الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في بيان أسباب الحجر وأحكامه

ثم ذكر السبب السادس للحجر وهو الزوجية وعقبه بالخامس لمشاركتهما في أن الحجر فيهما فيما زاد على الثلث من أنواع التبرعات فقال ( و ) حجر ( على الزوجة ) الحرة الرشيدة بدليل ما قدمه من حجر السيد على رقيقه والولي على السفيه ( لزوجها ) البالغ الرشيد أو ولي السفيه ( ولو ) كان الزوج ( عبدا ) [ ص: 308 ] لأن الغرض من مالها التجمل به والزوج ولو عبدا له حق في التجمل من مالها دون سيده ( في تبرع زاد على ثلثها ) ولو بعتق حلفت به وحنثت فله رده ولا يعتق منه شيء ( وإن ) كان تبرعها حاصلا ( بكفالة ) أي ضمان منها لأجنبي لا لزوجها فيلزمها ; لأنه لا يحجر على نفسه لنفسه فإن قالت أكرهني لم تصدق وهذا في غير ضمان الوجه والطلب فله منعها مطلقا بلغت الثلث أو لا ( وفي ) جواز ( إقراضها ) أي دفعها مالا قرضا لأجنبي يزيد على ثلثها بغير إذن زوجها لرده لها فهو كبيعها أو منعه ; لأنه معروف كالهبة ولأنها قد تخرج لمطالبتها به ( قولان ) الأظهر الأول وأما دفعها مالا قراضا لعامل فليس فيه قولان ; لأنه من التجارة ( وهو ) أي تبرعها بزائد الثلث ( جائز ) أي ماض ( حتى يرد ) أي حتى يرد الزوج جميعه أو ما شاء منه على المشهور ومقابله مردود حتى يجيزه ( فمضى ) جميع ما تبرعت به ( إن لم يعلم ) الزوج بتبرعها ( حتى تأيمت ) بطلاق وأولى إن علم وسكت ( أو مات أحدهما ) ولو قال أو ماتت لكفى دخول موته تحت تأيمت ( كعتق العبد ) رقيقه ولم يعلم سيده حتى أعتقه فيمضي إذا لم يستثن ماله ( و ) كتبرع مدين بشيء قبل ( وفاء الدين ) ولو يعلم غريمه به حتى وفى دينه فتبرعه ماض ليس للغريم رده ( وله ) أي للزوج ( رد الجميع إن تبرعت بزائد ) على ثلثها وله إمضاؤه وله رد الزائد فقط إلا أن يكون تبرعها بعتق لشخص واحد فليس له إلا [ ص: 309 ] رد الجميع أو إجازته لا رد الزائد فقط لئلا يلزم عتق المالك بعضا بلا استكمال ( وليس لها بعد الثلث تبرع إلا أن يبعد ) ما بين التبرعين بعام على قول أو نصفه على آخر فلها التبرع من الثلثين الباقيين وكأنه للبعد صار مالا برأسه لم يقع فيه تبرع والله أعلم

التالي السابق


. ( قوله : وعقبه بالخامس ) أي وذكره عقب الخامس وهو المرض .

( قوله وحجر على الزوجة ) أي وحجر الشرع على الزوجة لزوجها لا لأبيها ونحوه .

( قوله : أو ولي السفيه ) أي أو لولي الزوج السفيه ( قوله ولو كان الزوج عبدا ) أي فالحجر له لا لسيده بخلاف الزوج السفيه وكذلك الصغير فإن الحجر على زوجته لوليه لا له [ ص: 308 ]

( قوله : لأن الغرض ) أي المقصود من مالها التجمل به أي لزوجها والزوج ولو عبدا له حق في التجمل بمالها دون السيد إن قيل يلزم على هذا أن الزوج إذا كان سفيها أن يكون الحق له في الحجر دون وليه وقد مر أنه لوليه فجوابه أن السفيه قد تموت زوجته فيرثها فلذا كان الحجر والنظر في تبرعها للولي بخلاف العبد فإن زوجته إذا ماتت لا يرثها وإنما له التجمل حال حياتها فلذا كان الحجر له دون سيده تأمل .

( قوله : في تبرع ) احترز به عن الواجبات عليها من نفقة أبويها فلا يحجر عليها فيه كما لو تبرعت بالثلث فأقل ولو قصدت بذلك ضرر الزوج عند ابن القاسم خلافا لما روي عن مالك من رد الثلث إذا قصدت به ضرر الزوج واختاره ابن حبيب ومحل الحجر عليها في تبرعها بزائد الثلث إذا كان التبرع لغير زوجها وأما له فلها أن تهب جميع مالها له ولا اعتراض عليها في ذلك لأحد انظر شب .

( قوله : ولو بعتق ) أي ولو كان تبرعها بأزيد من الثلث بعتق ( قوله لأنه لا يحجر على نفسه لنفسه ) أي فإذا ضمنت ما يزيد على ثلثها فإن كان المضمون غير الزوج موسرا كان أو معدما كان للزوج رد الضمان من أصله وإن كان المضمون زوجها كان الضمان لازما وليس للزوج رد ضمانها له وهذا هو المعتمد وما يأتي في باب الضمان من أن ضمانها لزوجها كضمانها لأجنبي وحينئذ فللزوج أن يرد كفالتها له بما زاد على ثلثها كما يرد كفالتها لأجنبي إذا كفلته فيما زاد على الثلث فهو ضعيف ا هـ تقرير شيخنا عدوي .

( قوله : فإن قالت ) أي الزوجة أكرهني أي الزوج على ضمانه لم تصدق .

