الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء أن العين حق والغسل لها

جزء التالي صفحة
السابق

2062 حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش البغدادي حدثنا أحمد بن إسحق الحضرمي حدثنا وهيب عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا قال أبو عيسى وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وهذا حديث حسن صحيح غريب وحديث حية بن حابس حديث غريب وروى شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن حية بن حابس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن المبارك وحرب بن شداد لا يذكران فيه عن أبي هريرة [ ص: 187 ]

التالي السابق


[ ص: 187 ] قوله : ( أخبرنا أحمد بن إسحاق ) بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي أبو إسحاق البصري ثقة ، كان يحفظ من التاسعة ( أخبرنا وهيب ) بالتصغير ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم أبو بكر البصري ثقة ثبت لكنه تغير قليلا بآخره من السابعة كذا في التقريب ( عن ابن طاوس ) هو عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني أبو محمد ، ثقة فاضل عابد من السادسة .

قوله : ( لو كان شيء سابق القدر ) بالتحريك أي لو أمكن أن يسبق شيء القدر في إفناء شيء وزواله قبل أوانه المقدر له ( لسبقته ) أي القدر ( العين ) لكنها لا تسبق القدر ، فإنه تعالى قدر المقادير قبل الخلق ، قال الحافظ : جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء ، إذ القدر عبارة عن سابق علم الله وهو لا راد لأمره ، وحاصله لو فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين لكنها لا تسبق فكيف غيرها انتهى ، قال النووي : فيه إثبات القدر وهو حق بالنصوص وإجماع أهل السنة ، ومعناه أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى وسبق بها علمه ، فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى وفيه صحة أمر العين وأنها قوية الضرر انتهى .

( وإذا استغسلتم ) بصيغة المجهول أي إذا طلبتم للاغتسال ( فاغسلوا ) أطرافكم عند طلب المعيون ذلك من العائن ، وهذا كان أمرا معلوما عندهم ، فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم ، وأدنى ما في ذلك رفع الوهم الحاصل في ذلك ، وظاهر الأمر الوجوب ، وحكى المازري فيه خلافا وصحح الوجوب وقال متى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به فإنه يتعين ، وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر وهذا أولى ، ولم يبين في هذا الحديث صفة الاغتسال وقد وقعت في حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائي وصححه ابن حبان من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو ماء حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف وكان أبيض حسن الجسم والجلد ، فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال : ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة ، فلط ، أي صرع وزنا ومعنى ، أي سهل ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هل تتهمون به من أحد ؟ قالوا : عامر بن ربيعة فدعا عامرا فتغيظ عليه ، فقال : علام يقتل أحدكم أخاه ؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت ثم قال : اغتسل له ، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم يصب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره ثم يكفأ القدح ، ففعل به [ ص: 187 ] ذلك ، فراح سهل مع الناس ليس به بأس ، لفظ أحمد من رواية أبي أويس عن الزهري ، ولفظ النسائي من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري بهذا السند أنه يصب صبة على وجهه بيده اليمنى وكذلك سائر أعضائه صبة صبة في القدح ، وقال في آخره ثم يكفأ القدح وراءه على الأرض ، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق ابن عيينة عن الزهري عن أبي أمامة أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل فذكر الحديث ، وفيه فليدع بالبركة ثم دعا بماء فأمر عامرا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره وأمره أن يصب عليه ، قال سفيان قال معمر عن الزهري : وأمر أن يكفأ الإناء من خلفه ، قال المازري : المراد بداخلة الإزار الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن ، وقد ظن بعضهم أن داخلة الإزار كناية عن الفرج انتهى ، وزاد عياض أن المراد ما يلي جسده من الإزار ، وقيل أراد موضع الإزار من الجسد وقيل أراد وركه لأنه ، معقد الإزار .

والحديث في الموطأ وفيه عن مالك ، حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل أنه سمع أباه يقول : اغتسل سهل فذكر نحوه ، وفيه : فنزع جبة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر فقال ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء ، فوعك سهل مكانه واشتد وعكه ، وفيه : ألا بركت إن العين حق ، توضأ له ، فتوضأ له عامر فراح سهل ليس به بأس .

تنبيه :

قال المازري : هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ، ومعرفة وجهه من جهة العقل ، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه وقال ابن العربي : إن توقف متشرع قلنا له الله ورسوله أعلم ، وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة ، أو متفلسف ، فالرد عليه أظهر لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها وقد تفعل بمعنى لا يدرك ، ويسمون ما هذا سبيله الخواص ، وقال ابن القيم : هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها ولا من سخر منها ولا من شك فيها أو فعلها مجربا غير معتقد ، وإذا كان في الطبيعة خواص لا يعرف الأطباء عللها ، بل هي عندهم خارجة عن القياس ، وإنما تفعل بالخاصية فما الذي تنكر جهلتهم من الخواص الشرعية ، هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة ، فهذا ترياق سم الحية يؤخذ من لحمها ، وهذا علاج النفس الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان فيسكن ، فكأن أثر تلك العين كشعلة نار وقعت على جسد ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة ، ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها ولا شيء أرق من المغابن فكان في غسلها إبطال لعملها ، ولا سيما أن للأرواح الشيطانية في تلك المواضع اختصاصا ، وفيه أيضا وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها نفاذا ، فتنطفئ تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء وهذا الغسل المأمور به ينفع بعد استحكام النظرة ، فأما عند الإصابة وقبل الاستحكام فقد أرشد الشارع إلى ما يدفعه بقوله في قصة سهل بن حنيف المذكورة كما مضى : ألا بركت عليه ، وفي رواية ابن ماجه فليدع بالبركة ، ومثله عند ابن [ ص: 189 ] السني من حديث عامر بن ربيعة ، وأخرجه البزار وابن السني من حديث أنس رفعه : من رأى شيئا فأعجبه فقال : ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره .

قوله : ( وفي الباب عن عبد الله بن عمرو ) لينظر من أخرجه .

قوله : ( هذا حديث صحيح ) وأخرجه أحمد ومسلم ( وحديث حية بن حابس حديث غريب ) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد ( وروى شيبان ) هو ابن عبد الرحمن النحوي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث