الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
117 [ ص: 333 ] حديث خامس عشر لابن شهاب عن عروة .

مالك ، عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن أم سليم قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل أتغتسل ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم ، فلتغتسل " فقالت لها عائشة : أف لك ، وهل ترى ذلك المرأة ؟ ! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : تربت يمينك ، ومن أين يكون الشبه .

التالي السابق


هكذا هذا الحديث في الموطإ عن عروة أن أم سليم ، وقال فيه ابن أبي أويس : عن مالك ( عن أبي شهاب عن عروة ، عن أم سليم .

وكل من روى هذا الحديث عن مالك ) لم يذكر فيه عن عائشة فيما علمت إلا ابن أبي الوزير ، وعبد الله بن نافع أيضا ؛ فإنهما روياه عن مالك ، عن عروة عن عائشة .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن عبيد ، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثنا المقدمي ، قال : حدثنا ابن أبي الوزير ، قال : حدثنا مالك ، عن الزهري عن عروة عن عائشة أن أم سليم قالت : يا رسول الله ، المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل ، وذكر الحديث .

[ ص: 334 ] وأخبرنا خلف بن القاسم ، وعلي بن إبراهيم قالا : حدثنا الحسن بن رشيق ، قال : حدثنا العباس بن محمد ، قال : حدثنا أحمد بن صالح ، قال : قرأت على عبد الله بن نافع عن مالك ، عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أن أم سليم قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل أتغتسل ؟ فقال لها : نعم فلتغتسل وذكر الحديث .

وقال الدارقطني : تابع ابن أبي الوزير على إسناد هذا الحديث عن مالك ، حباب بن جبلة ، وعبد الملك بن عبد العزيز الماجشون ، ومعن بن عيسى فيما ذكره ابن رشيدين في غرائب حديث مالك عن عبد الرحمن بن يعقوب بن أبي عباد عن معن .

ولم يذكر الدارقطني ، ابن نافع ، ورواية عبد الأعلى الشامي هذا الحديث عن معمر كرواية يحيى ، وجمهور رواة الموطإ ( له ) عن مالك ، عن ابن شهاب عن عروة لم يذكروا عائشة ، ورواه عبد الرزاق عن معمر ، عن الزهري ( عن عائشة ، ولم يذكر عروة ، ورواه يونس ، وعقيل ، وصالح بن أبي الأخضر ) ، والزبيدي ، وابن أخي [ ص: 335 ] الزهري كلهم عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ( والحديث عند أهل العلم بالحديث صحيح لابن شهاب عن عروة عن عائشة ) قال أبو داود : وقد تابع ابن شهاب على قوله عن عروة عن عائشة مسافع الحجبي فرواه أيضا عن عروة عن عائشة .

قال أبو عمر : كذا روى مسافع الحجبي عن عروة عن عائشة إلا أنه خالف في لفظه ، وقال فيه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه أخواله ، وإذا علا ماء الرجل أشبهه ولده .

وهذا اللفظ في حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم في " علا ماء الرجل " ، و " علا ماء المرأة " إلا أن المعنى المذكور فيما يوجب الشبه مخالف لما في هذه الأحاديث .

وحديث ثوبان رواه معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام الحبشي ، يقول حدثني أبو أسماء الرحبي أن ثوبان مولى النبي عليه السلام حدثه أن حبرا من أحبار يهود قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أسألك عن الولد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ماء الرجل أبيض ، وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا ، وعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله ، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله فقال اليهودي : صدقت ، ثم انصرف فذهب ، وذكر تمام الحديث .

[ ص: 336 ] وقد روي في حديث أم سلمة مراعاة سبق المني ، لا مراعاة علوه في معنى الشبه لا الإذكار ، ولا الإيناث .

ذكر ابن وهب ، قال : أخبرني ابن أبي ذئيب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة أن أم سليم امرأة أبي طلحة قالت : يا رسول الله ، هل على المرأة ترى زوجها في المنام يقع عليها غسل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأت بللا فقالت أم سلمة : يا رسول الله ، وتفعل ذلك المرأة ، فقال : ترب جبينك ، وأنى يكون شبه الخئولة إلا من ذلك ؟ ! أي النطفتين سبق إلى الرحم غلب على الشبه .

وكذلك رواه أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أم سلمة ، عن أم سلمة فذكر فيه سبق النطفة إلا أنه قال فيه : ( قالت أم سلمة ، وغطت وجهها : أو تفعله المرأة ؟ ! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : تربت يداك فبم يشبهها ولدها .

قال أبو عمر : الإسناد في ذكر سبق النطفة أثبت ، والله أعلم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال أبو عمر :

أما هشام بن عروة فرواه عن أبيه ، عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أن أم سليم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث مالك وغيره عن هشام قال محمد بن يحيى : وهما حديثان عندنا .

[ ص: 337 ] قال أبو عمر :

أكثر رواة هذا الحديث عن ابن شهاب يقولون فيه : نعم ، إذا وجدت الماء ، وكذلك في حديث أم سلمة ، وأنس في قصة أم سليم هذه ، وكذلك روته خولة بنت حكيم عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وفي إجماع العلماء على أن المحتلم رجلا كان أو امرأة إذا لم ينزل ولم يجد بللا ، ولا أثرا للإنزال أنه لا غسل عليه ، وإن رأى الوطء والجماع الصحيح في نومه ، وأنه إذا أنزل فعليه الغسل ، امرأة كان أو رجلا ، وأن الغسل لا يجب في الاحتلام إلا بالإنزال ما يغني عن كل تأويل وتفسير ، وبالله التوفيق .

وقد روي من أخبار الآحاد ما يوافق الإجماع ، ويرفع الإشكال ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا حماد بن خالد الخياط ، قال : حدثنا عبد الله العمري ، عن عبيد الله ، عن القاسم عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ، ولا يذكر احتلاما قال : يغتسل ، وعن الرجل يرى قد احتلم ، ولا يجد البلل قال : لا يغتسل ، فقالت أم سليم : المرأة ترى ذلك عليها الغسل ؟ قال : نعم إنما النساء شقايق الرجال .

وحدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، عن سعيد [ ص: 338 ] بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس : أن أم سليم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأت ذلك فأنزلت فعليها الغسل ، فقالت أم سلمة : كيف هذا يا رسول الله ؟ قال : نعم ، ماء الرجل غليظ أبيض ، وماء المرأة رقيق أصفر ، فأيهما سبق وعلا أشبه الولد ، وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه نساء ذلك الزمان من الاهتمام بأمر دينهم ، والسؤال عنه ، وهذا يلزم كل مؤمن ومؤمنة إذا جهل شيئا من دينه أن يسأل عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاء العي السؤال .

وقالت عائشة : رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يسألن عن أمر دينهن .

وأم سليم من فاضلات نساء الأنصار ، وقد ذكرناها في كتابنا في الصحابة فأغنى عن ذكرها ههنا .

وكل امرأة عليها فرضا أن تسأل عن حكم حيضتها ، وغسلها ، ووضوئها ، وما لا غناء بها ( عنه ) من أمر دينها ، وهي والرجل فيما يلزمها من فرائضهما سواء ، وفيه أيضا دليل على أن ليس كل النساء يحتلمن ، ولهذا ما أنكرت عائشة وأم سلمة سؤال أم سليم ، وقد يوجد عدم الاحتلام في بعض الرجال إلا أن ذلك في النساء أوجد وأكثر منه في الرجال ، وقد قيل : إن [ ص: 339 ] إنكار عائشة لذلك إنما كان لصغر سنها ، وكونها مع زوجها فلذلك لم تعرف الاحتلام ; لأن الاحتلام لا تعرفه النساء ، ولا أكثر الرجال إلا عند عدم الجماع بعد المعرفة ( به ) فإذا فقد النساء أزواجهن ربما احتلمن ، والوجه الأول عندي أصح ; لأن أم سلمة قد فقدت زوجها ، وكانت كبيرة عالمة بذلك فأنكرت منه ما أنكرت عائشة على ما مضى في حديث قتادة عن أنس في هذا الباب ، وإذا كان في الرجال من لا يحتلم فالنساء أحرى بذلك ، والله أعلم .

وفيه جواز الإنكار ، والدعاء بالسوء على المعترض فيما لا علم له به ، وفيه أن الشبه في بني آدم إنما يكون من غلبة الماء ، وسبقه ، ونزوله ، والله أعلم .

ومن ههنا قالوا : إذا غلب ماء المرأة أشبه الرجل أخواله وأمه ، وإن غلب ماء الرجل أشبه الولد أباه ، وأعمامه ، وأجداده ، وأما قوله في الحديث أف لك ، فقال أبو عبيدة : تجر ، وترفع ، وتنصب بغير تنوين ، وهو ما غلظ من الكلام ، وقبح ، وقال غيره : يجوز صرفها ( وترك صرفها ) ، ومعناها أن تقال جوابا لما يستثقل من الكلام ، ويضجر منه قال : والأف ، والتف بمعنى واحد ، وقال غيره الأف وسخ الأذن ، والتف وسخ الأظفار .

[ ص: 340 ] وأما قوله : تربت يمينك ففيه قولان : أحدهما أن يكون أراد استغنت يمينك كأنه تعرض لها بالجهل لما أنكرت ، وأنها كانت تحتاج أن تسأل عن ذلك ، فكأنه خاطبها بالضد تنبيها كما تقول لمن كف عن السؤال عما لا يعلم ، أما أنت فاستغنيت عن أن تسأل ; أي لو أنصفت نفسك ونصحتها لسألت ، وقال غيره : ( هو ) كما يقال للشاعر إذا أجاد قاتله الله وأخزاه لقد أجاد ، ومنه قوله : ويل أمه ( مسعر حرب ) ، وهو يريد مدحه ، وهذا كله عند من قال هذا القول فرارا من الدعاء على عائشة ، وأن ذلك عنده غير ممكن من النبي صلى الله عليه وسلم .

وأنكر أكثر أهل العلم باللغة ، والمعاني أن تكون هذه اللفظة بمعنى الاستغناء ، وقالوا : لو كان بمعنى الاستغناء لكانت أتربت يمينك ; لأن الفعل منه رباعي تقول أترب الرجل إذا استغنى ، وترب إذا افتقر ، وقالوا : معنى هذا افتقرت يمينك من العلم بما سألت عنه أم سليم ، ونحو هذا .

قال أبو عمر :

أما تربت يمينك فمن دعاء العرب بعضهم على بعض معلوم ، مثل : قاتله الله ، وهوت أمه ، وثكلتك أمك ، وعقرى حلقى ، ونحو ذلك ، وأما الشبه ففيه لغتان إحداهما كسر الشين وتسكين الباء ، والثانية فتح الشين والباء جميعا ; مثل المثل ، والمثل ، والقتب والقتب .




الخدمات العلمية