( قوله : وهذا ) أي التفصيل بين كون المضمون زوجها أو غيره وكون ما ضمنته قدر الثلث أو أكثر .

( قوله : في غير ضمان الوجه والطلب ) أي وهو ضمان المال .

( قوله : فله منعها ) أي وأما هما فله منعها منهما لأنهما يؤديان للخروج والزوج يتضرر بذلك وقد تحبس .

( قوله : مطلقا ) أي للزوج أو الأجنبي .

( قوله : وفي جواز إقراضها ) أي وحينئذ فليس لزوجها رده .

( قوله : أو منعه ) أي وحينئذ فلزوجها الحر أو العبد أن يحجر عليها في ذلك .

( قوله : قولان ) قال بعضهم وينبغي أن يكون إقراض المريض مرضا مخوفا كإقراض الزوجة في جريان الخلاف المذكور ( قوله فليس فيه إلخ ) أي بل هو جائز اتفاقا .

( قوله وهو جائز حتى يرد إلخ ) حاصله أن تصرف الزوجة والعبد والمدين محمول على الإجازة حتى يرد وحينئذ فيمضي تبرع الزوجة بزائد الثلث إذا لم يعلم به الزوج حتى زالت الزوجية بطلاق بائن أو موت أحدهما وكذا يمضي تبرع العبد إذا لم يعلم به السيد إلا بعد عتقه وكذا يمضي تبرع المدين إذا لم يعلم به الغرماء إلا بعد وفاء الدين .

( قوله : فمضى إلخ ) هذا من ثمرات ما قبله .

( قوله : وسكت ) أي لم يرد ولم يمض حتى تأيمت وقوله حتى تأيمت بطلاق أي بائن أو رجعي وانقضت العدة لا إن لم تنقض لأن الرجعية زوجة ما دامت في العدة ا هـ شب .

( قوله : كعتق العبد رقيقه ) هذا يقتضي أن عتق مصدر متعد مع أنه مصدر عتق الثلاثي وهو لازم لأن المتعدي إنما هو أعتق الرباعي ومصدره الإعتاق وكأن الشارح جعل عتق اسم مصدر الرباعي بمعنى إعتاق فيضاف للمفعول والأولى أن يجعل من إضافة المصدر لفاعله وإنه لازم لا يطلب مفعولا أي كأن يقع العتق على العبد بعد أن تبرع بتبرعات من عتق ونحوه ولم يعلم سيده بها فإنها تمضي ولذا قال ابن غازي كما يمضي تبرع العبد إذا لم يعلم سيده حتى عتق انظر بن .

( قوله : فيمضي إلخ ) هذا صريح في أن أفعال العبد محمولة على الإجازة حتى يردها السيد .

( قوله : كتبرع مدين ) أي بصدقة أو عتق أو وقف .

( قوله : حتى وفى دينه ) أي فلو علم الغرماء بتبرعات المدين وردوها وبقيت بيده حتى أوفاهم ديونهم فإن تلك التبرعات تكون ماضية لأن رد الغرماء رد إيقاف لا إبطال وأما لو تلفت بيده قبل وفاء الدين فلا يلزم بدله .

( قوله : وله رد الجميع ) هذا مبين لإجمال قوله وعلى الزوجة إلخ فلا معارضة ا هـ شب [ ص: 309 ]

( قوله : رد الجميع ) أي لأنها لما تبرعت بالزائد حملت على أن قصدها إضرار الزوج فعوملت بنقيض قصدها فاندفع ما يقال إنه قد مر أن الزوج ليس له رد الثلث فمقتضاه أنه لا يرد إلا الزائد ا هـ تقرير عدوي وظاهر قوله وله رد الجميع أي ولو بعد مدة طويلة وهو كذلك كما قرر شيخنا وما ذكره المصنف من أن للزوج رد الجميع هو المشهور من المذهب خلافا لمن قال ليس له إلا رد الزائد على الثلث أو إجازته ولا كلام له في الثلث كورثة المريض .

( تنبيه ) رد الزوج رد إيقاف على المعتمد كما هو مذهب المدونة ورد إبطال عند أشهب وأما رد الغرماء فهو رد إيقاف بإيقاف ورد الولي الشامل للسيد لأفعال محجوره فهو رد إبطال باتفاق قال ابن غازي رحمه الله تعالى :

أبطل صنيع العبد والسفيه برد مولاه ومن يليه     وأوقفن رد الغريم واختلف
في الزوج والقاضي كمبدل عرف

أي للقاضي حكم من ناب عنه فإن رد على المدين فإيقاف أو على المحجور فإبطال .

( قوله : إن تبرعت بزائد على ثلثها ) ظاهره ولو كانت الزيادة يسيرة وهو كذلك .

( قوله : رد الزائد فقط ) وهذا بخلاف المريض إذا تبرع بزائد عن ثلثه فليس للوارث رد الجميع بل رد الزائد عن الثلث فقط أو إجازة الجميع والفرق بين المرأة والمريض أن المرأة قادرة على إنشاء ما أبطله الزوج بعد مدة بخلاف المريض ( قوله على قول ) أي على قول ابن سهل وقوله على آخر أي وهو قول أصبغ وابن عرفة وحكى عج ترجيح الأول حيث قال قيل وهو الأرجح ورجح الثاني الشيخ إبراهيم اللقاني قال شيخنا والظاهر أن المعتمد قول أصبغ لأنه تلميذ أصحاب الإمام كابن القاسم وأشهب وابن وهب فهو أدرى بأقوالهم خصوصا وقد قبله ابن عرفة وأما ابن سهل فهو من المتأخرين



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث