الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وأما شروطه فثلاث : النية ، والصيام ، وترك مباشرة النساء .

أما النية : فلا أعلم فيها اختلافا .

وأما الصيام : فإنهم اختلفوا فيه; فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة إلى أنه لا اعتكاف إلا بالصوم .

وقال الشافعي : الاعتكاف جائز بغير صوم ، وبقول مالك قال من الصحابة ابن عمر وابن عباس على خلاف عنه في ذلك ، وبقول الشافعي قال علي وابن مسعود .

والسبب في اختلافهم : أن اعتكاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما وقع في رمضان فمن رأى أن الصوم المقترن باعتكافه هو شرط في الاعتكاف وإن لم يكن الصوم للاعتكاف نفسه قالا : لا بد من الصوم مع الاعتكاف ، ومن رأى أنه إنما اتفق ذلك اتفاقا لا على أن ذلك كان مقصودا له - عليه الصلاة والسلام - في الاعتكاف قال : ليس الصوم من شرطه .

ولذلك أيضا سبب آخر : وهو اقترانه في آية واحدة .

وقد احتج الشافعي بحديث عمر - المتقدم - ، وهو أنه أمره - عليه الصلاة والسلام - أن يعتكف ليلة والليل ليس بمحل للصيام .

واحتجت المالكية بما روى عبد الرحمن بن إسحاق عن عروة عن عائشة أنها قالت : " السنة للمعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج إلا إلى ما لا بد له منه ، ولا اعتكاف إلا بصوم ، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع " .

قال أبو عمر بن عبد البر : لم يقل أحد في حديث عائشة : هذه السنة إلا عبد الرحمن بن إسحاق ، ولا يصح هذا الكلام عندهم إلا من قول الزهري ، وإن كان الأمر هكذا بطل أن يجري مجرى المسند .

وأما الشرط الثالث وهي المباشرة : فإنهم أجمعوا على أن المعتكف إذا جامع عامدا بطل اعتكافه ، إلا ما روي عن ابن لبابة في غير المسجد ، واختلفوا فيه إذا جامع ناسيا .

واختلفوا في فساد الاعتكاف بما دون الجماع من القبلة واللمس ، فرأى مالك أن جميع ذلك يفسد الاعتكاف . وقال أبو حنيفة : ليس في المباشرة فساد إلا أن ينزل ، وللشافعي قولان : أحدهما مثل قول مالك ، والثاني مثل قول أبي حنيفة .

وسبب اختلافهم : هل الاسم المتردد بين الحقيقة والمجاز له عموم أم لا ؟ وهو أحد أنواع الاسم المشترك ، فمن ذهب إلى أن له عموما قال : إن المباشرة في قوله - تعالى - : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) ينطلق على الجماع وعلى ما دونه . ومن لم ير عموما وهو الأشهر الأكثر قال : يدل إما على [ ص: 264 ] الجماع ، وإما على ما دون الجماع ، فإذا قلنا إنه يدل على الجماع بإجماع بطل أن يدل على غير الجماع ، لأن الاسم الواحد لا يدل على الحقيقة والمجاز معا . ومن أجرى الإنزال بمنزلة الوقاع فلأنه في معناه . ومن خالف فلأنه لا ينطلق عليه الاسم حقيقة .

واختلفوا فيما يجب على المجامع : فقال الجمهور : لا شيء عليه ، وقال قوم : عليه كفارة ، فبعضهم قال : كفارة المجامع في رمضان ، وبه قال الحسن ، وقال قوم : يتصدق بدينارين ، وبه قال مجاهد . وقال قوم : يعتق رقبة ، فإن لم يجد أهدى بدنة ، فإن لم يجد تصدق بعشرين صاعا من تمر .

وأصل الخلاف : هل يجوز القياس في الكفارة أم لا ؟ والأظهر أنه لا يجوز .

واختلفوا في مطلق النذر بالاعتكاف هل من شرطه التتابع أم لا ؟ فقال مالك وأبو حنيفة : ذلك من شرطه . وقال الشافعي : ليس من شرطه ذلك .

والسبب في اختلافهم : قياسه على نذر الصوم المطلق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث