا بكيل لم ينقص في الكيل شيئا ، وإذا ترك زمانا نقص في الوزن لأن الجفوف كلما زاد فيه كان أنقص لوزنه حتى يتناهى قال : وما بيع وزنا فإنما قلت في اللحم لا يباع حتى يتناهى جفوفه لأنه قد يدخله اللحم [ ص: 330 ] باللحم متفاضل الوزن أو مجهولا . وإن كان ببلاد ندية فكان إذا يبس ثم أصابه الندى رطب حتى يثقل لم يبع وزنا بوزن رطبا من ندى حتى يعود إلى الجفوف ، وحاله إذا حدث الندى فزاد في وزنه كحاله الأولى ولا يجوز أن يباع حتى يتناهى جفوفه كما لم يجز في الابتداء ا هـ .

وقد ذكر الشيخ أبو حامد وأبو الطيب والماوردي وغيرهم الفرق الذي ذكره الشافعي رحمه الله هذا ، وفرقا آخر للأصحاب أن التمر وإن كان فيه رطوبة فهو إذا ترك على ما هو عليه وادخر على حاله لم يضره ذلك . واللحم إذا كان فيه نداوة فادخر على حالته عفن وفسد ، وفسر الشافعي في الأم انتهاء جفاف اللحم بأن يملح ويسيل ماؤه فذلك انتهاء جفافه ولا يحصل من هذا اللفظ كمال المقصود في البيان والذي نحكيه عن الأصحاب أصرح ، وقد اتفق الأصحاب على الحكمين اللذين ذكرهما المصنف . وقال الروياني في البحر : لو باع التمر الحديث بالتمر العتيق ، قال بعض أصحابنا : يجوز لأن النقصان يسير فيعفى كقليل التراب في المكيل قال : وهذا لا يصح والتحقيق أنه ينظر فإن كان إذا جف تاما ينقص وزنه ولا يتقلص حبه ولا يظهر في الكيل فيجوز لأنه لا اعتبار بالوزن فيه ، وإن كان يتقلص حبه ويظهر ذلك في الكيل فلا يجوز .

( قلت ) وهذا التفصيل متعين وهو مراد من أطلق المسألة وليس ذلك خلافا والله أعلم .

لذلك شبهوه بالتراب والتراب لو كان كثيرا بحيث يوجب التفاوت في البيع منع والله أعلم .

ومن صرح بهذا التفصيل صاحب التتمة والرافعي . قال صاحب التتمة : إن كان بحيث إذا طرح في الشمس تنقص حبته لا يصح ، وإن كان لا تنقص حبته وإنما ينقص وزنه فيصح ، وكذلك صرح بمسألة . اللحم وأنه يشترط تناهي جفافه كما ذكره الشافعي والأصحاب والقاضي في كتاب الإرشاد صرح أيضا بأن التمر الحديث إذا لم يبلغ النهاية في الضمورة لا يجوز بيعه بالعتيق وفي معنى التمر كل مكيل كالحنطة وغيرها ، وقد أطلق الرافعي في بيعها أنه [ ص: 331 ] يشترط تناهي جفافها ، وأن التي لم يتم تناهي جفافها وإن فركت وأخرجت من السنابل لا يجوز بيع بعضها ببعض وينبغي أن يحمل ذلك على ما إذا كان فيها من البلل ما يوجب التفاوت في الكيل إذا جففت أما إذا فرض نداوة يسيرة لا يظهر بسببها أثر في الكيل فيجوز كالتمر إذ لا فرق بينهما وبمقتضى الأصل الذي قرره الشافعي قريبا من الفرق بين المكيل والموزون في ذلك . قال صاحب التهذيب : يجوز بيع الحديث بالعتيق ، لأن العتاقة بعد حصول الجفاف إن أثرت إنما تؤثر في خفة الوزن لا في تصغير الحبة فلا يظهر ذلك في الكيل ، فإن كان في الحديث نداوة لو زالت لظهر ذلك في الكيل لم يجز . فلا يعتقدون في المسألة خلافا كما أشعر به كلام الروياني بل المفصلون والمطلقون كلامهم منزل على شيء واحد والله أعلم .

ودل كلام الشافعي المتقدم على أن النداوة المانعة من بيع اللحم بعضه ببعض لا فرق بين أن تكون قبل جفافه أو طارئة عليه بعد جفافه لعارض ، والأمر كذلك بلا خلاف بين أصحابنا فإنه إذا كان يابسا فحمل إلى مكان ندي فتندى صار كالطعام المبلول ، فيمتنع بيع بعضه ببعض ، وممن صرح به الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب .



( فرع ) مذهبنا ومذهب مالك ومحمد بن الحسن والليث بن سعد أنه لا يجوز بيع الحنطة المبلولة باليابسة لا خلاف عندنا في ذلك ، سواء طرأ البلل عليها أو كانت رطبة من الأصل ، وهي الفريك ، وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله يجوز مطلقا ، وفصل محمد رحمه الله ، وقد تقدم تفصيله عند بيع الرطب بالتمر ، ثم إذا جفت بعد البل قال الرافعي : لم يجز أيضا لتفاوت قمحها حالة الجفاف ، وفي كلام القاضي أبي الطيب قال : لا يجوز بيعها حتى تجف ، وهذا يوهم أنه يصح بعد الجفاف ، فلعل مراده بالبلل الرطوبة الأصلية ، فيصح أن يقال : إن البيع معبأ بالجفاف ، وأما البلل الطارئ [ ص: 332 ] فقد جزم الرافعي بالمنع وإن جفت كما عرفت وقال الإمام : لو بلت الحنطة فنحي منها قشرها بالدق والتهريش وهي الكشك قال الأئمة : هي الدقيق فإنها تفسد على القرب ولو بلت ثم جفت ولم تهرش فإنها تصح في جفافها على تفاوت يفضي إلى الجهل بالمماثلة ، قيل : وإن كان كذلك فالوجه المنع في الجاورش إذا نحتت منه القشرة . انتهى كلام الإمام .

( فرع ) إذا انتهى يبس التمر وكان بعضه أشد انتفاخا من بعض لم يضر نص عليه الشافعي في باب بيع الآجال من الأم . فائدة : الحديث هو الجديد من الأشياء . قاله ابن سيده .

( فرع ) قال الرافعي : إذا منع بمجرد البل بيع بعض الحنطة ببعض فالتي نحتت قشرتها بعد البل بالتهريش أولى بأن لا يباع بعضها ببعض ، قال الإمام : وفي الجاورش عندي احتمال إذا نحتت قشرتها . واعلم أن المصنف رحمه الله اقتصر في هذا الفصل على حكم بيع اللحم الطري ما فيه نداوة ، وأما إذا تناهى جفافه فنذكره من بعد قبل آخر الباب بفصل والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث