الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام

جزء التالي صفحة
السابق

( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) إن كانت " علم " معداة تعدية عرف ، فسدت " أن " مسد المفعول ، أو التعدية التي هي لها في الأصل ، فسدت مسد المفعولين ، على مذهب سيبويه ، وقد تقدم لنا نظير هذا . و " تختانون " : هو من الخيانة ، وافتعل هنا بمعنى فعل ، فاختان بمعنى : خان ، كاقتدر بمعنى : قدر . قيل وزيادة الحرف تدل على الزيادة في المعنى ، والاختيان هنا معبر به عما وقعوا فيه من المعصية بالجماع وبالأكل بعد النوم ، وكان ذلك خيانة لأنفسهم : لأن وبال المعصية عائد على أنفسهم ، فكأنه قيل : تظلمون أنفسكم وتنقصون حقها من الخير ، وقيل : معناه تستأثرون أنفسكم فيما نهيتم عنه ، وقيل : معناه تتعهدون أنفسكم بإتيان نسائكم . يقال : تخون وتخول ، بمعنى : تعهد ، فتكون النون بدلا من اللام لأنه باللام أشهر . وقال أبو مسلم : هي عبارة عن عدم الوفاء بما يجب عليه من حق النفس ، ولذلك قال : " أنفسكم " ولم يقل : الله ، وظاهر الكلام وقوع الخيانة منهم لدلالة كان على ذلك ، وللنقل الصحيح في حديث الجماع وغيره ، وقيل : ذلك على تقدير " ولم يقع بعد " ، والمعنى : تختانون أنفسكم لو دامت تلك الحرمة ، وهذا فيه ضعف لوجود كان : ولأنه إضمار لا يدل عليه دليل ، ولمنافاة ظاهر قوله : ( فتاب عليكم وعفا عنكم ) .

( فتاب عليكم ) أي : قبل توبتكم حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور ، وقيل : معناه خفف عنكم بالرخصة والإباحة كقوله : ( علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ) ، ( فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ) ، ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) ، معناه كله التخفيف ، وقيل : معناه أسقط عنكم ما افترضه من تحريم الأكل والشرب والجماع بعد العشاء ، أو بعد النوم على الخلاف ، وهذا القول راجع لمعنى القول . الثاني : ( وعفا عنكم ) أي : عن ذنوبكم فلا يؤاخذكم ، وقبول التوبة هو رفع الذنب كما قال - صلى الله عليه وسلم : " التوبة تمحو الحوبة " والعفو : تعفية أثر الذنب ، فهما راجعان إلى معنى واحد ، وعاقب بينهما للمبالغة ، وقيل : المعنى ، سهل عليكم أمر النساء فيما يؤتنف ، أي : ترك لكم التحريم ، كما تقول : هذا شيء معفو عنه ، أي : متروك ، ويقال : أعطاه عفوا ، أي سهلا لم يكلفه إلى سؤال ، وجرى الفرس شأوين عفوا ، أي : من ذاته من غير إزعاج واستدعاء بضرب بسوط ، أو نخس بمهماز .

( فالآن باشروهن ) تقدم الكلام على " الآن " في قوله : ( قالوا الآن جئت بالحق ) ، أي : فهذا الزمان ، أي : ليلة الصيام باشروهن ، وهذا أمر يراد به الإباحة لكونه ورد بعد النهي : ولأن الإجماع انعقد عليه [ ص: 50 ] والمباشرة في قول الجمهور : الجماع ، وقيل : الجماع فما دونه ، وهو مشتق من تلاصق البشرتين ، فيدخل فيه المعانقة والملامسة . وإن قلنا : المراد به هنا الجماع ، لقوله : " الرفث " ولسبب النزول ، فإباحته تتضمن إباحة ما دونه .

) أي ( وابتغوا ما كتب الله لكم : اطلبوا ، وفي تفسير : " ما كتب الله " أقوال : أحدهما : أنه الولد ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، والضحاك ، والربيع ، والسدي ، والحكم بن عتيبة : لما أبيحت لهم المباشرة أمروا بطلب ما قسم الله لهم ، وأثبته في اللوح المحفوظ من الولد ، وكأنه أبيح لهم ذلك لا لقضاء الشهوة فقط ، لكن لابتغاء ما شرع الله النكاح له من التناسل : " تناكحوا تناسلوا ، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " . الثاني : هو محل الوطء أي : ابتغوا المحل المباح الوطء فيه دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم لقوله : ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) . الثالث : هو ما أباحه بعد الحظر ، أي : ابتغوا الرخصة والإباحة ، قاله قتادة ، وابن زيد . الرابع : وابتغوا ليلة القدر ، قاله معاذ بن جبل ، وروي عن ابن عباس . قال الزمخشري : وهو قريب من بدع التفاسير .

الخامس : هو القرآن ، قاله ابن عباس ، والزجاج . أي : ابتغوا ما أبيح لكم وأمرتم به ، ويرجحه قراءة الحسن ، ومعاوية بن قرة : " واتبعوا " من الاتباع ، ورويت أيضا عن ابن عباس . السادس : هو الأحوال والأوقات التي أبيح لكم المباشرة فيهن : لأن المباشرة تمتنع في زمن الحيض والنفاس والعدة والردة . السابع : هو الزوجة والمملوكة كما في قوله تعالى : ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) . الثامن : أن ذاك نهي عن العزل لأنه في الحرائر . و " كتب " هنا بمعنى : جعل ، كقوله : ( كتب في قلوبهم الإيمان ) ، أو بمعنى : قضى ، أو بمعنى : أثبت في اللوح المحفوظ ، أو : في القرآن . والظاهر أن هذه الجملة تأكيد لما قبلها ، والمعنى ، والله أعلم : ابتغوا وافعلوا ما أذن الله لكم في فعله من غشيان النساء في جميع ليلة الصيام ، ويرجح هذا قراءة الأعمش : وأتوا ما كتب الله لكم . وهي قراءة شاذة لمخالفتها سواد المصحف .

( وكلوا واشربوا ) أمر إباحة أيضا ، أبيح لهم ثلاثة الأشياء التي كانت محرمة عليهم في بعض ليلة الصيام ( حتى يتبين ) غاية الثلاثة الأشياء من الجماع ، والأكل ، والشرب . وقد تقدم في سبب النزول قصة صرمة بن قيس ، فإحلال الجماع بسبب عمر وغيره ، وإحلال الأكل بسبب صرمة أو غيره . ( لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) ، ظاهره أنه الخيط المعهود ، ولذلك كان جماعة من الصحابة إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله خيطا أبيض وخيطا أسود ، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له ، إلى أن نزل قوله تعالى : ( من الفجر ) ، فعلموا أنما عنى بذلك من الليل والنهار . روى ذلك سهل بن سعد في نزول هذه الآية ، وروي أنه كان بين نزول : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) ، وبين نزول : ( من الفجر ) سنة من رمضان إلى رمضان .

قال الزمخشري ومن لا يجوز تأخير البيان وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين ، وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم ، فلم يصح عندهم هذا الحديث لمعنى حديث سهل بن سعد ، وأما من يجوزه فيقول : ليس بعبث : لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ، ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به ، انتهى كلامه . وليس هذا عندي من تأخير البيان إلى وقت الحاجة ، بل هو من باب النسخ ، ألا ترى أن الصحابة عملت به ، أعني بإجراء اللفظ على ظاهره إلى أن نزلت : " من الفجر " فنسخ حمل الخيط الأبيض والخيط الأسود على ظاهرهما ، وصارا ذلك مجازين ، شبه بالخيط الأبيض ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق ، وبالأسود ما يمتد معه من غبش الليل ، شبها بخيطين أبيض وأسود ، وأخرجه من الاستعارة إلى التشبيه قوله : " من الفجر " كقولك : رأيت أسدا من زيد ، فلو لم يذكر من زيد كان استعارة ، وكان التشبيه هنا أبلغ من الاستعارة : لأن الاستعارة لا تكون إلا حيث يدل عليها الحال ، أو الكلام [ ص: 51 ] وهنا لو لم يأت " من الفجر " لم يعلم الاستعارة ، ولذلك فهم الصحابة الحقيقة من الخيطين قبل نزول " من الفجر " ، حتى أن بعضهم ، وهو عدي بن حاتم ، غفل عن هذا التشبيه وعن بيان قوله : " من الفجر " فحمل الخيطين على الحقيقة . وحكى ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضحك وقال : " إن كان وسادك لعريضا " ، وروي : " إنك لعريض القفا " . إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل ، والقفا العريض يستدل به على قلة فطنة الرجل ، وقال :


عريض القفا ميزانه عن شماله قد انحص من حسب القراريط شاربه



وكل ما دق واستطال وأشبه الخيط سمته العرب خيطا .

وقال الزجاج : هما فجران ، أحدهما يبدو سوادا معترضا ، وهو الخيط الأسود : والآخر يطلع ساطعا يملأ الأفق ، فعنده الخيطان : هما الفجران ، سميا بذلك لامتدادهما تشبيها بالخيطين . وقوله : " من الفجر " يدل على أنه أريد بالخيط الأبيض الصبح الصادق ، وهو البياض المستطير في الأفق ، لا الصبح الكاذب ، وهو البياض المستطيل : لأن الفجر هو انفجار النور ، وهو بالثاني لا بالأول ، وشبه بالخيط وذلك بأول حاله : لأنه يبدو دقيقا ثم يرتفع مستطيرا ، فبطلوع أوله في الأفق يجب الإمساك . هذا مذهب الجمهور ، وبه أخذ الناس ومضت عليه الأعصار والأمصار ، وهو مقتضى حديث ابن مسعود ، وسمرة بن جندب . وقيل : يجب الإمساك بتبين الفجر في الطرق ، وعلى رءوس الجبال ، وهذا مروي عن عثمان ، وحذيفة وابن عباس ، وطلق بن علي ، وعطاء ، والأعمش ، وغيرهم . وروي عن علي أنه صلى الصبح بالناس ، ثم قال : الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، ومما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هو في النهار ، والنهار عندهم من طلوع الشمس إلى غروبها ، وقد تقدم ذكر الخلاف في النهار ، وفي تعيينه إباحة المباشرة والأكل والشرب بتبين الفجر للصائم ، دلالة على أن من شك في التبين وفعل شيئا من هذه ، ثم انكشف أنه كان الفجر قد طلع وصام ، أنه لا قضاء لأنه غياه بتبين الفجر للصائم لا بالطلوع . وروي عن ابن عباس أنه بعث رجلين ينظران له الفجر ، فقال أحدهما : طلع الفجر ، وقال الآخر : لم يطلع ، فقال اختلفتما ، فأكل وبان لا قضاء عليه . قال الثوري ، وعبيد الله بن الحسن ، والشافعي ، وقال مالك : إن أكل شاكا في الفجر لزمه القضاء ، والقولان عن أبي حنيفة .

وفي هذه التغيئة أيضا دلالة على جواز المباشرة إلى التبين ، فلا يجب عليه الاغتسال قبل الفجر : لأنه إذا كانت المباشرة مأذونا فيها إلى الفجر لم يمكنه الاغتسال إلا بعد الفجر ، وبهذا يبطل مذهب أبي هريرة . والحسن يرى : أن الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال بطل صومه ، وقد روت عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنبا من جماع وهو صائم ، وهذه التغيئة إنما هي حيث يمكن التبين من طريق المشاهدة ، فلو كانت مقمرة أو مغيمة ، أو كان في موضع لا يشاهد مطلع الفجر ، فإنه مأمور بالاحتياط في دخول الفجر ، إذ لا سبيل له إلى العلم بحال الطلوع ، فيجب عليه الإمساك إلى التيقن بدخول وقت الطلوع استبراء لدينه .

وذهب أبو مسلم أنه لا فطر إلا بهذه الثلاثة : المباشرة ، والأكل ، والشرب ، وأما ما عداها من القيء ، والحقنة ، وغير ذلك ، فإنه كان على الإباحة ، فبقي عليهم . وأما الفقهاء فقالوا : خصت هذه الثلاثة بالذكر لميل النفس إليها ، وأما القيء والحقنة ، فالنفس تكرههما ، والسعوط نادر ، فلهذا لم يذكرها . ومن الأولى ، هي لابتداء الغاية ، قيل : وهي مع ما بعدها في موضع نصب : لأن المعنى : حتى يباين الخيط الأبيض الخيط الأسود ، كما يقال : بانت اليد من زندها ، أي فارقته ، و " من " الثانية للتبعيض : لأن الخيط الأبيض هو بعض الفجر وأوله ، ويتعلق أيضا بـ " يتبين " ، وجاز تعلق الحرفين بفعل واحد ، وقد اتحد اللفظ لاختلاف المعنى ، فـ " من " الأولى [ ص: 52 ] هي لابتداء الغاية ، و " من " الثانية هي للتبعيض . ويجوز أن يكون للتبعيض للخيطين معا ، على قول الزجاج : لأن الفجر عنده فجران ، فيكون الفجر هنا لا يراد به الإفراد ، بل يكون جنسا . قيل : ويجوز أن يكون " من الفجر " حالا من الضمير في " الأبيض " ، فعلى هذا يتعلق بمحذوف ، أي : كائنا من الفجر ، ومن أجاز أن تكون " من " للبيان أجاز ذلك هنا ، فكأنه قيل : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض الذي هو الفجر ، من الخيط الأسود ، واكتفى ببيان الخيط الأبيض عن بيان الخيط الأسود : لأن بيان أحدهما بيان للثاني ، وكان الاكتفاء به أولى : لأن المقصود بالتبين والمنوط بتبيينه : الحكم من إباحة المباشرة ، والأكل ، والشرب . ولقلق اللفظ لو صرح به ، إذ كان يكون : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر من الليل ، فيكون من الفجر بيانا للخيط الأبيض ، ومن الليل بيانا للخيط الأسود . ولكون : من الخيط الأسود ، جاء فضلة فناسب حذف بيانه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث