الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( وإذا ) ( مات ) حيوان ( بري ذو نفس ) أي دم ( سائلة ) أي جارية ( ب ) ماء ( راكد ) غير مستبحر جدا ولو كان له مادة كبئر ( ولم يتغير ) الماء [ ص: 46 ] ( ندب نزح ) منه لتزول الرطوبات التي خرجت من فيه عند فتحه وقت خروج روحه وينقص النازح الدلو لئلا تطفو الدهنية فتعود للماء ويكون النزح ( بقدرهما ) أي بقدر الحيوان والماء من قلة الماء وكثرته وصغر الحيوان وكبره فيقل النزح مع صغر الحيوان وكثرة الماء ويكثر مع كبره وقلة الماء ويتوسط في عظمهما وصغرهما والتحقيق أن المدار على ظن زوال الرطوبات وكلما كثر النزح كان أحسن واحترز بالبري عن البحري وبذي النفس عن غيره كالعقرب وبالراكد عن الجاري فلا يندب النزح في شيء من ذلك .

ثم صرح بمفهوم الشرط لخفائه وللرد على من يقول فيه بندب النزح فقال : ( لا إن ) ( وقع ) البري في الماء ( ميتا ) أو حيا وأخرج حيا فلا يندب النزح ( وإن زال تغير ) الماء الكثير ولا مادة له ( النجس ) بكسر الجيم أي المتنجس ( لا بكثرة مطلق ) صب عليه ولا بإلقاء شيء من تراب أو طين بل بنفسه أو بنزح بعضه ( فاستحسن الطهورية ) لذلك الماء لأن تنجسه إنما كان لأجل التغير ، وقد زال والحكم يدور مع علته وجودا وعدما كالخمر يتخلل ( وعدمها ) أي الطهورية يعني والطاهرية وكأنه اتكل على استصحاب الأصل ( أرجح ) وهو المعتمد والأول ضعيف إلا [ ص: 47 ] أنه اعترض بأنه ليس لابن يونس هنا ترجيح ومفهوم الماء الكثير أن القليل باق على تنجيسه بلا خلاف ومفهوم لا بكثرة مطلق أنه يطهر إذا زال تغيره بكثرة المطلق وكذا بقليله أو بمضاف طاهر خلافا لظاهر المصنف وكذا لو زال التغير بإلقاء طين أو تراب إن زال أثرهما فلو قال لا بصب طاهر كان أولى ومفهوم النجس أنه لو زال تغير الطاهر بنفسه أو بطاهر فهو طهور ( و ) إذا شك في مغير الماء ( قبل خبر الواحد ) العدل الرواية ولو أنثى أو عبدا المخبر بنجاسته ( إن بين ) المخبر ( وجهها ) كأن يقول تغير بدم أو بول ( أو ) لم يبين المخبر وجهها ولكن ( اتفقا ) أي المخبر والمخبر ( مذهبا ) والمخبر بالكسر عالم بما ينجس وما لا ينجس ( وإلا ) بأن اختلف المذهب مع عدم بيان الوجه ( فقال ) المازري من عند نفسه ( يستحسن ) أي يستحب ( تركه ) لتعارض الأصل وهو الطهورية وإخبار المخبر بتنجيسه وهذا عند وجود غيره وإلا تعين ( وورود الماء [ ص: 48 ] على ) ذي ( النجاسة ) كثوب مثلا متنجس يصب عليه المطلق وينفصل عنه غير متغير ( كعكسه ) أي كورود النجاسة على الماء في التطهير أي لا فرق عندنا في ورود المطلق على النجاسة ولا في ورود النجاسة على الماء كأن يغمس الثوب في إناء ماء ويخرج غير متغير سواء كان الماء قليلا أو كثيرا وخالف الشافعي في الثاني فقال : إن وردت عليه وهو دون قلتين تنجس بمجرد الملاقاة ولا يمكن تطهير الثوب إلا بصب الماء عليه أو يغمس في ماء قدر قلتين فأكثر

التالي السابق


( قوله : ذو نفس سائلة ) أي دم يجري منه إن ذبح أو جرح كالآدمي والحيوان الذي ميتته نجسة ( قوله : غير مستبحر ) وإلا فلا يندب النزح ( قوله : ولو كان له مادة ) وأولى إن لم تكن له مادة وذلك كالصهريج والبركة وهذا جار على قول ابن وهب وبه العمل وظاهر قول ابن القاسم في المدونة أن ندب النزح بقدرهما فيما لا مادة له أما ما له مادة فإنه يترك بالكلية ولا ينزح منه شيء كما في بن ( قوله : ولم يتغير الماء ) أي وإلا وجب النزح ; لأن ميتته نجسة ( قوله : ندب نزح ) أي بعد إخراج الميتة أو قبل إخراجها ; لأن الفضلات التي ينزح لأجلها خرجت منه قبل خروج روحه ، وأما بعد خروجها فلا يخرج منه شيء واعلم أن ما ذكره [ ص: 46 ] المصنف من ندب النزح مع القيود وهي كون الحيوان الواقع في الماء بريا ذا نفس سائلة ، والماء الواقع فيه راكد وغير كثير جدا ومات فيه ولم يتغير هو المشهور وقيل يجب النزح وعلى المشهور فهو مكروه الاستعمال قبل النزح مع وجود غيره ويعيد من صلى به في الوقت كما في ح وابن مرزوق نقلا عن الأكثر انظر بن ( قوله : ندب نزح ) أي وكره استعمال الماء قبل النزح لا بعده فلا كراهة .

( قوله : لئلا تطفو ) أي تعلو الدهنية على وجه الماء الذي في الدلو فتسقط في البئر فتضيع ثمرة النزح ( قوله : في عظمهما ) أي الماء الراكد والحيوان وكذا يقال فيما بعده ( قوله : والتحقيق ) أي وأما ما قاله المصنف من أنه يندب النزح بقدرهما فهو خلاف التحقيق إذ لا يفيد حكما ; لأنه علق الندب على مجهول وهو النزح بقدرهما وهذا التحقيق للرجراجي ( قوله : : على ظن زوال الرطوبات ) أي لا على النزح بقدرهما ( قوله : واحترز بالبري إلخ ) واحترز أيضا بقوله ، وإن لم يتغير عما إذا تغير أحد أوصاف الماء فإنه يجب النزح لنجاسته وحينئذ فينزح كله إن كان لا مادة له ويغسل الجب بعد ذلك وما له مادة ينزح منه ما يزيل التغير كان الماء كثيرا أو قليلا ( قوله : لا إن وقع ميتا ) الذي في بن عن ابن مرزوق ترجيح القول بأن الوقوع ميتا كالموت فيه ا هـ ولكن ما مشى عليه المصنف ظاهر من تعليل الرطوبات السابق ( قوله : وأخرج حيا ) راجع لقوله أو حيا فقط ( قوله : فلا يندب النزح ) وهل جسده محمول على الطهارة ، ولو غلبت مخالطته للنجاسة وهو ظاهر كلام ابن رشد أو ما غلبت مخالطته للنجاسة محمول عليها وهو قول سعيد بن نمير ومال إليه ابن الإمام وقاله ح ، وما قاله ابن رشد أظهر إذا وقع في طعام ; لأن الطعام لا يطرح بالشك وما قاله غيره ظاهر إذا كان وقع في الماء فيكره مع وجود غيره إن كان قليلا وفي المج وجسد غالب النجاسة يحمل عليها ، ولو في الطعام خلافا للح ; لأن هذا ظن لا شك

( قوله : وإن زال إلخ ) صورتها ماء كثير ولا مادة له حلت فيه نجاسة وغيرته ثم زال ذلك التغير تحقيقا أو ظنا لا بمطلق خلط به ولا بإلقاء شيء فيه من تراب أو طين بل زال تغيره بنفسه أو بنزح بعضه فالمسألة ذات قولين قيل : إن الماء يعود طهورا وقيل باستمرار نجاسته ، فإن زال تغيره بصب مطلق عليه قليل أو كثير أو ماء مضاف انتفت نجاسته قولا واحدا كما لو زال تغيره بإلقاء شيء فيه من تراب أو طين ولم يظهر فيه أحد أوصاف ما ألقي فيه ، فإن ظهر فلا نص واستظهر بعضهم نجاسته وبعضهم طهوريته ( قوله : تغير الماء إلخ ) أي وأما لو زال تغير نفس النجاسة كالبول فهو باق على نجاسته جزما ; لأن نجاسته لبوليته لا لتغيره ولا وجه لما حكاه فيه ابن دقيق العيد من الخلاف كما في شب كذا في المج ( قوله : ولا مادة له ) أي وأما لو كان له مادة فإنه يطهر باتفاق ; لأن تغيره حينئذ زال بكثرة المطلق ( قوله : أي المتنجس ) وهو ما غيره النجس بالفتح ( قوله : وعدمها أرجح ) أي لأن النجاسة لا تزال إلا بالماء المطلق وليس حاصلا وحينئذ فيستمر بقاء النجاسة ( قوله : : وكأنه اتكل إلخ ) جواب عما يقال : إن الطهورية أخص من الطاهرية فلا يلزم من نفي الطهورية نفي الطاهرية وهذا القائل يقول بنفيهما معا .

وحاصل الجواب أن عود الضمير على الطهورية لا يمنع من الحكم عليه بنفي الطاهرية أيضا ; لأن قرينة الاستصحاب وهو تعين إرادة الطاهرية ( قوله : وهو المعتمد والأول ضعيف ) تبع الشارح في اعتماد القول الثاني وتضعيف الأول عج وعبق وشب وشيخنا في الحاشية والذي في بن ترجيح القول الأول وتضعيف الثاني ومن بديع الاتفاق أن بن عول على ما في ح وإن عج استدل أيضا بكلام ح ولكن الحق أن [ ص: 47 ] كلام ح فيه تقوية لكل من القولين فإنه ذكر أثناء كلامه عن ابن الفاكهاني في شرح الرسالة تشهير قول ابن القاسم بعدم الطهورية وذكر أن ابن عرفة أنكر القول بالطهورية الذي هو رواية ابن وهب وهذا مستند عج وذكر أن القول بالطهورية صححه ابن رشد وارتضاه سند والطرطوشي وهذا مستند بن واعلم أن محل هذا الخلاف إذا وجد ماء آخر غير ذلك الماء ، وأما إذا لم يوجد إلا هو فإنه يستعمل من غير كراهة أما على الأول فظاهر ، وأما على الثاني فمراعاة للخلاف .

والحاصل أن القول الثاني يقول : إن محل الحكم بالنجاسة وعدم الاستعمال إذا وجد غيره وإلا استعمل مراعاة للقول الأول كذا قاله شيخنا ( قوله : ليس لابن يونس هنا ترجيح ) أي وإنما كلامه كما قال ابن غازي فيما إذا أزيل عين النجاسة بمضاف فمن المعلوم أن العين زالت وهل الحكم باق أو لا قولان رجح ابن يونس بقاءه ( قوله : ومفهوم الماء الكثير ) قال بعض الشراح : وانظر ما حد الكثير ( قوله : بلا خلاف ) أي ومفهوم قوله ولا مادة له إن الذي له مادة يطهر اتفاقا ; لأن تغيره قد زال بكثرة مطلق ( قوله : خلافا لظاهر المصنف ) أي فإن ظاهره أنه إذا صب عليه مطلق يسير أو مضاف طاهر فإنه من محل الخلاف ; لأن قوله لا بكثرة مطلق معناه لا بمطلق كثير وهذا شامل لما ذكر ( قوله : إن زال أثرهما ) أي لم يوجد شيء من أوصافهما فيما ألقيا فيه أما إن وجد فلا يطهر لاحتمال بقاء النجاسة مع بقاء أثرهما

( قوله : فلو قال لا بصب طاهر ) أي ليكون مفهومه شاملا لما إذا زال بمطلق قليل أو كثير أو تراب أو طين ( قوله : أنه لو زال تغير الطاهر إلخ ) أي كما إذا تغير الماء بطاهر ثم زال تغيره بنفسه أو بإلقاء شيء فيه طاهر فهو طهور كما جزم به ح وإن كان القياس جعله من المخالط الموافق كما لبعضهم ولكن الأقوى ما قاله ح ( قوله : وقبل خبر الواحد ) حاصله أن الماء إذا كان متغيرا ولم يعلم هل تغيره بقراره أو بمفارق فأخبر واحد بنجاسته فإنه يقبل خبره بشرطين : أن يكون عدل رواية وأن يبين وجهها أو يتفقا مذهبا كما أنه إذا أخبر بأنه طاهر عند ظهور ما ينافي الطهارة يقبل خبره بما ذكر من الشرطين ، فإن كان الماء غير متغير وأخبر بالنجاسة فلا يقبل خبره ; لأن الأصل الطهارة وكلام المصنف هنا لا ينافي قوله أو شك في مغيره ; لأن ذلك لم يوجد مخبر يخبر بالطهارة أو النجاسة ، وقوله : وقبل خبر الواحد إنما نص على الواحد ; لأنه أقل من يتأتى منه الإخبار وإلا فمثل الواحد الاثنان فما زاد ، ولو بلغ المخبرون عدد التواتر كما في حاشية شيخنا والشروط المذكورة في الواحد تأتي في الزائد واستظهر أن الجن في ذلك كبني آدم قاله شيخنا ( قوله : العدل الرواية ) وهو المسلم البالغ العاقل غير الفاسق ذكرا كان أو أنثى حرا أو عبدا . ( قوله : المخبر بنجاسته ) أي أو بطهارته ( قوله : إن بين وجهها ) أي النجاسة بقرينة السياق وكذا الطهارة إن ظهر منافيها وإلا فهي الأصل ( قوله : : إن بين وجهها ) أي إذا اختلف مذهب السائل والمخبر لاحتمال أن يعتقد ما ليس نجسا نجسا وأولى إذا اتفقا فيه ( قوله : أو اتفقا مذهبا ) أي في شأن النجاسة وليس بلازم أن يكونا مالكيين ( قوله : يستحسن تركه ) أي وهل يعيد الصلاة في الوقت إذا توضأ به وصلى أو لا ظاهر كلامهم الثاني قاله شيخنا ( قوله : وهذا ) أي استحباب الترك ( قوله : وورود الماء إلخ ) الأولى أن يقول وورود النجاسة على الماء كعكسه ; لأن المشبه به يجب أن يكون أقوى من المشبه وهنا بالعكس ; لأن الماء إذا ورد على [ ص: 48 ] النجاسة ولم يتغير فهو طاهر باتفاق ، وأما إذا وردت النجاسة على الماء القليل ولم يتغير ففي نجاسته الخلاف بيننا وبين الشافعية ، وقد جعل المصنف هذا الفرع الثاني مشبها به لا يقال إن عادة المصنف إدخال الكاف على المشبه لا على المشبه به ; لأنا نقول إنما يدخلها على المشبه بعد تتميم الحكم كما لو قال وورود الماء على النجاسة لا يضر كعكسه وهنا ليس كذلك وحينئذ فهي داخلة على المشبه به فالاعتراض باق فتأمل وذكر هذه المسألة غير ضروري لاستفادتها مما تقدم لكنه قصد بالتصريح بها الرد على المخالف كالشافعي ( قوله : على ذي النجاسة ) أي وهو الشيء المتنجس ( قوله : وينفصل عنه ) أي وينفصل الماء عن الثوب ( قوله : لا فرق عندنا في ورود ) أي في حصول التطهير بين ورود إلخ ( قوله : كأن يغمس الثوب ) أي المتنجس ( قوله : الثاني ) أي ، وأما الأول فهو محل اتفاق ( قوله : إن وردت ) أي إن وردت عليه وهو قدر قلتين فأكثر فكما قلناه ( قوله : بمجرد الملاقاة ) أي وإن لم يتغير والقلتان نحو أربعمائة وسبعة وأربعين رطلا تقريبا بالمصري ، وبالبغدادي خمسمائة رطل



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث