الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


د - الخروج إلى عرفة

وأما الفعل الذي يلي هذا الفعل للحاج : فهو الخروج يوم التروية إلى منى والمبيت بها ليلة عرفة .

واتفقوا على أن الإمام يصلي بالناس بمنى يوم التروية الظهر والعصر والمغرب والعشاء بها مقصورة ، إلا أنهم أجمعوا على أن هذا الفعل ليس شرطا في صحة الحج لمن ضاق عليه الوقت ، ثم إذا كان يوم عرفة مشى الإمام مع الناس من منى إلى عرفة ووقفوا بها .

الوقوف بعرفة

والقول في هذا الفعل ينحصر في معرفة حكمه ، وفي صفته ، وفي شروطه .

[ 1 - حكم الوقوف ]

أما حكم الوقوف بعرفة : فإنهم أجمعوا على أنه ركن من أركان الحج ، وأن من فاته فعليه حج قابل ، والهدي في قول أكثرهم ; لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " الحج عرفة " .

[ ص: 287 ] [ 2 - صفة الوقوف ]

وأما صفته : فهو أن يصل الإمام إلى عرفة يوم عرفة قبل الزوال ، فإذا زالت الشمس خطب الناس ، ثم جمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر ، ثم وقف حتى تغيب الشمس . وإنما اتفقوا على هذا لأن هذه الصفة هي مجمع عليها من فعله - صلى الله عليه وسلم - ولا خلاف بينهم أن إقامة الحج هي للسلطان الأعظم ، أو لمن يقيمه السلطان الأعظم ; لذلك وأنه يصلي وراءه برا كان السلطان أو فاجرا أو مبتدعا ، وأن السنة في ذلك أن يأتي المسجد بعرفة يوم عرفة مع الناس ، فإذا زالت الشمس خطب الناس - كما قلنا - وجمع بين الظهر والعصر .

واختلفوا في وقت أذان المؤذن بعرفة للظهر والعصر ; فقال مالك : يخطب الإمام حتى يمضي صدرا من خطبته أو بعضها ، ثم يؤذن المؤذن وهو يخطب . وقال الشافعي : يؤذن إذا أخذ الإمام في الخطبة الثانية . وقال أبو حنيفة : إذا صعد الإمام المنبر أمر المؤذن بالأذان، فأذن كالحال في الجمعة ، فإذا فرغ المؤذن قام الإمام يخطب ، ثم ينزل ويقيم المؤذن الصلاة ، وبه قال أبو ثور تشبيها بالجمعة . وقد حكى ابن نافع عن مالك أنه قال : الأذان بعرفة بعد جلوس الإمام للخطبة وفي حديث جابر : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، وأتى بطن الوادي فخطب الناس ، ثم أذن بلال ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئا ثم راح إلى الموقف " .

واختلفوا هل يجمع بين هاتين الصلاتين بأذانين وإقامتين ، أو بأذان واحد وإقامتين ، فقال مالك : يجمع بينهما بأذانين وإقامتين . وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأبو ثور وجماعة : يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين . وروي عن مالك مثل قولهم . وروي عن أحمد أنه يجمع بينهما بإقامتين .

والحجة للشافعي : حديث جابر الطويل في صفة حجه - عليه الصلاة والسلام - وفيه : أنه صلى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين - كما قلنا - .

وقول مالك مروي عن ابن مسعود ، وحجته أن الأصل هو أن تفرد كل صلاة بأذان وإقامة ، ولا خلاف بين العلماء أن الإمام لو لم يخطب يوم عرفة قبل الظهر أن صلاته جائزة بخلاف الجمعة ، وكذلك أجمعوا أن القراءة في هذه الصلاة سر ، وأنها مقصورة إذا كان الإمام مسافرا .

واختلفوا إذا كان الإمام مكيا هل يقصر بمنى الصلاة يوم التروية ، وبعرفة يوم عرفة ، وبالمزدلفة ليلة النحر إن كان من أحد هذه المواضع ؟ فقال مالك والأوزاعي وجماعة : سنة هذه المواضع التقصير سواء كان من أهلها أو لم يكن . وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وداود : لا يجوز أن يقصر من كان من أهل تلك المواضع

وحجة مالك : أنه لم يرو أن أحدا أتم الصلاة معه - صلى الله عليه وسلم - أعني : بعد سلامه منها .

وحجة الفريق الثاني : البقاء على الأصل المعروف أن القصر لا يجوز إلا للمسافر حتى يدل الدليل على التخصيص . واختلف العلماء في وجوب الجمعة بعرفة ومنى ، فقال مالك : لا تجب الجمعة بعرفة ولا بمنى إلا أيام الحج لا لأهل مكة ولا لغيرهم إلا أن يكون الإمام من أهل عرفة . وقال الشافعي مثل ذلك ، إلا أنه [ ص: 288 ] يشترط في وجوب الجمعة أن يكون هنالك من أهل عرفة أربعون رجلا على مذهبه في اشتراط هذا العدد في الجمعة . وقال أبو حنيفة : إذا كان أمير الحج ممن لا يقصر الصلاة بمنى ولا بعرفة صلى بهم فيها الجمعة إذا صادفها . وقال أحمد : إذا كان والي مكة يجمع بهم . وبه قال أبو ثور .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث